مقالات

القدس مكانتها في الديانات والقوانين/فؤاد مطر

المحامي فؤاد مطر:
تثبت الحقائق التاريخية أن القدس أسسها اليبوسيون الكنعانيون العرب قبل خمسة آلاف سنة وكانت موضعًا لعبادتهم حيث أطلقوا عليها إسم مدينة السلام -أورشليم وأقاموا مملكتهم فيها، ثم وصل إبراهيم الخليل عليه السلام إليها في طريقه من العراق إلى مصر حيث نادى ربّه، وبجوارها بنى مصلاه وأقيم حرمه في الخليل، ثم أقام داوود معبده الأول في جبل صهيون، وهو كنعاني، وليس يهوديًا، ومات فيها وقد دمر تمامًا على يد الكلدانيين ولم يبق له أثر وأقام إبنه سليمان عليها مملكته وشاد هيكله، وهي الموضع نفسه الذي ناجى فيه موسى ربه وكان فيها محراب زكريا ويعقوب، وان جميع الانبياء زاروا بيت المقدس تعظيمًا له.
خضعت القدس قبل ظهور السيد المسيح عليه السلام لحكم اليونان وبابل والاشوريين، ثم البطالسة والفرس والرومان الذين طردوا معظم اللاجئين اليهود في القدس.
إرتبطت القدس بنشأة السيدة مريم العذراء في بيت لحم والتي وضعت المسيح عليه السلام في مغارة وكان ناصري النشأة، واستقبل فيها بسعف النخيل وغصون الزيتون، وباركها وطرد من هيكلها اللصوص وبشّر بديانته التي تحضّ على الخير وتردّ البغض بالمحبة والتسامح، وتنبذ الحقد والكراهية.
علم الفادي الكون معنى التضحية والفداء لنشر السلام وتصحيح ما أفسده اليهود، وفيها صلب عند الجلجلة ومن أرضها خرج الحواريون تلاميذه يبشّرون بالمساواة غير عابئين بما يواجهون من تآمر يهودي.
نقم الامبراطور الروماني على اليهود، فنكّل بهم وشرّدهم في كل بقاع الارض وهدم هيكلهم في أورشليم، ثم أعلن الامبراطور “قسطنطين”المسيحية دينًا رسميًا للدولة الرومانية، وشيّد كنيسة القيامة التي يحجّ إليها المسيحيون، وانتشرت الكنائس في القدس لتخليد آلام المسيح.
لم ينعم المسيحيون في القدس بحرّيتهم إلّا بعد زوال الحكم البيزنطي وحضور الخليفة الفاروق نزولًا عند رغبة المسيحيين سكان المدينة وبطلب من البطريرك صفرينوس، فاستجاب وأعطى ميثاقًا “العهدة العمرية” التي أسّست علاقة مشرقة بين المسيحيين والمسلمين تحت راية العروبة، ولأنّ القدس مسرى الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد ارتفعت مئذنة المسجد الأقصى في موضع الصخرة قاعدة المعراج المشرفة في القدس وعلى المسجد الإبراهيمي في الخليل حيث صلّى عمر بن الخطاب بعد أن رفض الصلاة داخل الكنيسة حتى لا يتخذها المسلمون مسجدًا لهم واستمرّت أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين.
وقف المسيحيون والمسلمون صفًا واحدًا دفاعًا عن المقدسات. هذا ما حصل أثناء حملات الإفرنج الذين نقموا بشدّة على المسيحيين الشرقيين واستبعدوا قساوسة الارثوذكس عن كنيسة القيامة.
كانت وحدة مصر وبلاد الشام كفيلة بتحقيق التحرير في معركة حطين عام ١١٨٧م .
أما اليهود الذين غزوا فلسطين قديمًا وتمّ طردهم، فعاد جزءٌ منهم مع المسلمين بعد سقوط الأندلس، وان أكثر من تسعين بالماية من يهود اليوم هم من القوقاز الخزر(بحر قزوين) لا يمتون الى يهود الأوّلين بأية صلة أو قربى أو نسب.
نشأت الصهيونية ولم تكن تعلم أين ستقام دولتهم. وقد أصبح دين اليهود وضعيًا بعدما بدّله أحبارهم وقضاتهم بأوامر ملوكهم وحكامهم ليتناسب مع غرائزهم ومصالحهم الذاتية، وحرفوا ديانتهم واستباحوا المحرّمات وسفكوا الدماء، وباعوا القيم واعتبارهم جنسًا مميّزًا وعملوا على جمع يهود الشتات وهم لا يعرفون اللغة العبرية وان دعوتهم لتأسيس دولة إسرائيل التي لا تستند إلى أساس ديني صحيح، فقد أجمع علماء أثار يهود ومؤرخون معاصرون بعد البحث والتنقيب، بأنّ هيكل سليمان وأرض الميعاد محض خرافة، وأنّ كل المزاعم لا أصل لها، وبأن الهيكل الذي قدسوه إندثر وما زال اليهود يبحثون عنه ويسعون إلى هدم المسجد الأقصى بحثًا عن أنقاض هيكلهم، وقد عمدوا إلى إحراقه أكثر من مرّة، وهم يحفرون تحته منذ أعوام لينهار.
إنّ ضياع القدس هو ثمرة الاسطورة الدينية اليهودية التلمودية التي تمّت ترجمتها إلى صهيونية تواكبها دعايات قائمة على التضليل والاباطيل وتشويه شخصية المدينة المقدسة وسرقة القسم الأكبر من محتويات كنيسة القيامة والحريق المتعمد لكنيسة المعمدانية واعتبار مدينة القدس يهودية بالكامل وفق ما ورد عن نتنياهو في كتابه “مكان بين الأمم” ضاربين بعرض الحائط ما أكدته عصبة الأمم في عام ١٩٣٠ بأن حائط البراق ملكيته إسلامية بعد ان نظرت لجنة دولية في قضيته وأصدرت تقريرها في وثيقة وقعتها بريطانيا وعصبة الامم وجاء في متنها “…لا حق مطلقًا لليهود في ملكيته. ان هذا الحائط جزء لا يتجزأ من الحائط الغربي للمسجد الأقصى. ليس فيه حجر واحد يعود إلى عهد الملك سليمان “.
إنّ حقّنا التاريخي في القدس قائم لا يغيّره قرار الكونغرس الأميركي بتهويد المدينة المقدسة مهما صادر الصهيوني الأراضي والممتلكات.
ستبقى القدس قائمة على قرع أجراس كنيسة القيامة وفي ضمير كل مسيحي أينما كان، وموجودة بتكبيرة مئذنة المسجد الأقصى، وان تحريرها أقدس الواجبات ولن نعود إلى أنفسنا الا عبر القدس.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/6/23

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!