مقالات
لدرس جميع مواد الدستور واقتراح تعديلها منعًا للإجتهاد أو التفسير/ناضر كسبار
ناضر كسبار (نقيب المحامين في بيروت سابقًا):
يوم صدر تعديل قانون اصول المحاكمات الجزائية، وجرت عليه بعض التعديلات خلال اثني عشر يوماً، وانتقاد البعض لهذا الامر، قال دولة الرئيس نبيه بري عبارته الشهيرة: القوانين كالمنازل، لا نعرف حاجتها إلا بعد الاقامة فيها. فهل ينطبق هذا الامر على الدستور؟
الدستور هو واحد أوحد. أما القوانين فهي متعددة، وتشمل مختلف القطاعات المدنية والجزائية والتجارية والعقارية والأحوال الشخصية والعمل وغيرها وغيرها.
فالدستور هو الذي يعالج القواعد الأساسية لنظام الحكم، ويحدّد شكل الدولة، وينظّم السلطات العامة التشريعية والتنفيذية والقضائية، كما يكرّس الحقوق والحرّيات الأساسية للمواطنين.
في حين أنّ القوانين تصدر عن السلطة التشريعية، لتنظيم الحياة اليومية، وتصدر طبقاً للمبادئ والأحكام التي نصّ عليها الدستور تحت طائلة إبطالها من قبل المجلس الدستوري إذا توافرت الشروط الشكلية والأساسية.
الدستور يحدّد هويّة الدولة (جمهورية، ملكية، ديمقراطية…) ويرسم خطوط فصل السلطات، ويضمن الحرّيات العامة كحرّية الرأي والمعتقد والمساواة.
أمّا القوانين، فتعالج قطاعات الحياة المختلفة بشكل تفصيلي وهي أدنى من الدستور ويجب ألّا تخالفه.
وممّا لا شكّ فيه أنّ الدستور اللبناني الذي صدر في العام 1926، هو عميد دساتير المنطقة. وقد ادخل عليه إثنا عشر تعديلاً. إلّا أنّ التعديلين المهمّين حصلا في تشرين الثاني 1943، حيث انتقل لبنان من عهد الجمهورية الأولى إلى الجمهورية الثانية، وفي 21 أيلول 1990، على اثر وثيقة الوفاق الوطني، والذي انتقل لبنان بموجبه إلى الجمهورية الثالثة. أثبت حكم المشاركة والمؤسسات، أنّه مع تطور العالم، وفي بلد يضم اقليات طائفية متشاركة على حدّ قول ميشال شيحا، بحاجة لتفعيل الآليات اللازمة لتطوير عمل المؤسسات والادارات. فالعلم يركض وعلينا مواكبته، وإلا سبقنا القطار، فكيف في بلد كلّما تقدّم قليلاً، أتت الحوادث والحروب، المتوقّعة وغير المتوقّعة، لتعيده إلى الوراء. ولولا وطنية الشعب اللبناني، وحبه للحياة والعيش بكرامة وحكمة بعض المسؤولين، لكنا عدنا الى عصور لا حياة فيها ولا تقدّم.
من هنا، يمكن إجراء تعديلات موضعية، دون المساس بأساس الدستور، بهدف بثّ الروح في نظام سياسي يعزز المسائل الجوهرية في فلسفة النظام، وفي مواكبة تطورات العصر في مجال الحقوق والحريات العامة.
في دراسة قيّمة أعدها عدد كبير من رجال القانون والباحثين، وأرسلها إليّ مشكوراً البروفسور رزق زغيب، اقترحوا عدداً كبيراً من التعديلات جمعوها في كتاب بعنوان: مراجعة في الدستور اللبناني تفعيلاً واستكمالاً، واقترحوا مشروع قانون دستوري يرمي إلى إجراء بعض التعديلات على الدستور الحالي، ونتمنّى أن تؤخذ هذه الاقتراحات بعين الاعتبار، خصوصاً واننا نتساءل دائماً، لماذا لا يتم تعديل بعض النصوص التي تخلق إشكاليات، ويتمّ حسمها بنصوص مكتوبة ثابتة، حتى لا نترك المجال للآراء الفقهية المتناقضة، وللطعون المتعددة أملاً بالتأييد أو بالفسخ. فالنصوص الدستورية جامدة وثابتة، في حين أنّ الاجتهاد متحرّك، وقد يكون لمصلحة هذه الجهة أو تلك، وقد تؤخذ اعتبارات معيّنة بخصوصه، وقد يكون مُصدره على صواب أو على خطأ. وبالتالي من الأفضل تعديل النصوص وإبرازها بوضوح، بحيث تحسم النقاط الخلافية التي شهدناها على مرّ السنين، وعدم الاتكال على الاجتهاد والقرارات التي تصدر بشأنها، وذلك قدر المستطاع طبعاً.
وفي هذا المجال، وكي لا نبقى في الكلام النظري نورد مثلاً يتعلّق بنصّ المادة 49 من الدستور والمتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية. إذ نصّت الفقرة الثالثة من هذه المادة على ما يأتي:
“ينتخب رئيس الجمهورية بالإقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى، ويكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي. وتدوم رئاسته ست سنوات ولا تجوز إعادة انتخابه إلّا بعد ست سنوات لانتهاء ولايته. ولا يجوز انتخاب أحد لرئاسة الجمهورية ما لم يكن حائزاً على الشروط التي تؤهله للنيابة وغير المانعة لأهلية الترشيح.
هذه المادة خلقت جدلاً منذ عشرات السنين. رئيس مجلس شورى الدولة السابق الدكتور انطوان بارود يعتبر ان الدستور لا يفرض نصاباً خاصاً لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، ويُكتفى بالنصاب العادي اي نصف الاعضاء بزيادة واحد. ويؤيده الاستاذ انور الخطيب مؤكداً انه يكفي ليكون الاجتماع قانونياً ان يضم الغالبية المطلقة من مجموع عدد النواب.
إلا ان الدكتور ادمون رباط والقاضي عبده عويدات يختلفان عن زميليهما بالرأي ويعتبران ان المادة 34 من الدستور تتعلق بوظيفة المجلس التشريعية الانتخابية.
وفي هذا المجال يحسم معالي الدكتور بهيج طبارة الجدل، ويقول إنّ التفسير المنطقي السليم للمادة 49، يقضي بالقول إنه لا يعقل أن يكون الدستور قد اشترط حصول المرشح للرئاسة في الدورة الأولى على أكثرية الثلثين، وأن يكون في الوقت ذاته، قد ارتضى ان يتم ذلك في جلسة يُكتفى فيها بحضور نصف النواب زائد واحد.
ويضيف الدكتور طبارة أن الدستور اشترط بأن لا تقلّ الغالبية التي يجب أن يحصل عليها الرئيس بعد الدورة الأولى عن الغالبية المطلقة من مجلس النواب، وذلك مهما تكررت الدورات، ومهما اقتضى الأمر من وقت، مؤكّداً أنّه بات محسوماً أنّ الغالبية المطلوبة تحتسب على أساس النواب الأحياء، الحاضرين منهم أو الغائبين، دون المتوفين، وأنّه لا يمكن الانتقال إلى الدورة الثانية من عملية الانتخاب ما لم يكتمل نصاب الدورة الاولى، ذلك ان مجلس النواب لا يعتبر ملتئماً إلا اذا توفر النصاب الملحوظ للجلسة.
وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح: لماذا نبقي الجدل قائماً ولا نحسمه بنصّ دستوري واضح ومحدّد بدقّة، خصوصاً واننا بتنا نقرأ ونسمع آراء لبعض رجال القانون الذين يحدّدون للأسف، مواقفهم في ضوء انتمائهم السياسي أو المذهبي.
وفي الختام. نتمنّى أن يتمّ تأليف لجنة من أصحاب الاختصاص لدرس جميع مواد الدستور واقتراح تعديلها بشكل مفصل وواضح وحاسم لا يترك مجالاً للإجتهاد أو للتفسير.
* ألقيت هذه الكلمة خلال فعاليات مؤتمر الدستور في الديمان في 31 آب 2026.
“محكمة” – الاثنين في 2026/8/31



