أبحاث ودراسات

إستخدام الذكاء الاصطناعي في مهنة المحاماة نعمة او نقمة؟

المحامية ميشال طنوس الخوري:
شهدت السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات المهنية، ولم تكن مهنة المحاماة بمنأى عن هذا التحول.
فقد دخلت هذه التقنيات بقوة إلى مهنة المحاماة، وأصبحت تُستخدم في العديد من المهام القانونية، مثل إجراء البحوث القانونية، وصياغة العقود والمذكرات، وتحليل المستندات والأدلة، ومراجعة البيانات. ولا شك في أن الذكاء الاصطناعي أسهم في تعزيز كفاءة العمل القانوني، وخفض الوقت والتكاليف التشغيلية، وحسّن جودة الخدمات المقدمة للموكلين.
غير أن هذه المزايا يقابلها عدد من التحديات القانونية والأخلاقية التي تفرض على المحامين التزامات مهنية متزايدة، وتثير تساؤلاً جوهرياً: هل يشكل استخدام الذكاء الاصطناعي في مهنة المحاماة نعمة أم نقمة؟
في الواقع، لا يمكن الإجابة عن هذا التساؤل بصورة مطلقة، إذ إن الذكاء الاصطناعي يُعد أداة فعالة ومفيدة متى استُخدم ضمن ضوابط مهنية واضحة وتحت إشراف المحامي ورقابته المباشرة. أما الاعتماد عليه بصورة عشوائية أو دون التحقق من صحة معلوماته، فقد يؤدي إلى نتائج خطيرة تمسّ سمعة المحامي، وتزعزع ثقة الموكلين به، بل وقد ترتب عليه مسؤوليات تأديبية ومالية.
يمكن تحديد أبرز المخاطر القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في مهنة المحاماة على النحو الآتي:
– أولاً: المساس بسرية المعلومات المهنية.
تُعد سرية المعلومات والبيانات المتعلقة بالموكل من المبادئ الأساسية التي تحكم مهنة المحاماة، ويلتزم المحامي قانوناً وأخلاقياً بالحفاظ عليها. ومن ثم، فإن إدخال بيانات حساسة أو مستندات تتضمن معلومات خاصة بالموكل في منصات الذكاء الاصطناعي قد يعرّض هذه البيانات لخطر الإفصاح أو المعالجة غير المصرح بها، لا سيما عند استخدام تطبيقات خارجية غير آمنة أو غير واضحة السياسات.
– ثانياً: الاعتماد على معلومات غير دقيقة أو مضللة (AI Hallucination).
قد تنتج أدوات الذكاء الاصطناعي معلومات قانونية غير صحيحة، أو تنشئ مراجع واجتهادات قضائية وهمية، وهذه الظاهرة معروفة باسم “هلوسة الذكاء الاصطناعي” (AI Hallucination)
ويُعد الاستناد إلى هذه المعلومات دون التحقق من صحتها إخلالاً بالواجبات المهنية للمحامي، وقد يرتب عليه مسؤولية التأديبية والمدنية.
وقد برزت خلال الآونة الأخيرة أحكام قضائية عدة حول العالم أكدت أن مسؤولية المحامي لا تنتف لمجرد استخدامه أدوات الذكاء الاصطناعي، بل تظل قائمة بوصفه المسؤول الأول والأخير عن صحة ما يقدمه أمام القضاء.
– ففي 3 حزيران/يونيو 2026، أصدرت محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة التاسعة، ومقرها مدينة سان فرانسيسكو، قرارها في قضية LNU v. Blanche ، قضت بموجبه بمنع محاميين من مزاولة المهنة لمدة ستة أشهر، وفرض غرامة مالية قدرها 2,500 دولار أمريكي على كل منهما، وذلك بعد تقديمهما مذكرات قانونية تضمنت مراجع وسوابق قضائية غير صحيحة، تبيّن لاحقاً أنها ناتجة عن استخدام أداة للذكاء الاصطناعي من دون التحقق من دقة مخرجاتها.
– وفي 18 كانون الأول/ديسمبر 2025، أصدرت محاكم سوق أبو ظبي العالمي حكمها في قضية Arabiads Holding Limited v. Ghulam Rizwan Alam Marghoob Alam رقم [2025] ADGMCFI 0032، قضى أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث القانوني لا يعفي المحامي من واجبه المهني في التحقق من صحة المراجع والاجتهادات القضائية قبل الاستناد إليها أمام القضاء. وقد ألزمت المحكمة مكتب المحاماة بدفع مبلغ قدره 282,508 درهم إماراتي، بسبب استناده في مذكراته إلى سوابق قضائية وهمية أنشأتها أداة للذكاء الاصطناعي، من دون إخضاعها لأي مراجعة بشرية.
واخيراً، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في مهنة المحاماة يجب أن يُنظر إليه بوصفه أداة مساعدة، لا بديلاً عن المحامي أو عن حكمه المهني. ومن خلال الأحكام القضائية الصادرة في هذا المجال، يمكن استخلاص مجموعة من المبادئ الإرشادية التي تساعد المحامين على استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة ومسؤولة، وأبرزها:
– استخدام التكنولوجيا وإجراء البحوث القانونية وإعداد المذكرات والمستندات القضائية بكفاءة ومهنية.
– اخضاع جميع المعلومات التي تُعدّ بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي لمراجعة بشرية دقيقة قبل استخدامها أو تقديمها إلى الجهات القضائية أو للموكلين.
– التحقق شخصياً من وجود الأحكام والاجتهادات القضائية وصحة مضمونها قبل الاستناد إليها أمام القضاء.
– الامتناع عن إدخال أي معلومات أو مستندات سرية تخص الموكلين في أنظمة الذكاء الاصطناعي، إلا بعد التأكد من توافر الضمانات التقنية والقانونية الكافية لحماية البيانات.
“محكمة” – الخميس في 2026/6/18

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!