البلديات اللبنانية: الحاجة إلى تشريع عاجل وتعديل قانوني لا إلى وعود مؤجلة/عاطف منصور
المحامي عاطف حسن منصور(رئيس بلدية سابق):
تعد البلديات الركيزة الأساسية للإدارة المحلية، فهي الجهة الأقرب إلى المواطن والأقدر على تلبية إحتياجاته اليومية وتأمين الخدمات العامة وتحقيق الإنماء المحلي.
وقد أولى القانون اللبناني البلديات وإتحادات البلديات دوراً محورياً في إدارة الشأن المحلي، إلا أن هذا الدور بات اليوم مهدداً نتيجة الأزمة المالية الخانقة التي تعصف بمعظم البلديات في لبنان.
معلوم أنّ البلديات تستمدّ إيراداتها من الرسوم والضرائب البلدية، وحصتها من الصندوق البلدي المستقل، إضافة إلى عائدات إستثمار أملاكها ومرافقها العامة، والغرامات والهبات وسائر الموارد التي يجيزها القانون. غير أن هذه الإيرادات وفي مقدمتها الصندوق البلدي المستقل، لم تعد كافية لتأمين الحد الأدنى من إحتياجات عدد كبير من البلديات، ولا سيما في ظل الإنهيار الإقتصادي وإرتفاع كلفة الخدمات.
وقد ازدادت معاناة البلديات، ولا سيما في المناطق المتضررة من الحروب التي شهدها لبنان خلال العامين الماضيين بفعل حجم الدمار الذي لحق بالبنى التحتية وإتساع نطاق الأعباء الخدماتية، حتى أصبحت بعض البلديات غير قادرة على تأمين الحد الأدنى من أعمال الصيانة والخدمات الأساسية، في وقت تتعاظم فيه حاجات المواطنين وتتزايد مطالبهم بتحسين الخدمات وتنفيذ المشاريع الإنمائية بصورة غير مسبوقة.
كما أنّه لا يجوز أن يبقى دعم البلديات وإتحادات البلديات رهينة التجاذبات السياسية أو مرتبطاً بمسارات الحلول الإقليمية والدولية أو بملف إعادة الإعمار الشامل، إذ إنّ هذه الملفات قد تستغرق سنوات طويلة، بينما تبقى حاجات المواطنين اليومية مسؤولية لا تحتمل التأجيل. فالمطلوب اليوم ليس إنتظار التسويات الكبرى، بل إتخاذ إجراءات داخلية عاجلة تكفل إستمرار المرافق العامة وتمكين البلديات وإتحادات البلديات من القيام بواجباتها.
ومن هنا، فإن الدولة مطالبة بالتحرك الفوري لإقرار تشريعات وإجراءات إستثنائية تؤمن دعماً مالياً عاجلاً للبلديات وإتحاداتها، سواء من خلال تعزيز موارد الصندوق البلدي المستقل، أو تخصيص إيرادات إضافية لها، أو إدراج اعتمادات خاصة في الموازنة العامة، بما يسمح بتأمين الحد الأدنى من الخدمات وتحسين أوضاع العاملين فيها، وتوفير رواتب موظفيها التي لم تعد تكفي لسد أبسط متطلبات المعيشة، وتمكينها من متابعة مشاريعها الإنمائية.
كما أن الأزمة الراهنة تكشف بوضوح الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في الإطار القانوني الناظم للبلديات، عبر تعديل قانون البلديات بما يواكب المتغيّرات الإقتصادية والمالية والإجتماعية، ويمنح الإدارات المحلية مرونة أكبر في إدارة مواردها، ويعزّز إستقلاليتها المالية والإدارية، بما يضمن فعالية أكبر في الأداء البلدي وقدرة أعلى على الإستجابة لحاجات المواطنين.
إن دعم البلديات وإتحادات البلديات ليس منّة من أحد، ولا يجوز أن يبقى رهناً بالظروف السياسية أو الإقتصادية، بل هو واجب تفرضه المصلحة العامة وحسن سير المرافق العامة.
قد يختلف اللبنانيون في السياسة، لكنهم يجتمعون على حاجة واحدة، وهي وجود بلدية قادرة على تأمين الخدمات الأساسية. ومن هنا، فإن تمكين البلديات وإتحادات البلديات من أداء رسالتها هو استثمار في إستقرار المجتمع وحماية للإدارة المحلية وتعزيز لثقة المواطن بالدولة، لا بل أصبح ضرورة وطنية وتشريعية وإنمائية لا تحتمل التأجيل.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/6/23



