مقالات

الباب المفتوح هو للعمل وليس للتسلية والشعبوية/ ناضر كسبار

ناضر كسبار (نقيب المحامين في بيروت سابقاً):
كثيراً ما يشجع المواطنون المسؤولين على اعتماد سياسة “الباب المفتوح”. فيطلبون من الوزراء والمدراء العامين والموظفين استقبالهم في اي وقت كان، وحل مشاكلهم وإنجاز معاملاتهم، والإستماع إلى شرحهم  ومآخذهم. كما يصحّ هذا الأمر لدى طلب مواعيد من مسؤولين كبار مثل فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيسي مجلس النواب والوزراء، ورؤساء الطوائف وغيرهم. ومعيار بعض الزملاء المحامين في انتخاب الأعضاء والنقباء هو اعتماد سياسة الباب المفتوح بالإضافة طبعاً إلى معايير كثيرة أخرى. وكان أحد النقباء يردّد دائماً: الباب المفتوح هو للعمل وليس للتسلية، بمعنى أنّه يكون لمن يودّ عرض مشكلة أو إعطاء اقتراحات، أو عرض برنامج معين، وليس للتسلية.
وفي جميع المجالات التي ذكرناها أعلاه، إبتداء من فخامة رئيس الجمهورية وحتى أصغر مسؤول، فإنّ كثرة الاستقبالات غير المنتجة تضيّع وقت المسؤول وترهقه وتشتّت تفكيره. وقد يمضي وقته في الاستقبالات المتفرقة، ممّا يمنعه من التفكير والتركيز على العمل وعلى رسم المشاريع الاستراتيجية والتكتيكية التي تكون من اختصاصه ومن خبرته.
ومعظم الزيارات تكون بروتوكولية وبعضها استعراضية وشعبوية، أو مطلبية. ولتغيير الجوّ، وعلى سيرة الزيارات المطلبية كنقل موظف من هنا إلى هناك، أو نقل عسكري من هنا إلى هناك. طلب مني مرّة أحد السياسيين مرافقته في زيارة إلى المغفور له الرئيس المرحوم الياس الهراوي، قائلاً لي إنّه دائماً يسأل عني منذ كنا نجلس في مكتبي أيّام تجمّع النواب الموارنة المستقلين. دامت الزيارة ربع ساعة شرح له السياسي أنّ قريبه يتعرّض لمضايقات وهو يعمل كحلاق. ثمّ اطمأن الرئيس والسياسي على أحوال بعضهما وعائلتيهما. وذهبنا. ولم يبق إعلامي إلّا واتصل مساء للإستفسار عن موقف فخامة الرئيس من القضايا الوطنية التي كانت سائدة ومطروحة، وعبثاً حاول السياسي إقناعهم بأنّها زيارة خاصة.
طبعاً هناك زيارات واجتماعات تكون مفيدة للغاية، وهذا ما نشجّع عليه، إلا أنّنا لا نشجّع على الزيارات الاستعراضية التي لا فائدة منها، خصوصاً وأنّ وقت المسؤولين ثمين، ويجب أن ينتج فيه المسؤول ويخطّط ويرى ما هو المفيد لمن هو مسؤول عنهم. كان المحامي الشيخ اأنطوان الجميل يقول لنا ان المكاتب في اميركا تقسم المحامين إلى عدّة أقسام. قسم للكتابة، وقسم لإجراء البحوث والتفتيش في المراجع، وقسم لحضور الجلسات. لأنّ لكلّ واحد منهم حجماً مختلفاً عن الآخر، فلا يمكن للمحامي المخضرم والخبير في القضايا، أن يقوم بالعمل الذي يقوم به المحامي المتدرّج، لأنّ للوقت ثمنه، وساعة العمل لهذا المحامي غير ساعة العمل لذاك. كما يقول المحامي سامي أبو جودة إنّه أحياناً إذا طلب منه شخص زيارته، ويعرف ان “فتيلته طويلة”، أيّ أنّه يجيد تضييع الوقت، يقول له: أنا أحضر إلى مكتبك. لأنّه بذلك ينهي الاجتماع ويترك ساعة يشاء. فالوقت ثمين ويجب الاستفادة منه.
وفي هذا المجال، يمكن القول إنّ المسؤول الناجح هو الذي يكلف معاونيه ومستشاريه استقبال أصحاب العلاقة، والاستماع إلى مطالبهم بتأنٍ ودقّة، وأخذ الملاحظات تمهيداً لحلها وتلبيتها إذا كانت قانونية. كما عليه اختيار معاونيه بعناية لأنّ بعضهم قد يعملون على مزاجهم ويسوّدون صفحة المسؤول.
وخلاصة الكلام، أنّه يجب على المسؤول عدم الافراط في الاستقبالات التي لا طائل منها، وهدفها الاستعراض والشعبوية والمطالب الشخصية، والاكتفاء باللقاءات السريعة والمفيدة، حفاظاً على الانتاجية والعمل بصفاء ذهني، خصوصاً وأنّ مهمّة المسؤول لا تقتصر على الأعمال الروتينية اليومية، وتسيير الأعمال، وإدارة الازمة بحكمة، بل أيضاً العمل على المشاريع التي تحتاج إلى خبرة ومتابعة وصبر، كحلّ أزمة السير والدرّاجات النارية، وأزمة النفايات، وإنشاء السدود والاستفادة من المياه بدلاً من هدرها وصبّها في البحر، وحلّ أزمة الكهرباء بشكل جذري، وتحديث الادارات بالكامل، وحلّ ملفّ أموال المودعين، وخلق برامج جديدة في وزارة التربية وغيرها من الأمور التي تحتاج الى إيلائها العناية اللازمة مع الاستعانة بأصحاب الخبرة والاختصاص وتكريس الوقت اللازم لها.
“محكمة” – الجمعة في 2026/9/18

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!