لا يفسرّ النص الدستوري بحرفية أحرفه وكلماته/عصام اسماعيل
الدكتور عصام إسماعيل:
إذا كانت القاعدة القانونية الراسخة أن لا اجتهاد في معرض النص الصريح، إلا أن هذه القاعدة لا تعتمد دائماً في معرض تطبيق النص الدستوري، حيث نلاحظ أنّ في اجتهاد المجلس الدستوري لناحية التوجه نحو اعتماد المرونة في إعمال النص الدستوري حرصاً منه على مقتضيات مرتبطة بالانتظام العام وأبرزها عند تفسيره المادة المتعلقة بقطع حساب الموازنة، أو أيضاً ما اعتمده رؤساء الجمهورية سابقاً عند تفسير وتطبيق المادة 53 القديمة من الدستور التي كانت تنصّ على أن رئيس الجمهورية يعين الوزراء ويسمي منهم رئيساً ويقيلهم، لأنه وفق حرفية النص فإنّ رئيس الجمهورية ينفرد بممارسة هذا الصلاحية ولكن في الواقع كان الأمر مختلفاً بحيث كان التعيين يخضع لاعتبارات عديدة تراعيها رئاسة الجمهورية.
وهذا الأمر هو من بديهيات علم الدستور، لأن الدولة في مفهوم علم السياسة ليست المؤسسات في حالة السكون أو معزولة عن الخارج، وإنما هي فعالية الفئات المختلفة المكوّنة لهذا المجتمع، والدستور ليس مجرد مواد لكنه روح الجماعات التي تضع هذا الدستور موضع التطبيق.
لذا كان من الصعب دراسة القانون الدستوري إذا قصّرنا هذه الدراسة على استنباط معانيه من النصوص التي تعارف رجال القانون والسياسة على تسميته بالدستور المكتوب، بل تتطلّب هذه الدراسة اسناد النص إلى الوسط الاجتماعي والفلسفي والاقتصادي الذي يحيط به.
وإذا أسقطنا هذه المعطيات على المادة 52 من الدستور التي تنصّ على أن: يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية”، فإن هذه المادة لا يمكن تفسيرها بمعناها الرمادي أو الجامد بحيث تفسّر على أن هذه الصلاحية هي صلاحية حصرية لرئيس الجمهورية ونقطة في آخر السطر، فهذا ليس نهجاً سليماً في الفقه الدستوري، بل يجب اعتماد النظرية المذكورة أعلاه التي توجب مراعاة الواقع والمحيط والأسباب والمتغيّرات ومن ثمّ التحقق من النتائج التي ستترتب على ممارسة هذه الصلاحية.
وما يمنع الأخذ بغير هذا التفسير هي أيضاً قيود موجودة في الدستور ومنها: ما ورد في المادة 49 التي جعلت من رئيس الجمهورية رئيساً للدولة اللبنانية ورمزاً لوحدة الوطن، الفقرة “ي” من مقدمة الدستور التي تنص على أن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.
ولهذا فإذا كانت ممارسة صلاحية ما ستؤدي إلى نتائج سلبية على المستوى الوطني، فإن من الواجب التخلي عن هذه الممارسة إلى حين تحقق النتائج الإيجابية المرجوة منها لأن سلامة الدولة والعيش المشترك بين أبناء الوطن يبقى لهما الأولوية على أي اعتباراتٍ أخرى.
“محكمة” – الأربعاء في 2026/5/13


