قراءة قانونيّة تحليليّة في الحكم الصادر عن قاضي الإيجارات في زحلة الدكتورة نورما شومان على ضوء قانون الإيجارات رقم /2/ تاريخ 2017/2/28 والاجتهاد اللبناني الحديث/شربل شرفان
المحامي شربل شرفان:
أوّلاً – التعريف بالحكم وموقعه في المشهد الاجتهادي
صدر الحكم موضوع هذه الدراسة بتاريخ 2026/3/10 في الدعوى المقيّدة برقم أساس 2025/601، وموضوعها طلب مالكَين إخلاء مستأجرٍ لشقة سكنية خاضعة لقوانين الإيجارات الاستثنائية، لعلّة انقضاء المهل التمديدية. وقد أثار المستأجر دفعين جوهريين: الأوّل أنّ مهلة السنوات التسع المنصوص عليها في المادة /15/ من القانون رقم 2017/2 تبدأ من تاريخ نفاذ هذا القانون في 2017/2/28 لا من نفاذ القانون الصادر في العام 2014، فلا تنقضي قبل 2026/2/28؛ والثاني أنّه يستفيد من مهلة الاثنتي عشرة سنة الممتدة حتّى 2029/2/28 لمجرّد تقدّمه بطلب استفادة من تقديمات حساب صندوق دعم المستأجرين، طالما لم يصدر عن اللجنة المختصة قرار بحرمانه منها.
وأهمية الحكم مزدوجة: فهو من جهة أولى يكرّس، على مستوى قضاء الدرجة الأولى، الاتجاه القائل بأنّ نقطة الانطلاق الزمنية للمهل التمديدية هي 2017/2/28 تاريخ نفاذ القانون رقم 2017/2، وهو الاتجاه الذي استقرّ عليه الاجتهاد الحديث ولا سيما قرارا محكمة الاستئناف المدنيّة في جبل لبنان (غرفة المتن وغرفة المتن) اللذان حسما المسألة استئنافياً في الاتجاه ذاته؛ وهو من جهة ثانية يُعدّ من الأحكام الأولى الصادرة بعد انقضاء مهلة السنوات التسع في 2017/2/28، أي في المرحلة التي انتقل فيها النزاع عملياً من مسألة “متى تبدأ المهلة” إلى مسألة “من يستحق السنوات الثلاث الإضافية”، فجاء ليرسم بدقة الحدود الفاصلة بين مركز “المستفيد” ومركز “طالب الاستفادة”.

ثانياً – المسألة الأولى: نقطة انطلاق المهل التمديدية (قانون 2014 أم قانون 2017؟)
1– موقف الحكم
اعتمد الحكم بنية تعليلية من سبع “جهات” متدرجة خلص منها إلى أنّ القانون رقم 2017/2، وإن صدر بعنوان “تعديل قانون الإيجارات”، لم يكن تعديلاً جزئياً بل إعادة صياغة كاملة لقانون الإيجارات ونشره كنص موحّد حلّ محلّ القانون السابق، فتُحتسب مهلة التسع سنوات لغير المستفيدين من تاريخ نفاذه في 2017/2/28 لتنقضي في 2026/2/28، ومهلة الاثنتي عشرة سنة للمستفيدين لتنقضي في 2029/2/28. ويمكن ترتيب حججه على النحو الآتي:
(أ) الحجة النصية المباشرة: عبارة “من تاريخ نفاذ هذا القانون” الواردة في المادة /15/ لا تحتمل لغةً وقانوناً إلا الإحالة إلى قانون 2017 ذاته، إعمالاً لقاعدة أنّه لا اجتهاد في معرض النص الصريح.
(ب) حجة المسار الانتقالي (المادة /55/): تمديد العمل بالقانون رقم 92/160 حتّى 2014/12/28 يدل على أنّ المشترع تعامل مع قانون 2014 كحلقة انتقالية استُنفدت وظيفتها بصدور قانون 2017 كنظام مكتمل.
(ج) حجة عدم الرجعية (المادة /60/): نفاذ القانون فور نشره دون أي نص على المفعول الرجعي، وارتباط إنشاء المهل والمراكز الزمنية الجديدة بمبدأ الأمن القانوني الذي يمنع إرجاع نقطة انطلاقها إلى ما قبل النص المنشئ لها.
(د) حجة الإلغاء الشامل (المادة /59/): إلغاء جميع الأحكام المخالفة يستتبع استبعاد أي مهلة سابقة تتعارض مع نقطة الانطلاق التي حددها قانون 2017.
(هـ) حجة المركز القانوني المستحدث: فئة “المستفيدين من تقديمات الصندوق” ونظام الاثنتي عشرة سنة المرتبط بها لم يكن لهما وجود في ظل قانون 2014، ولا يُتصوَّر احتساب مهلة لمركز لم يكن قائماً.
(و) حجة النصوص الانتقالية: الفقرة (د) من المادة /32/ (إخضاع دعاوى الاسترداد التي لا تزال عالقة للقانون الجديد) والفقرة (5) من المادة /22/ (احتساب مدد إنقاص التعويض على أساس السنوات التسع اللاحقة لنفاذ “هذا القانون”).
(ز) حجة الوحدة التشريعية والمواقف الرسمية: قانون الإيجارات وحدة متكاملة لا تنفصل مهله عن مؤسساته (اللجان والصندوق) التي لم تستقر إلا بقانون 2017، معزَّزة برأي هيئة التشريع والاستشارات رقم 2014/712 القائل بعدم قابلية قانون 2014 للتطبيق بعد إبطال مواده الجوهرية، ورأي مجلس شورى الدولة رقم /107/ تاريخ 2015/2/17 بوجوب التريّث في تطبيق الزيادات، والتزام وزارة المالية بمبدأ عدم الرجعية.
2– التقييم على ضوء القانون والاجتهاد الحديث
هذا الموقف يتطابق مع الاتجاه الذي استقر عليه الاجتهاد الحديث، وعلى رأسه قرار محكمة استئناف جبل لبنان (غرفة المتن – الرئيسة هيام خليل) تاريخ 2026/6/10، الذي اعتمد الحل ذاته: بدء السنوات التسع من 2017/2/28 وانقضاؤها في 2026/2/28. واللافت أنّ الحكم الحاضر، الصادر في 2026/3/10 أي قبل القرار الاستئنافي المذكور بثلاثة أشهر، ينتمي إلى تيار قضاة الدرجة الأولى الذي مهّد لهذا الحسم الاستئنافي، وهو ما يعكس نضوج المسألة اجتهادياً وانحسار الرأي المخالف الذي كان يحتسب المهل من نفاذ قانون 2014 ويعتبر قانون 2017 مجرد قانون معدِّل لا يُنشئ مهلاً جديدة.
ويلاحظ أنّ اعتماد تاريخ 2017/2/28 كنقطة انطلاق – وهو ظاهرياً في مصلحة المستأجر لأنه يمدّ الحماية حتّى 2026/2/28 بدلًا من 2023/12/28 – انقلب في هذه الدعوى بالذات إلى أساسٍ للإخلاء، لأنّ المحكمة، وقد حسمت نقطة الانطلاق، وجدت أنّ المهلة انقضت فعلاً قبل صدور حكمها، فانتقل مركز الثقل إلى المسألة الثانية: هل يملك المستأجر سنداً للسنوات الثلاث الإضافية؟
3– ملاحظة إجرائية دقيقة: الدفع بسبق الأوان واكتمال المهلة أثناء المحاكمة
الاستحضار قُدّم بتاريخ 2025/10/7، أي قبل انقضاء مهلة السنوات التسع في 2026/2/28، وقد دفع المستأجر بأنّ الدعوى سابقة لأوانها. غير أنّ المحكمة ختمت المحاكمة في 2026/2/10 وأصدرت حكمها في 2026/3/10، أي بعد انقضاء المهلة، فقضت بأنّ “الدعوى الراهنة قد وردت بعد اكتمال المهل القانونية وينتفي تبعاً لذلك الدفع بسبقها لأوانها”. والأدق قانوناً أنّ الدعوى وردت قبل اكتمال المهلة لكنّ المهلة اكتملت قبل الفصل فيها، بحيث يكون الحكم قد أعمل – ولو ضمناً – قاعدة تصحيح الدعوى بزوال سبب عدم القبول قبل قفل باب المحاكمة، وهي قاعدة مستقرة في أصول المحاكمات المدنية ومقرَّرة صراحة في القانون الفرنسي (المادة /126/ من قانون المرافعات الفرنسي الجديد التي تقضي بزوال عدم القبول إذا زال سببه وقت فصل القاضي في النزاع أي عند صدور الحكم) ويؤيدها الفقه الإجرائي الفرنسي: Solus et Perrot؛ Guinchard, Chainais et Ferrand؛ Héron et Le Bars. وكان من الأجدى تعليلياً أن يُصرَّح بهذا الأساس بدل القول بورود الدعوى بعد اكتمال المهل، لكنّ النتيجة سليمة في الحالين.
ثالثاً – المسألة الثانية: التمييز بين “المستفيد” و”طالب الاستفادة” (المادتان /15/ و/16/)
1– التفسير الضيّق للنص الاستثنائي
انطلق الحكم من التكييف المستقر لقانون الإيجارات الاستثنائي بوصفه قيداً على حق الملكية المكرّس دستورياً وخروجاً على مبدأ سلطان الإرادة، فأوجب تفسير نصوصه تفسيراً ضيقاً وحصر أحكامه الاستثنائية في حدودها المرسومة دون توسع أو قياس. وعلى هذا الأساس قرأ المادة /15/ قراءة قوامها أنّ الأصل هو التمديد لتسع سنوات وتحرير الإيجار بانتهائها، والاستثناء هو السنوات الثلاث الإضافية المحصورة بفئة “المستفيدين من تقديمات الصندوق”، فلا تُمنح إلا بتوافر شروطها بصورة أكيدة.
2– صفة “المستفيد” واقعة قانونية لا تنشأ بمجرد الطلب
جوهر الحكم في هذه المسألة هو التمييز بين مركزين: “المستفيد” بالمعنى المقصود في المادة /15/، وهو من اقترن وضعه بقرار صادر عن اللجنة المختصة يثبت استيفاءه شروط الاستفادة وبصرف مساهمة مالية فعلية؛ و”طالب الاستفادة” الذي اقتصر دوره على تقديم طلب لم يُبتّ به، وهي صفة احتمالية لا تُنشئ حقاً موضوعياً بالتمديد الإضافي. وقد عزّز الحكم هذا التمييز بحجة بارعة من ناحية الصياغة قوامها المقارنة بين المادتين /15/ و/58/: فالمشرّع حين أراد الفئة المحتملة استعمل في المادة /58/ عبارة “المستأجر المعني بتقديمات الصندوق” لغايات تعليق بعض الإجراءات، بينما خصّ التمديد في المادة /15/ بلفظ “المستفيدين”، ولو أراد منح الاثنتي عشرة سنة بمجرد الطلب لاستعمل التعبير ذاته في الموضعين. وهذه قاعدة تفسيرية سليمة مستمدة من افتراض أنّ اختلاف المبنى في النص الواحد يدل على اختلاف المعنى.
3– المادة /16/: مهلة إسقاط آمرة ومسار إجرائي مزدوج
رتّب الحكم على المادة /166/ نتيجتين: الأولى أنّ منح السنوات الثلاث الإضافية معلّق على صدور قرار اللجنة المختصة المثبت لاستيفاء الشروط ضمن مهلة تنتهي قبل ثلاثة أشهر من نهاية السنة التاسعة (أي عملياً قبل 2025/11/28) تحت طائلة سقوط الحق؛ والثانية أنّ على المستأجر ضمن المهلة ذاتها المبادرة بطلب خطي لتحرير عقد إيجار جديد لمدة أقصاها ثلاث سنوات. فالتمديد الإضافي لا يقوم بمجرد الاستمرار في الإشغال بل يفترض مبادرة إيجابية ضمن مهلة إسقاط ذات طبيعة آمرة لا تقبل الوقف أو الانقطاع أو التمديد إلا بنص، وهو توصيف ينسجم مع الطبيعة المقررة لمهل الإسقاط (délais préfix) في الفقه الإجرائي. كما شدّد الحكم على أنّ اختصاص اللجنة في إثبات صفة المستفيد اختصاص نوعي لا يجوز للقاضي المنفرد أن يحلّ محلّه أو يفترض تحقق شروطه، وهو ما يتقاطع مع دفع المستأجر نفسه الذي أقرّ بأنّ تحديد الاستفادة يعود للجنة، فارتدّ عليه دفعه: إذ ما دام الاختصاص للجنة، فغياب قرارها يعني غياب الصفة، لا افتراضها.
4 – عدم تفعيل اللجان والصندوق لا يُنشئ حقاً
واجه الحكم الدفع الواقعي الأهم عملياً – وهو أنّ اللجان والصندوق لم يُفعَّلا أصلاً – بقاعدة حاسمة: الخلل الإداري لا يُنشئ حقاً زمنياً غير منصوص عليه ولا يعفي من الشرط الصريح، وإلا أُفرغت المهل من مضمونها ورُبط مصير العلاقة التأجيرية بتعطّل آلية إدارية إلى أجل غير معلوم. وهذا الحل يتلاءم ويتماشى مع الاتجاه الاجتهادي الحديث الذي يعتبر أنّ تقاعس الدولة عن إنشاء اللجان أو تمويل حساب الدعم (الصندوق) لا يرتّب أثره على المالك الفرد بل يفتح للمستأجر – عند الاقتضاء – باب مسؤولية الدولة، سنداً لقراري المجلس الدستوري رقم 2014/6 تاريخ 2014/8/6، و 2017/3 تاريخ 2017/3/30 الذي أكّد أنّ الحق في السكن التزام على عاتق الدولة لا على عاتق المالك الفرد.
5– التلازم بين الاستفادة الزمنية والاستفادة المالية
أضاف الحكم حجة غائية متينة: السنوات الثلاث الإضافية ليست امتيازاً زمنياً مجرداً بل نتيجة متممة للمساهمة المالية؛ فالصندوق أُنشئ ليتحمل فروقات البدل عن المالك تحقيقاً للتوازن بين حق الملكية وحق السكن، ومنح التمديد دون مساهمة فعلية يعني فصل الاستفادة الزمنية (بقاء المستأجر) عن الاستفادة المالية (دفع الفروقات للمالك)، فيتحمل المالك وحده عبء الحماية الاجتماعية نيابة عن الدولة، بما يمسّ جوهر حق الملكية مساساً غير متوازن ويصطدم بقرار المجلس الدستوري المذكور.
6– حصر نطاق المادة /58/
ميّز الحكم بدقة بين وظيفة المادة /58/ وطبيعتها: فهي – كما وصفها المجلس الدستوري – مجرد “تدبير إجرائي مؤقت” غايته حماية المستأجر من إخلاءٍ سببه العجز عن دفع الزيادات التي يفترض أن يساهم الصندوق فيها، ولا تملك بطبيعتها أي مفعول منشئ أو معدِّل للمدد الموضوعية في المادة /15/. ولمّا كان الإخلاء في النزاع الراهن مستنداً إلى انقضاء المهلة لا إلى التخلف عن دفع الزيادات، وجب استبعاد تطبيقها. وهذا الحصر جوهري عملياً، لأنّ التوسع في المادة /58/ كان الثغرة التي حاول البعض النفاذ منها لتحويل التعليق الإجرائي إلى تمديد مفتوح غير محدد المدة، وهو ما ردّه الحكم صراحة باعتباره مساساً بالبنية الزمنية للقانون وفلسفته الانتقالية القائمة على الإنهاء التدريجي المضبوط لنظام الإيجارات القديمة.
رابعاً – تقييم نقدي شامل
1– نقاط القوة
(أ) اكتمال البناء التعليلي: جمع الحكم بين التفسير الحرفي (ظاهر المادة /15/)، والتفسير البنيوي (المواد /22/ و/32/ و/55/ و/59/ و/60/ كوحدة)، والتفسير الغائي (فلسفة الصندوق والمرحلة الانتقالية)، والتفسير المقارن داخل النص الواحد (المادة /15/ مقابل المادة /58/)، وهي منهجية تُحصّن الحكم استئنافاً وتمييزاً.
(ب) الانضباط الدستوري: استناده المزدوج إلى قرار المجلس الدستوري رقم 2017/3 – في توصيف المادة /58/ وفي إلقاء عبء الحق في السكن على الدولة – يمنح الحل مشروعية تتجاوز التفسير التشريعي البحت.
(ج) الحسم العملي لمرحلة ما بعد 2026/2/28: أرسى الحكم قاعدة عملية واضحة: بانقضاء 2026/2/28 يصبح الإيجار حراً حكماً، ولا يُقبل من المستأجر التمسك بالسنوات الثلاث الإضافية إلا بإبراز قرار اللجنة المختصة الصادر ضمن مهلة المادة /16/، ولا يغني عنه إيصال طلب الاستفادة ولا التذرع بعدم التفعيل.
(د) ضبط حدود الحكم القضائي: رفضُه “حفظ حق” المدعيين ببدل المثل ضمن متن الحكم – باعتبار أنّ الحق محفوظ بالقانون ويُمارَس بدعوى مستقلة – تطبيق سليم لمبدأ أنّ القضاء يفصل في طلبات لا يصدر شهادات حفظ حقوق.
2– نقاط قابلة للنقاش
(أ) صياغة ردّ الدفع بسبق الأوان: كما بُيّن أعلاه، القول بأنّ الدعوى “وردت بعد اكتمال المهل” غير دقيق زمنياً؛ والأصح تعليل الرد بزوال سبب عدم القبول قبل قفل باب المحاكمة وصدور الحكم، وهي نقطة قد يثيرها المستأجر استئنافاً وإن كانت غير مجدية في النتيجة.
(ب) مسألة انعقاد جلسة الختام قبل انقضاء المهلة: ختمت المحاكمة في 2026/2/10 والمهلة لم تنقضِ إلا في 2026/2/28؛ وكان الأسلم إجرائياً إبقاء المحاكمة مفتوحة إلى ما بعد هذا التاريخ أو إعادة فتحها، غير أنّ صدور الحكم في 2026/3/10 بعد الانقضاء الفعلي يجعل النتيجة مستقيمة، إذ العبرة لتوافر شروط الحق عند الفصل في النزاع.
(ج) عدم البحث في واقعة تقديم طلب الصندوق ومصيره: اكتفى الحكم بعدم إبراز قرار اللجنة دون أن يبيّن ما إذا كان المستأجر قد أثبت أصلاً واقعة تقديم الطلب وتاريخه وجدّيته، ولو فعل لأحكم سدّ باب المناقشة الاستئنافية حول قيام “المبادرة الإيجابية” ضمن مهلة المادة /16/.
خامساً – موقع الحكم في خارطة الاجتهاد الحديث والأثر العملي
يندرج هذا الحكم ضمن التيار الاجتهادي الذي تبلور خلال العامين 2026–2025 لدى القضاة المنفردين الناظرين في دعاوى الإيجارات، والذي حُسم لاحقاً على المستوى الاستئنافي بقراري محكمة استئناف جبل لبنان (غرفة بعبدا والمتن)، ومؤداه: (1) احتساب السنوات التسع من 2017/2/28 وانقضاؤها في 2026/2/28؛ (2) اعتبار مهلة المادة /16/ مهلة إسقاط آمرة؛ (3) اشتراط قرار اللجنة المختصة لاكتساب صفة المستفيد؛ (4) رفض اعتبار تعطّل اللجان والصندوق عذراً معلِّقاً أو ممدِّداً؛ (5) حصر المادة /58/ في نطاقها الإجرائي المؤقت.
الأثر العملي بالنسبة للمالكين: يوفر الحكم سنداً مباشراً لدعاوى الإخلاء المقامة بعد 2026/2/28 بوجه المستأجرين غير الحائزين قرار لجنة، ويؤكد أنّ المطالبة ببدل المثل عن فترة الإشغال غير المشروع اللاحقة لانتهاء الإجارة تكون بدعوى مستقلة سندها القواعد العامة (الإثراء غير المشروع أو المسؤولية عن الإشغال بلا سند وفق أحكام الموجبات والعقود)، مع أنّه كان بإمكان الجهة المدّعية طلب إلزام المدّعى عليه بتسديد بدلات الإشغال في الدعوى عينها.
الأثر العملي بالنسبة للمستأجرين: الطريق الوحيد المتبقي للتمسك بالسنوات الثلاث الإضافية حتى 2029/2/28 هو إثبات صدور قرار اللجنة المختصة ضمن مهلة المادة /16/ مقروناً بطلب تحرير عقد جديد؛ وفي غياب ذلك ينحصر خيار المستأجر المتضرر من عدم تفعيل الصندوق في مساءلة الدولة، لا في مواجهة المالك.
الخلاصة: حكم متين البناء، واضح المنهج، يجسّد – على مستوى الدرجة الأولى – الاستقرار الاجتهادي على قراءة القانون رقم 2017/2 بوصفه نظاماً تشريعياً مكتملاً ذا بنية زمنية آمرة، تبدأ في 2017/2/28 وتنتهي مبدئياً في 2026/2/28، ولا يُفتح استثناؤها الممتد إلى 2029/2/28 إلا بمفتاح وحيد هو قرار اللجنة المختصة الصادر في مهلته، مع ما يستتبعه ذلك من ملاحظات إجرائية محدودة الأثر حول صياغة ردّ الدفع بسبق الأوان.
“محكمة” – الإثنين في 2026/8/24



