علم وخبر

نحو عدالة وقائية في مواجهة العنف الأسري: توظيف الذكاء الاصطناعي بين الحماية الاستباقية والضمانات القانونية.. قراءة في رسالة الماجستير للمحامية آسيا القعسماني

يشهد العالم تحولاً رقمياً متسارعاً لم يعد أثره مقتصراً على الاقتصاد والإدارة والاتصال، بل إمتد إلى صميم الأنظمة القانونية ومؤسسات العدالة. وأمام هذا التحول، يواجه القانون تحدياً مزدوجاً: الاستفادة من الإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة من جهة، وضمان عدم تحولها إلى مصدر للمساس بالحقوق والحريات من جهة أخرى.
وفي إطار السياسة الجنائية المعاصرة، لم تعد فعالية الاستجابة التشريعية والمؤسساتية للجريمة تُقاس حصراً بقدرتها على ملاحقة مرتكبها وتوقيع الجزاء بعد وقوعها، بل امتدت إلى تطوير آليات وقائية تستهدف استشراف عوامل الخطورة والتدخل المبكر، ضمن الحدود التي ترسمها الشرعية الجنائية وقرينة البراءة والضمانات الدستورية.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في جرائم العنف الأسري، حيث قد يكون التدخل المتأخر عاجزاً عن تدارك أضرار جسدية أو نفسية أو اجتماعية بالغة. ومن هنا يبرز مفهوم العدالة الوقائية باعتباره مكملاً للعدالة العقابية، لا بديلاً عنها، وقائماً على تعزيز قدرة القانون والمؤسسات المختصة على التدخل الفعّال قبل تفاقم الخطر.
في هذا السياق جاءت رسالة الباحثة والمحامية آسيا خليل القعسماني لنيل درجة الماجستير في القانون العام، والموسومة بعنوان:”دور الذكاء الاصطناعي كآلية لمواجهة جرائم العنف الأسري – دراسة مقارنة بين التشريع اللبناني والتشريع التونسي.


وتتناول الرسالة إشكالية قانونية شديدة المعاصرة تتمثل في مدى إمكان توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز مواجهة جرائم العنف الأسري، ومدى قدرة التشريعات القائمة على استيعاب هذا التحول، مع البحث في الحدود القانونية والأخلاقية التي ينبغي أن تضبط إستخدام التكنولوجيا في مجال يمس بصورة مباشرة أمن الإنسان وخصوصيته وحقوقه الأساسية.
1- العنف الأسري بين التدخل اللاحق والحماية المبكرة
تنطلق الدراسة من خصوصية العنف الأسري بوصفه ظاهرة لا يمكن التعامل معها من خلال العقوبة وحدها. فبعض حالات العنف تسبقها أنماط سلوكية أو مؤشرات خطر متراكمة، الأمر الذي يطرح الحاجة إلى تطوير أدوات أكثر قدرة على الرصد والتقييم والتدخل المبكر.
وهنا تظهر الإمكانات التي يمكن أن تقدمها تقنيات الذكاء الاصطناعي في معالجة البيانات وتحليل المؤشرات والمساعدة في تقييم مستويات الخطورة ودعم الجهات المختصة في اتخاذ التدابير المناسبة.
ولا يعني ذلك منح الخوارزمية سلطة تقرير المسؤولية أو توقع الجريمة على نحو يقيني، وإنما الاستفادة من قدرتها التحليلية ضمن منظومة قانونية يكون فيها القرار النهائي خاضعاً للسلطة البشرية المختصة وللرقابة القانونية والقضائية.
وهكذا تطرح الرسالة تحولاً في فلسفة الحماية: من نظام ينتظر اكتمال الضرر كي يتحرك، إلى نظام يسعى، متى توافرت مؤشرات جدية ومشروعة، إلى الحد من الخطر قبل تحوله إلى اعتداء أشد جسامة.
2- المقارنة بين التشريعين اللبناني والتونسي
اعتمدت الدراسة منهجاً قانونياً مقارناً بين التشريعين اللبناني والتونسي، من خلال تحليل الأطر القانونية الناظمة للعنف الأسري ووسائل حماية الضحايا، وبيان مدى استجابتها للتحولات الاجتماعية والتكنولوجية، في ضوء المبادئ والالتزامات ذات الصلة بحقوق الإنسان.
وتكشف المقارنة أن تحديث الحماية القانونية لا يرتبط بمجرد إدخال وسائل تقنية جديدة، بل يتطلب وجود بيئة تشريعية متكاملة تحدد نطاق استخدام هذه الوسائل، والجهات المخولة الاستفادة منها، والضمانات المرتبطة بجمع البيانات ومعالجتها، وحدود المسؤولية والرقابة.
فإدخال الذكاء الاصطناعي إلى منظومة العدالة من دون إطار قانوني واضح قد ينقل المشكلة من قصور في أدوات الحماية إلى مخاطر جديدة تتعلق بالخصوصية والتمييز والشفافية والمساءلة.
ومن هنا تظهر إحدى القضايا الجوهرية التي تثيرها الدراسة: ضرورة أن يواكب التشريع التطور التكنولوجي، لا أن يترك التكنولوجيا تفرض واقعها ثم يتدخل القانون لمعالجة نتائجه.
3- الذكاء الاصطناعي أداة لدعم العدالة لا للحلول محلها.
من أهم المرتكزات التي تقوم عليها الدراسة أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره بديلاً عن القاضي أو المشرّع أو الجهات المختصة بالحماية وإنفاذ القانون.
فمهما بلغت قدرة الأنظمة الذكية على تحليل البيانات واكتشاف الأنماط، تبقى القرارات التي تمس الحرية والحقوق والمسؤولية القانونية مرتبطة بضمانات لا يمكن اختزالها في نتيجة خوارزمية.
وتكمن القيمة العملية لهذه التقنيات في قدرتها على مساندة القرار البشري: تنظيم المعلومات، وربط المؤشرات، وتسريع تقييم الحالات، والمساعدة في توجيه الموارد والإجراءات نحو الحالات الأكثر حاجة إلى التدخل.
غير أن مشروعية هذا الاستخدام تبقى رهناً بضوابط أساسية، من بينها حماية البيانات الشخصية، والرقابة البشرية، والشفافية، والمساءلة، والحد من التحيز والتمييز، وضمان إمكانية مراجعة القرارات والإجراءات التي تستند إلى أدوات تقنية.
وبذلك تضع الرسالة التكنولوجيا في موقعها القانوني الصحيح: وسيلة في خدمة العدالة، لا سلطة فوق العدالة.
4- من التشخيص إلى الإصلاح التشريعي
لا تتوقف الدراسة عند تحليل الواقع القانوني، بل تتجه نحو طرح رؤية إصلاحية تستهدف بناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة العنف الأسري في البيئة الرقمية.
وتشمل هذه الرؤية تحديث التشريعات الوطنية بما يستجيب لتطور صور العنف، وتعزيز آليات الإبلاغ والحماية، والاستفادة من الوسائل الرقمية الآمنة، وتطوير التنسيق بين القضاء والأجهزة الأمنية والمؤسسات الاجتماعية ومراكز الحماية والإيواء.
كما تبرز أهمية إعداد برامج متخصصة لتدريب القضاة والعاملين في إنفاذ القانون والجهات المعنية بالحماية على التعامل مع التقنيات الحديثة، بحيث لا يقتصر تحديث العدالة على إدخال أدوات جديدة، بل يشمل أيضاً تطوير الكفاءات البشرية القادرة على استخدامها بصورة قانونية ومسؤولة.
وفي هذا الإطار، تصبح الرقمنة جزءاً من سياسة تشريعية متكاملة، وليست مجرد تحديث تقني منفصل عن فلسفة القانون وأهدافه.
5- القيمة العلمية للدراسة
تكمن القيمة العلمية للرسالة في الجمع بين ثلاثة حقول تتقاطع بصورة متزايدة في الفكر القانوني المعاصر: القانون، والذكاء الاصطناعي، ومكافحة العنف الأسري.
فهي لا تبحث التكنولوجيا بمعزل عن القانون، ولا تتناول العنف الأسري من زاوية عقابية تقليدية فحسب، وإنما تطرح إشكالية أعمق تتصل بمستقبل الوظيفة الوقائية للقانون في العصر الرقمي.
كما تفتح الدراسة باباً لنقاش قانوني يتجاوز نطاق المقارنة بين لبنان وتونس إلى سؤال أكثر شمولاً:
كيف يمكن للدولة أن تستفيد من القدرات التحليلية والاستشرافية للذكاء الاصطناعي في الكشف المبكر عن مؤشرات خطر العنف الاسري وتعزيز حماية الأفراد، من دون أن تتحول الحماية الاستباقية إلى مساس بالخصوصية أو الحرية أو قرينة البراءة؟
وهنا تكمن دقة المسألة؛ فالتحدي ليس في امتلاك التكنولوجيا، وإنما في وضع الحدود القانونية لاستخدامها.

المحامية آسيا القعسماني والأهل والأصدقاء خلال الاستماع إلى قرار لجنة المناقشة

6- مناقشة الرسالة
جرت مناقشة الرسالة صباح يوم الخميس الموافق 5 شباط 2026 في قاعة المحكمة بكلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة الإسلامية – خلدة، أمام لجنة علمية مؤلفة من:
– الأستاذ الدكتور محمد فرحات، رئيساً،
– الأستاذة الدكتورة هادية الشامي، عميدة كلية الحقوق والعلوم السياسية، مشرفةً على الرسالة،
– الأستاذ الدكتور عباس بصار، قارئاً أول،
– الأستاذة الدكتورة دانيا الدهيني، قارئةً ثانية.
وفي ختام المناقشة، قررت اللجنة منح الباحثة والمحامية آسيا خليل القعسماني درجة الماجستير في القانون العام عن رسالتها، بتقدير جيد جداً، وبمعدل 100/85.
7- القانون في مواجهة المستقبل
تتجاوز أهمية هذه الرسالة حدود البحث في استخدام تقنية حديثة لمواجهة جريمة اجتماعية خطيرة؛ فهي تطرح في جوهرها سؤالاً يتعلق بوظيفة القانون نفسها في عالم أصبحت فيه البيانات والخوارزميات جزءاً من صناعة القرار.
فالعدالة في العصر الرقمي مطالبة بأن تحقق معادلة دقيقة: أن تستفيد من التكنولوجيا من دون أن تخضع لها، وأن تطور أدوات الوقاية من دون أن تفرط في الضمانات، وأن تحمي الضحية من دون أن تتجاوز المبادئ التي تحكم المسؤولية القانونية.
ومن هنا، فإن تطوير مواجهة العنف الأسري لا يقتضي الاختيار بين الوقاية والعقاب، ولا بين التكنولوجيا والإنسان، وإنما بناء منظومة تجمع بينها ضمن إطار تحكمه سيادة القانون والكرامة الإنسانية والرقابة القضائية.
إن مستقبل العدالة لن تصنعه الخوارزميات وحدها، كما لن يصنعه تشديد العقوبات وحده؛ بل يصنعه تشريع قادر على فهم التحولات، ومؤسسات قادرة على استباق المخاطر، وقضاء يحمي الحقوق، وتكنولوجيا تبقى في خدمة الإنسان.
وتلك هي الفكرة التي تمنح هذه الدراسة بعدها الأبعد من حدود الدرجة الأكاديمية: أن تطور العدالة لا يُقاس فقط بقدرتها على محاسبة من أحدث الضرر، بل أيضاً بقدرتها على بناء حماية قانونية تحول، كلما أمكن، دون وقوعه.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/8/11

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!