قانون إلغاء عقوبة الإعدام يوم أسود بدأ المجتمع اللبناني فوراً بدفع ثمنه/نادر شافي
المحامي الدكتور نادر عبد العزيز شافي:
أولاً: أسئلة تمهيدية لا بدّ منها:
– الى من هلَّل وطبَّل وغنى عند إقرار قانون إلغاء عقوبة الإعدام، نسأله:
– ماذا ستفعل لو أقدم أحد ما على خطف طفلتك أو طفلك أو ولدك أو عزيز عليك، ثم إغتصابها، ثم قتلها، ثم التنكيل بجثتها، ثم حرقها، ثم تحليلها بالأسيد، ثم وضعها بأكياس القمامة (الزبالة)، ثم رميها في المستوعبات لنقلها الى أحد المطامر المشهورة والعديدة في لبنان، أو رميها على صخور البحر اللبناني المُلوَّث؟!
– ما هي الخطة البديلة لديك تجاه مرتكبي الجرائم الكبرى أو غير العادية التي تطال جرائم قتل الأبرياء أو خطف الأطفال بغية الفدية ثم قتل المخطوف وتقطيعه وإخفائه بعد إغتصابه أو القتل الجماعي أو القضاء على الأيتام أو المسنين أو المقعدين أو العجزة أو المرضى … بطرق بشعة يشمئز منها الرأي العام وترفضها البشرية وجميع الأديان في كل زمان ومكان؟!
– هل لديك القدرة والسلطة والقوة والحضارة والثقافة المجتمعية لتصبح بمصاف الدول التي ألغت عقوبة الإعدام؟ وهل علمت بنتائجها المُدمّرة على ذاك المجتمع؟
– ننتظر جوابك الصادق بضمير إنساني حيّ، دون مواربة ولا مجاملة لجهات أو جمعيات أجنبية لا يعنيها المجتمع اللبناني بشيىء، إن كان سيُعوَّض فرحتك بإقرار ذاك القانون المشؤوم في ذاك اليوم الأسود 11 آب 2026.
ثانياً: إقرار قانون إلغاء عقوبة الإعدام:
أقرّ مجلس النواب اللبناني بتاريخ 11 آب 2026 قانوناً رسمياً يلغي عقوبة الإعدام من التشريعات اللبنانية، ويستبدلها بعقوبة السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة،
• جاء هذا القانون بعد أن كان لبنان قد توقف فعلياً عن تنفيذ أحكام الإعدام منذ 2004/1/19 (حين نُفذ آخر حكم بحق ثلاثة أشخاص في سجن رومية)، دون إلغائها نصاً،
• يشمل إلغاء العقوبة جميع القرارات القضائية التي سَبق وصدرت بحق المحكوم عليهم بالإعدام قبل تاريخ صدور القانون ولم يتم تنفيذها بعد، حيث تُستبدل أحكامهم بالمؤبد،
• أصبح لبنان بموجب هذا القانون أول دولة في الشرق الأوسط وثاني دولة عربية (بعد جيبوتي عام 1995) تلغي عقوبة الإعدام تشريعياً.
ثالثاً: تاريخ عقوبة الإعدام:
تعتبر عقوبة الإعدام من العقوبات التي عرفتها العصور القديمة منذ فجر التاريخ، حيث كانت تسود فكرة الإنتقام كأساس لمعاقبة القاتل، واستمر تطبيق هذه العقوبة رغم تطور الحياة المدنية تطبيقاً لمبدأ حمورابي “العين بالعين والسن والسن والبادىء أظلم”.
ولا تزال عقوبة الإعدام حتى عصرنا الحاضر مدار أخذٍ ورد بين مؤيد ومعارض لها، وتختلف الآراء حولها بإختلاف الدين والبيئة والدولة والمجتمع والسياسة وحقوق الانسان…
ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في المجتمعات التي تعاني من تفشي ظاهرة القتل الإجرامي وعدم الشعور بالأمان واللجوء الى إعادة التوازن عبر فرض تدابير قاسية وصدور أحكام قضائية زاجرة وفرض عقوبات عنيفة وفي مقدمتها عقوبة الإعدام، مما فتح باب الجدل على مصراعيه بين من يعتبر أن تشديد العقوبات من إحدى السبل لمكافحة الإجرام وبين معارض لهذه النظرية، فيقول الفقيه مونتسيكيو “من الصعب تبديل معتقدات الشعوب بالقوة وإنما يجب دفعهم الى تبديل عاداتهم وقوانينهم بذاتهم”.
وتشير الإحصائيات الدولية الى:
– صدور 796 حكماً بالإعدام في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وحدها خلال سنة 2025،
– سُجّل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 771 حكماً جديداً بالإعدام في عام 2025 (بارتفاع 74% عن العام الذي قبله)،
– بحلول نهاية سنة 2025، وصل عدد البلدان التي ألغت عقوبة الإعدام بشكل كامل إلى 113 بلداً، بينما ألغتها 145 بلداً في القانون أو الممارسة،
– لا تزال عدة دول مثل الصين، وإيران، والسعودية، واليمن، والولايات المتحدة الأمريكية في مقدمة الدول التي تصدر وتُنفّذ أحكاماً بالإعدام(1) .
رابعاً: موقف الكنيسة المسيحية من عقوبة الإعدام:
ورد في كتاب التعاليم المسيحية الصادر بتاريخ 1992/10/11 في الوصية الخامسة من وصايا الله العشر: “لا تقتل”، وفي المجتمع البشري المنظم تقر الكنيسة بحق السلطة المدنية وبواجبها بأن تحمي الخير العام وبتعطيل شر المعتدي وإنزال عقوبات ملائمة لخطورة الجرائم ومن بينها عقوبة الإعدام في الحالات القصوى.
وقد تضمّن نصّ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية الصادر عام 1992 (في الفقرة 2267 سابقاً) قبولاً مشروطاً لعقوبة الإعدام في حال كانت الوسيلة الوحيدة لحماية المجتمع، غير أن الكنيسة الكاثوليكية عدّلت هذا التعليم رسمياً عام 2018:
• نسخة 1992: نصّت على أن التعليم التقليدي لا يقصي اللجوء إلى عقوبة الإعدام إذا كانت الوسيلة الوحيدة الفعّالة لحماية الحياة البشرية من أذى المعتدي،
• تعديل عام 2018: قام البابا فرنسيس بتعديل الفقرة (2267) من التعليم المسيحي لتصبح عقوبة الإعدام بموجبها »غير مقبولة« لأنها تشكل اعتداءً على inviolability (حرمة) وكرامة الشخص البشري،
• وحالياً تدعو الكنيسة الكاثوليكية اليوم الى إلغاء عقوبة الإعدام في جميع أنحاء العالم، نظراً لتطور وسائل السجن والحماية الحديثة التي تتيح عزل المجرم وحماية المجتمع دون إهدار حياته أو حرمانه من فرصة التوبة(2).
وقد أصبح موقف الكنيسة المبدئي مناهضاً لعقوبة الإعدام، وقد شارك الفاتيكان في “المؤتمر العالمي الأول المناهض لعقوبة الإعدام” والذي كرس التحوّل الجذري في موقف الكنيسة الكاثوليكية من هذه العقوبة. فالأسباب التي كانت تجعل الكنيسة تقبلها، أضحت اليوم في حكم الملغاة الأمر الذي أكدته رسالة “انجيل الحياة” للراحل البابا يوحنا بولس الثاني في العام 1995.
ويستند موقف الكنيسة إلى اعتبار أن الإنسان مكوّن على صورة الله ومثاله(Imago Dei) وفيه قبسٌ من روحه. وينتج عن ذلك تمتع الإنسان بكرامة فريدة وجوهرية لا يجوز نزعها لأي سبب خارجياً كان أو اجتماعياً أو شخصياً، أو لأي عمل يقترفه، اضافة الى الإيمان بأن إمكان توبة الإنسان وخلاصه قائمة حتى اللحظة الأخيرة من حياته(3).
خامساً: موقف الإسلام من عقوبة الإعدام:
يُكرّم الإسلام الإنسان ويوليه أعلى المرتبات بين المخلوقات، ويُحرّم القتل، انفاذاً لما ورد في القرآن الكريم، غير انه يجيز الإعدام في حالات حصرية وقليلة جداً، منها قتل النفس بالنفس.
وقد ورد في القرآن الكريم: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة – الآية 179)، كما ورد ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (سورة المائدة -الآية 32)، كما ورد: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (سورة الاسراء -الآية 33).
وأكد إعلان القاهرة ان حقوق الإنسان في الإسلام نصت على أن “الحياة هبة من الله، وهي مكفولة لكل إنسان وعلى الأفراد والمجتمعات والدول حماية هذا الحق من كل اعتداء عليه. ولا يجوز إزهاق الروح من دون مقتضى شرعي”.
كذلك نص البيان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام على أن “حياة الإنسان مقدسة، لا يجوز أن يعتدى عليها، ولا تسلب هذه القدسية إلاّ بسلطان الشريعة وللإجراءات التي تقررها(4).
سادساً: عقوبة الإعدام على صعيد التشريعات الدولية:
أخذت معالجة عقوبة الإعدام طابعاً دولياً من خلال المعاهدات والاتفاقيات الدولية وأهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 1948/12/10 الذي أكد في المادتين الثالثة والخامسة منه على أنه لكل فرد الحق في الحياة والحرية والأمان على شخصه ولا يجوز إخضاعه للتعذيب أو العقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطّة بالكرامة..”.
كما يؤكد العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 الذي صادق عليه لبنان بتاريخ 1972/11/3 على الحقوق الأساسية للانسان، وكرست مادته السادسة حق الإنسان في الحياة وعدم وجواز حرمان أي إنسان من حياته، دون جواز التذرع به لتأخير أو لمنع أو الغاء عقوبة الإعدام، ودعت في الفقرة الثانية البلدان التي لم تقم بإلغاء عقوبة الإعدام إلى عدم الحكم بهذه العقوبة الا على أشد الجرائم خطورة وفق معايير المحاكمة العادلة(5).
كما أن الميثاق العربي الجديد لحقوق الانسان الصادر عن قمة جامعة الدول العربية /16/ في تونس في أيار 2004، الذي صادق عليه لبنان بالقانون تاريخ 2008/9/5، أكَّد في مادته الخامسة على أن الحق في الحياة حق ملازم لكل شخص.
ودعت الجمعية العامة للامم المتحدة في قرارها رقم 67/176 الدول كافة إلى إتاحة معلومات وثيقة الصلة بتطبيقها لعقوبة الاعدام تشمل جملة أمور منها عدد الاشخاص الذين حكم عليهم بالاعدام وعدد الذين ينتظرون تنفيـذ حكـم الاعدام وعدد حالات تنفيذ حكم الاعدام، لكي يتسنى إجراء مناقشات على الصعيدين الوطني والدولي تتناول التزامات الدول في ما يتصل بعقوبة الاعدام(6).
واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 1984/12/10 اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية او اللاإنسانية او المهينة، ثم اعتمدت هذه الجمعية بتاريخ 2002/12/18 بروتوكول إختياري لهذه الاتفاقية. وأصبحت ملزمة للبدان التي صادقت عليها ابتداء من تاريخ 1987/6/26، وانضم لبنان اليها بالقانون رقم 2000/185.
سابعاً: عقوبة الإعدام في القانون اللبناني، قبل إلغائها في 11 آب 2026:
أخذ قانون العقوبات اللبناني الصادر عام 1943 وتعديلاته بإنزال عقوبة الإعدام على بعض الجرائم الخطيرة جداً.
ولم يأتِ إعتماد عقوبة الإعدام في القانون اللبناني من فراغ، حيث تجدر الإشارة الى ما حصل سنتي 1959 و1994؛ بعد تفشي جرائم القتل بشكل واسع نتيجة إنتشار ظاهرة حمل السلاح والوضع الأمني المُتفلّت وتداعيات الحرب الأهلية اللبنانية؛ (وما أشبهها بواقع المجتمع اللبناني سنة 2026)،
ولتلك الأسباب القاتلة، صدر قانون 1959/2/16 بإنزال عقوبة الإعدام بمن يقتل إنساناً قصداً، وتعليق تطبيق أحكام المادتين/547/ و/548/ من قانون العقوبات مؤقتاً، الى أن ألغي بتاريخ 1965/5/18 بعد انخفاض نسبة هذه الجرائم.
وكذلك سنة 1994 عندما صدر القانون رقم 1994/302 بتاريخ 1994/3/21 الذي أوجب إنزال عقوبة الإعدام في القتل العمد والدافع السياسي وبمن يقتل إنساناً قصداً ومنع منح فاعل الجريمة الأسباب المُخفَّفة، الى أن ألغي بالقانون رقم 2001/338 بتاريخ 2001/8/2، وأعيد العمل بالمادتين /547/ و/548/ عقوبات اللتان تعاقبان على القتل القصدي بالأشغال الشاقة المؤقتة أو المؤبدة، وليس بالإعدام التي تُطبَّق على جريمة القتل العمدي وفي الحالات العمدية المُعدَّدة في المادة /549/ عقوبات، والعودة الى الحالة الطبيعية بعد إنخفاض نسبة جرائم القتل.
وهناك العديد من المواد في القانون اللبناني التي أشارت الى عقوبة الإعدام (قبل إلغائها في 11 آب 2026)، ومنها في قانون العقوبات:
– المادة 37 عقوبات التي تنص على العقوبات الجنائية العادية ومنها الإعدام.
– المادة 43 عقوبات التي توجب عدم تنفيذ حكم الإعدام إلا بعد استطلاع رأي لجنة العفو وموافقة رئيس الدولة، وعلى شنق المحكوم عليه بالإعدام في داخل بناية السجن أو في أيّ محل آخر يعيّنه المرسوم القاضي بتنفيذ العقوبة، وعلى حظر تنفيذ الإعدام أيام الآحاد والجمع والأعياد الوطنية أو الدينية، وعلى تأجيل تنفيذ الإعدام بالحامل الى أن تضع حملها.
– المادة 163 عقوبات التي حدَّدت مدة مرور الزمن على عقوبة الإعدام بخمس وعشرون سنة.
– المادة 198 عقوبات التي نصت على أنه إذا تحقق القاضي أن للجريمة طابعاً سياسياً قضى بالإعتقال المؤبد بدلاً من الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة.
– المادتان 200 و201 عقوبات اللتان نصتا على أنه في محاولة الجريمة تخفّض العقوبات ويمكن أن تُستبدل عقوبة الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة.
– المادة 251 عقوبات التي نصت على الأعذار المخففة فإذا كان الفعل جناية توجب الإعدام حوّلت العقوبة الى الحبس.
– المادة 253 عقوبات المتعلقة بالأسباب المخففة فتقضي المحكمة بدلاً من الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة.
– المادة 257 عقوبات التي نصت على تشديد العقوبة وإنزال الاعدام بدل الاشغال الشاقة المؤبدة.
– المادة 258 عقوبات التي تنص على أنه من حكم عليه بالاشغال الشاقة المؤبدة حكماً مبرماً وارتكب جناية أخرى توجب العقوبة نفسها قضي عليه بالاعدام.
– المادة 273 عقوبات وما يليها التي تنص على عقوبة الإعدام في الجنايات الواقعة على أمن الدولة الخارجي في حالات معينة،
– المادة 236 عقوبات وما يليها التي تنص على عقوبة الإعدام في الجنايات المرتكبة من الجمعيات غير المشروعة،
– المادة 549 عقوبات التي تعاقب بالاعدام على القتل قصداً اذا ارتكب: عمداً، أو تمهيداً لجناية أو لجنحة، أو تسهيلاً أو تنفيذاً لها أو تسهيلاً لفرار المحرضين على تلك الجناية أو فاعليها أو المتدخلين فيها أو للحيلولة بينهم وبين العقاب، أو على أحد أصول المجرم أو فروعه، أو في حالة أقدام المجرم على أعمال التعذيب أو الشراسة نحو الاشخاص، أو على موظف في أثناء ممارسته وظيفته أو في معرض ممارسته لها أو بسببها، أو على انسان بسبب انتمائه الطائفي أو ثأراً منه لجناية ارتكبها غيره من طائفته أو من أقربائه أو من محازبيه، أو باستعمال المواد المتفجرة، أو من أجل التهرّب من جناية أو جنحة أو لاخفاء معالمها.
– المادة 591 عقوبات في الجنايات التي تشكّل خطراً شاملاً، فتعاقب بالاعدام كل من يقتل انساناً قصداً تمهيداً لارتكاب جرائم الحريق أو تسهيلاً أو تنفيذاً لها. وفي الاعتداء على سلامة طرق النقل والمواصلات والأعمال الصناعية بالمادة 599 التي تقضى بالاعدام اذا أدى الامر الى موت أحد الناس. وفي جرائم أخذ مال الغير أو السفن أو الطائرات وغيرها بالمادة 640 وما يليها اذا اقدم الفاعل على قتل انسان لسبب ذي صلة بالسرقة فيعاقب بالاعدام.
– أصول منح العفو الخاص عن عقوبة الإعدام: نصت بالمادة 391 أ.م.ج. وما يليها على أنه تناط بمجلس القضاء الأعلى صلاحية النظر في طلبات العفو الخاص التي يقدمها المحكوم عليهم بعقوبة الإعدام بحكم مبرم أو التي تحيلها اليه المراجع المختصة. ويرفع طلب العفو الخاص عن عقوبة الإعدام الى رئيس الجمهورية مباشرة أو بواسطة وزير العدل بموجب استدعاء يوقّعه المحكوم عليه أو وكيله أو أحد أفراد عائلته.
– وغيرها من المواد والقوانين، مثل القانون تاريخ 1958/1/11 المتعلق بالأعمال الإرهابية وإثارة الحرب الاهلية او الاقتتال الطائفي والحض على التقتيل والنهب والتخريب والعصابة المسلحة، وكذلك في قانون العقوبات العسكري وخاصة في الجرائم المخلّة بالشرف والواجب وفي الخيانة والمؤامرة العسكرية والتجسس وغيرها…
– أصول تنفيذ حكم الإعدام: نصت المادة 420 أ.م.ج. وما يليها على أنه لا ينفّذ الحكم بالإعدام إلا بعد استطلاع رأي لجنة العفو وموافقة رئيس الجمهورية، وينفّذ الحكم بموجب مرسوم يحدد مكان ووسيلة التنفيذ، ويحظر إنفاذ حكم الإعدام أيام الآحاد والجمع والأعياد الوطنية والدينية. ولا ينفّذ حكم الإعدام بالحامل إلا بعد انصرام مدة عشرة أسابيع على وضع حملها.
ثامناً: محاولات سابقة لإلغاء عقوبة الإعدام في لبنان:
شهد لبنان عدة محاولات لإلغاء عقوبة الإعدام، حيث يوجد منذ سنة 2004 اقتراح قانون يرمي إلى إلغاء عقوبة الإعدام وابدالها بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، ومشروع قانون مماثل من وزير العدل سنة 2008.
وقد صدر قانون تنفيذ العقوبات رقم 2002/463 وجرى تعديله بالقانون رقم 2011/183، الذي منح قاضي تنفيذ العقوبات حق تحويل عقوبة الاعدام الى السجن، شرط ارتباطها بحسن السلوك والتعويضات الشخصية واعلام أهل الضحية.
وتوصي الخطة الوطنية لحقوق الانسان التي ناقشها البرلمان اللبناني في كانون الأول من العام 2012 ان تعتمد الحكومة اللبنانية قرار الجمعية ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ للأمم المتحدة رقم 62/149 ﺑﺸﺄﻥ ﻭقف ﺗﻨﻔيذ ﻋقوبة ﺍلإعدام، ﻭالتصديق ﻋﻠﻰ البروتوكول ﺍلاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية ﻭﺍلسياسية. كما توصي الخطة بضرورة تحديث السجون وتطويرها لتصبح صالحة كمراكز لإعادة التأهيل، لأن مشروع إلغاء عقوبة الإعدام يحتاج بالمقابل إلى تجهيز أماكن إقامة المحكوم عليهم، بحيث تكفل حسن تطبيق المنهج المتبّع لإعادة التأهيل(7).
تاسعاً: واقع عقوبة الإعدام في لبنان:
تمَّ تنفيذ آخر اعدام في لبنان في 2004/1/19 حين أُعدِمَ ثلاثة أشخاص في الوقت نفسه داخل سجن رومية، اثنان رميا بالرصاص وواحد شنقاً. حيث كان يوجد في لبنان حتى العام 2014 ما مجموعه /57/ شخصاً محكوم عليهم بالاعدام، حيث تمنَّع وزراء العدل عن توقيع مراسيم التنفيذ(8) .
وجرى تنفيذ /53/ حكماً بالإعدام من بداية عهد الرئيس بشارة الخوري إلى نهاية عهد الرئيس إميل لحود(9) .
وخلال ولاية الرئيس الياس الهراوي بين عامي 1994 و1998، تم إعدام 14 شخصاً(10).
وقد انتهجت الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ عدة سنوات بعد العام 2004 منحى يرمي الى عدم تنفيـذ الأحكام التي تلحظ عقوبة الاعدام والعمل بما يسمى “Moratorium” أو (Moratoire de fait) ؛ أي وقف تنفيذ عقوبة الاعدام بشكل غير رسمي، فلم يصدر أي مرسوم بتنفيذ حكم بالإعدام.
وقبل صدور قانون إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان بتاريخ 11 آب 2026، كانت الأحكام بالإعدام تصدر بوتيرة كبيرة، وكانت هي تصدر غالباً بحق أجانب(11) .
عاشراً: واقع جرائم القتل في لبنان سنة 2026، قبل صدور قانون إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان بتاريخ 11 آب 2026 بوقت قصير وبعده:
سُجّل في لبنان سقوط /45/ قتيلاً في جرائم جنائية خلال فترة ثلاثة أشهر (آذار – أيار 2026)، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 22% عن عام 2025 (الذي بلغ فيه العدد 58 قتيلاً)(12).
علماً إنه قبل صدور قانون إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان بتاريخ 11 آب 2026 بوقت قصير وبعده، شهد لبنان خلال عام 2026 عدداً من جرائم القتل البارزة التي تابعها الرأي العام والأجهزة الأمنية، ومن أبرزها:
1) جريمة قتل شاب في فاريا بسبب خلاف على أفضلية المرور (2 شباط 2025): شهد لبنان جريمة قتل راح ضحيتها الشاب خليل خليل في منطقة فاريا، إثر إشكال وتضارب تطور إلى عملية دهس متعمدة بسبب خلاف على أفضلية المرور،
2) جريمة جسر الباشا: مقتل مسن (يبلغ من العمر 79 عاماً) داخل منزله على يد عامل “دليفري” وهمي بدافع السرقة،
3) جريمة صبرا: مقتل زوجين داخل منزلهما بدوافع سرقة خزنة،
4) جريمة تعلبايا (البقاع): مقتل مواطن (س.س.ت.) إثر إطلاق النار عليه من قبل شخص يُدعى (ع. ح. ف.، 41 عاماً)،
5) جريمة عكار (جبرائيل): العثور على المواطن (ش. ش. – 79 عاماً) جثة داخل منزله مصاباً بطلق ناري في الصدر،
6) جريمة الشياح الثأرية التي وقعت في 16 آذار 2026، سيارة مصفّحة تصدم دراجة نارية، ومسلّح ينزل منها ليطلق النار، ثم سائق يفرّ والدراجة عالقة تحت السيارة، ويطلق النار على ملاحقيه. أودت بحياة الشقيقين مروان ف. ومحمود ف.، ورضا م. الذي صادف مروره في المكان،
7) جريمة أبي سمرا – طرابلس (18 آب 2026): حيث وقع إشكال تخلله تبادل لإطلاق النار بين مواطنَين في منطقة أبي سمرا بمدينة طرابلس نتيجة خلافات سابقة، مما أدى إلى مقتل (ع.ش.).
8) جريمة قتل رجل الأعمال عبد الله كرامي(2026/10/9)، صهر الرئيس الراحل عمر كرامي، حيث عُثر عليه مقتولًا داخل مكتبه الخاصّ في طرابلس إثر إطلاق النّار عليه، سبقتها تهديدات متكررة بالقتل.
9) إنتشار ظاهرة حمل السلاح والتجرّؤ على الاعتداء والقتل، وإطلاق النار مباشرة على الأشخاص، بغياب الأمن وهيبة الدّولة، ومحاولات إثارة الفوضى والفتنة(13)،
علماً إن عدد ضحايا الجريمة والعنف في المجتمع العربي منذ بداية عام 2026 ارتفع إلى 48 قتيلاً، (45 قُتلوا بإطلاق نار – 22 من الضحايا دون سنّ الـ30 – 3 نساء بين الضحايا – واحدة كانت بإطلاق نار من الشرطة)، في الفترة ذاتها من العام الماضي بلغ عدد الضحايا 34 قتيلاً(14).
حادي عشر: حجج الرافضين لعقوبة الإعدام: أهمها:
1- لا يجوز قتل إنسان أعزل بإسم العدالة.
2- لا يجوز للانسان أن يقتل إنساناً والإقتصاص منه بعقوبة تعتبر في جوهرها من نوع الجريمة التي ارتكبها.
3- خير للمجتمع إصلاح المجرم بدل قتله، لأن المجرم هو ضحية المجتمع.
4- ان عقوبة الإعدام موروثة من أزمنة التخلف والبربرية.
5- ان عقوبة الإعدام تناقض إنسانية الإنسان وإفتراء على حقه في الحياة.
6- ان عدد الجرائم التي تستحق الإعدام لم تنقص في البلاد التي تطبق هذه العقوبة ولم يزد في البلاد التي لا تطبّقها.
7- ان الرجوع عن أي خطأ قضائي يصبح مستحيلاً بعد تنفيذ عقوبة الإعدام فيما لو تبين لاحقاً براءة المحكوم عليه.
8- ان عقوبة الإعدام تخالف المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
9- ويرى البعض ان عقوبة الإعدام تخالف المواثيق الدولية، وخصوصاً الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية، فقد طالبت اللجنة الدولية لحقوق الإنسان والمجتمع الدولي بالغاء عقوبة الإعدام، وابدالها بالعقوبات السالبة للحرية (السجن)(15).
ثاني عشر: حجج المطالبين بالإبقاء على عقوبة الإعدام: أهمها:
1- ان خوف المجرمين من عقوبة الإعدام هو رادع لهم ومنتج في أثره.
2- ان المجتمع هو الذي يفرض هذه العقوبة، وان الإعتراض على شرعية الإعدام يؤدي الى الإعتراض على شرعية كل العقوبات التي تمنع الحرية، مع الإعتراف أن الحياة هي أثمن من الحرية.
3- قد تكون عقوبة المؤبد أكثر ضرراً من الإعدام.
4- ان خطورة وقوع القاضي في خطأ الحكم بالإعدام قد تقع أيضاً في عقوبة الحبس وتؤثر في صحة الفرد وحياته وحريته. وان خطأ إعدام بريء هو أمر نادر الوقوع ولا يبنى عليه حكم ولا يجوز أن تقوم عليه قاعدة عامة، في ظل التحقيق والتقاضي والمحاكمة على عدة درجات وأمام عدة محاكم تتألف من عدة قضاة وما يحكمها من أصول وإجراءات وقدسية الدفاع وقناعة المحكمة…
5- إذا كانت عقوبة الإعدام لم تخفف من الإجرام لدى كبار المجرمين، فهي لا شك قد خفَّفت كثيراً من عدد المجرمين وهم الأكثر عدداً.
6- ان الإعتراض على عدم التناسب بين الإعدام والجريمة يصح في كل عقوبة، إذ أن تحقيق التناسب بين العقوبة والجريمة أمر غير ممكن لأن التقدير هو أمر نسبي بصورة دائمة.
7- ان العلامة الفرنسي غارو اكَّد على أن شرعية الإعدام تقوم على شرطين أساسيين: أن يُقضى بهذه العقوبة بحق وبأن يستحق القاتل هذه العقوبة وأن يكون الإعدام متناسباً مع فظاعة الجريمة كالقتل العمد بشكل فاضح يجعل المجتمع يشمئز منه تلقائياً، وشرط أن يكون الإعدام ضرورياً ولازماً للمحافظة على الهيئة الإجتماعية والنظام فيها.
8- ان عقوبة الإعدام لا تقوم إلا في الجرائم الخطيرة التي تدل بذاتها على خطر الجاني وتأصل روح الإجرام فيه، والتحقّق من أنه أصبح عضواً فاسداً في المجتمع يجب بتره أفضل من أي يبقى جرثومة فساد يجب إجتثاثها، كحال من يرتكب الجريمة دون أن ترهبه عقوبة الإعدام المقرَّرة لها.
9- ان الجريمة التي إقترفها المحكوم عليه بالإعدام هي أبشع من عقوبة الإعدام، فجريمة القتل العمد مثلاً وما يكون قد رافقها من خطف وإغتصاب وتقطيع للجثة ورمي في مستوعب القمامة أو التذويب بماء الأسيد أو الرمي في قعر البحر أو غير ذلك مما تشمئز منه النفوس ويتأذى منه الشعور الإنساني… كل ذلك هو أشد بشاعة من إعدام فاعل هذه الجرائم بدم بارد دون ان يردعه أي رادع أخلاقي أو ديني أو إجتماعي أو إنساني أو قانوني أو عقابي…
10- ان إعدام القاتل حياة للأبرياء الذين يسلمون بموته من شرّه وأذاه، ومنع نفسه الشريرة من قتل غيره فيما لو لم تتم محاكمته بطريقة عادلة وقانونية وبعد أن يُسمح له بالدفاع عن نفسه أو بواسطة محامين لديهم الكفاءة والخبرة والقدرة وبعد استنفاد وسائل الطعن القانونية والمرور بعدة مراحل في التحقيق والمحاكمة والطعن أمام عدة محاكم وعدة قضاة حتى صدور حكم نهائي وقطعي ومبرم…
11- ان نظرية أن المجرم مريض يجب علاجه نفسياً هو قول صحيح، ولكن هل هذا يعني أنه يجب عدم معاقبة كل المجرمين لأنهم مرضى؟! وهل أن جميع المجرمين مرضى؟! وهل من يتخذ القتل سبيلاً للارتزاق مريضاً ولا يستحق العقوبة اللازمة والمناسبة ؟! وهل يُسمح بأن تبقى حياة الأبرياء عرضة لهؤلاء المرضى دون أي عقاب زاجر ورادع ؟! وهل يرضى معارضو عقوبة الإعدام أن تقع إحدى الجرائم البشعة على والدته أو والده أو زوجه أو ابنه أو ابنته أو شقيقته أو شقيقه أو أحد أقربائه دون أن يحق لهم المطالبة بمعاملة القاتل بمثل ما إقترفه (وفق الأصول القانونية)؟!
12- ان العاملين في الحقل القضائي من قضاة ومحامين يعلمون جيداً بأن أشد ما يخاف منه المجرم هو عقوبة الإعدام وأكثر بكثير من عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة. فهل المطلوب هو إعطاء المجرمين الطمأنينة على عدم معاقبتهم بما إقترفته أيديهم؟!
13- “ان عقوبة الإعدام تمثل رادعاً لبعض الأعمال الإجرامية كي لا تتكرَّر، مثل اغتصاب القصر والجرائم التي تهزّ مشاعر المواطن وكذلك التعامل مع العدو”(16).
14- أثبت التاريخ والتجارب أن إنزال عقوبة الإعدام وتنفيذها أدى الى التقليل من عدد جرائم القتل، مما يدل على أثرها الحسن والفعَّال.
15- ان صورة الإعدام البشعة كإجراء لم تألفه البشرية لا تضاهي صورة القتل العمد وما رافقه من أفعال أكثر بشاعة.
16- ان إلغاء عقوبة الإعدام قد يؤدي الى إحياء عادة الثأر، لأن ذوي الضحية لن يرضوا بإفلات المجرم من العقاب الموازي لما حلّ بذويهم الضحية وما نتج عن جريمته من أضرار لن يستطيع أحد أن يعالجها، ولا أحد يضمن بأن لا يُكرّر المجرم جريمته ووقوع جرائم جماعية وحشية، وما يتبع ذلك من إرتفاع عدد الضحايا بدل تقليل عدد المجرمين.
17- وهذا ما حصل في عدة دول وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ومنها بتاريخ 25/9/1982 عندما أقدم شخص يدعى “بانكس” على قتل /13/ شخصاً في ولاية بنلسفانيا بينهم أولاده الخمسة، وأقدم شخص يدعى “هيوبرتي” بتاريخ 1984/7/19 في جنوب كاليفورنيا على قتل /20/ شخصاً وجرح /12/ آخرين على أثر خلاف مع زوجته فقتلها مع ابنتها ومن كانوا داخل المطعم بثلاثة أنواع من الأسلحة في أبشع جريمة عرفتها اميركا، وأقدمت امرأة تدعى “كارا فاي تكر” في ولاية تكساس في شباط عام 1998 على قتل عائلة من شخصين، وإقدام إمرأة تدعى “جودي بونونو” على قتل زوجها بالسم عام 1971 وإغراق ابنها المعوَّق عام 1980 ومحاولة قتل خطيبها عام 1983…
18- إذا كان من الضروري أن يطالب البعض بإلغاء عقوبة الإعدام بدافع الحنان والعطف والإحساس المرهف لأنه لا يجوز للإنسان قتل الإنسان، فما هو الحل لوضع حد للصراع التاريخي بين الخير والشر وما يمكن تسميته بالقتل المُباح؟ وكيف يمكن المساواة بين القتل العمد والدفاع المشروع عن النفس أو المال أو العرض ؟!
19- ان عقوبة الإعدام هي عملية وقائية قرَّرها المشرّع منذ فجر التاريخ لحماية الوجود البشري، وقرَّر قتل القاتل دون حق،
ثالث عشر: مخاطر إلغاء عقوبة الإعدام والحلول البديلة للتوفيق والمواءمة بين التأييد والرفص لعقوبة الإعدام:
في ظل الجدل الشرس بين المؤيدين والرافضين لعقوبة الإعدام، حاول بعض الفقهاء المواءمة(17) بين الفريقين، وذلك من خلال الإبقاء على النصوص القانونية التي تعاقب بالإعدام على بعض الجرائم البشعة، وعدم تنفيذ هذه العقوبة إلا في حالات محدودة وفي أضيق الأحوال إضراراً، ضمن إعتماد التبريرات التالية:
1- ان حذف النص القانوني من شأنه إضعاف هيبة السلطة وعمل محاكمها، فيطمئن المجرم المحترف بأن فعله مهما كان خطيراً لن تكون عقوبته القصوى أكثر من السجن ويبقى له أمل الإفلات منه ولو بعد حين (بموجب قانون عفو عام أو خاص)، ليعاود إجرامه.
2- ان الإبقاء على النص يتيح معاقبة مرتكبي الجرائم الكبرى أو غير العادية التي تطال جرائم قتل الأبرياء أو خطف الأطفال بغية الفدية ثم قتل المخطوف وتقطيعه وإخفائه بعد إغتصابه أو القتل الجماعي أو القضاء على الأيتام أو المسنين أو المقعدين أو العجزة أو المرضى … بطرق بشعة يشمئز منها الرأي العام وترفضها البشرية وجميع الأديان في كل زمان ومكان.
3- إنزال عقوبة الإعدام عند التأكد من وحشية المجرم ومن الخطورة الإجرامية التي يمكن أن يُشكّلها على سلامة أفراد المجتمع وبعد اليأس من إصلاحه أو التأكد من عدم إمكانية إصلاحه. فتبقى العقوبة في النصوص التشريعية ولا تطبَّق إلا إذا مسَّت الحاجة اليها.
4- ان إلغاء عقوبة الإعدام بشكل مطلق وعدم الحكم به من المحاكم، من شأنه إزكاء العدالة الثأرية التي يرفضها المجتمع في جميع الدول، ومثال على ذلك إقدام والد في فرنسا عام 1975 عندما أقدم على قتل خاطف طفله وقاتله بعد الإفراج عنه بزمن طويل لأن الوالد أحسّ حين قتل طفله بأنه يناديه ويصرخ “يا بابا”. وكذلك إقدام أم ألمانية على دخول قاعة المحكمة عام 1981 وإطلاق النار بست رصاصات على الجاني الذي خنق إبنتها عندما أحست بإحتمال الإفراج عن الجاني، ولما انتهت من إطلاق النار رمت المسدس على الأرض بهدوء واستسلمت الى قضاة المحكمة وهي تقول: “لقد نفذت حكمكم بالإعدام”.
5- ان اللجوء الى عقوبة الإعدام والتشدّد في العقوبات هي حاجة مرحلية ماسة، حتى إذا عادت الأمور الى نصابها الطبيعي نسبياً، يجب التفكير بالوسائل والأساليب المتبعة في الدول المتقدمة للحؤول دونها واستبدالها بالأساليب الإصلاحية والتربوية والإجتماعية الصحيحة لتقويم السلوك المنحرف لأفراد مجتمع معين.
6- ولوضع الأمور في نصابها الإنساني والواقعي والقانوني الصحيح، يجب مُقاربة الموضوع من زواياه كافة:
أ- من جهة أولى لا يوجد عاقل يُوافق على إنهاء حياة إنسان،
ب- إلا إنه من جهة ثانية يجب أن لا يُسمح ببقاء حياة الإنسان مُهدَّدة بخطر الموت بسبب وجود شخص لديه نية إجرامية وحشية إعتاد على قتل الأبرياء ولديه الإستعداد لتكرار جرائمه طالما لديه نفس وقلب ينبض،
ت- كما إنه من جهة ثالثة كيف يمكن التسامح مع مجرم قاتل دون الأخذ بعين الإعتبار شعور أهل الضحية عندما يرون قاتل ضحيتهم يسرح ويمرح بعد إنتهاء مدة عقوبته أو العفو عنه (بموجب عفو عام أو خاص)، وما الذي يمنعهم من إرتكاب جريمة مماثلة بحق المجرم نفسه أو بأقاربه بسبب فشل السلطة أو المجتمع في الحد من وحشية إجرامه ومن خطورته الإجرامية وتكرارها على أهل الضحية المُجنى عليه أنفسهم أو على غيرهم أو على سلامة أفراد المجتمع ….
ث- ومن جهة رابعة كيف يمكن تبرير الحفاظ على ورم سرطاني خبيث في جسم المجتمع إذا كان هذا الورم السرطاني الخبيث سيؤدي الى تدميره،
ج- ألا يعتبر الطبيب الجراح بطلاً وناجحاً ومشكوراً عندما يُقدم (مضطَّراً) على عملية جراحية دموية مُعقَّدة لإستئصال عضو أو أكثر من أعضاء الجسم المصابة بذاك الورم السرطاني الخبيث، أو عندما يُقدم على بتر عضو أو أكثر من أعضاء جسم المريض المُصاب بداء السكري لإنقاذ حياته؟!
7- إن إلغاء عقوبة الإعدام بحاجة الى بيئة مجتمعية وحملات دعم وتوعية إجتماعية وتثقيفية، وبعد الإنتهاء من مرحلة تحضيرية تسمح بهذا الإلغاء، خاصة إن مُبررات إعتماد عقوبة الإعدام في القانون اللبناني على النحو الذي جرى تفصيله كانت نتيجة حاجة مُلحَّة بسبب تفشي جرائم القتل لأسباب تافهة ورخيصة (كالنزاع على أفضلية المرور) وإنتشار ظاهرة حمل السلاح والوضع الأمني المُتفلّت وتداعيات الحرب وغيرها من المُبرّرات التي لا تزال متفاقمة ومنتشرة في المجتمع اللبناني حالياً سنة 2026….. ألم نتعلم من دروس ماضينا المأساوي القريب الذي دمَّر المجتمع اللبناني؟!
8- وخير دليل على ذلك، وقوع عدة جرائم قتل وحشية عشية إقرار ذاك القانون المشؤوم بتاريخ 11 آب 2026 على النحو الذي جرى تفصيله، علماً أننا لم نسمح لأنفسنا بالعزف على وجع أهالي شهداء الجيش اللبناني، لأننا نؤمن بأن قتل الضحية هو إزهاق لنفس إنسان بريء، مهما كان موقعه أو مركزه، مع الأخذ بعين الإعتبار بشاعة كل جريمة من جرائم القتل المرتكبة والتي لا تزال تُرتكب دون رادع أو وازع، نأمل أن لا تكون قريبة أو متزايدة لإنتفاء رادع القتل بعد إقرار قانون إلغاء عقوبة الإعدام في 11 آب 2026،
9- ولعلّ السؤال المشروع الذي يطرح نفسه: ماذا لو ثبت أن جريمة إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 ناتجة عن فعل قصدي عمدي، سواء أكان المجرم مواطناً أم أجنبياً أم عدواً؟ وما خلَّفته من ضحايا وشهداء وأضرار لا تزال صورها تحفر في ذاكرة كل لبناني عايش تلك اللحظة المأساوية (الذي أسفر عن مقتل أكثر من 220 شخصاً، وإصابة نحو 6500 آخرين، وتشريد مئات الآلاف، وتدمير أجزاء واسعة من العاصمة بيروت وتدمير إهراءات القمح والمباني والمنازل والمكاتب والشركات وموارد رزق آلاف العائلات). هل يتحمَّل من وضع أحرف وكلمات قانون إلغاء عقوبة الإعدام في 11 آب 2026 مسؤوليته أمام أهل الضحايا والمتضررين أو أمام الوطن والتاريخ ؟!
10- لهذا وغيره، أصبح في تاريخ لبنان الحديث يومين أسودين:4 آب 2020 يوم إنفجار مرفأ بيروت و11 آب 2026 يوم إقرار قانون إلغاء عقوبة الإعدام…
11- قبل إعطاء أي موقف (وهو حق لكل إنسان)، لطفاً الجواب على الأسئلة التمهيدية التي بدأت بها أسطر هذه الدراسة، دون تنظير عن بُعد، بضمير إنساني صادق حيّ….
مصادر ومراجع:
مراجع ومصادر:
1- https://www.google.com/search
2- https://www.google.com/search
3- http://khiyam.com/news/article.php?articleID=9112
4- http://khiyam.com/news/article.php?articleID=9112
5- http://khiyam.com/news/article.php?articleID=9112
6- http://www.al-akhbar.com/node/190141، مجتمع واقتصاد، العدد ٢٠٩٤، تاريخ 2013/9/3.
7- عضو لجنة حقوق الانسان النيابية غسان مخيبر/ http://www.al-akhbar.com/node/190141، مجتمع واقتصاد، العدد ٢٠٩٤، تاريخ 2013/9/3.
8- http://74.220.207.224/article.php?id=632&lang=en.
9- http://khiyam.com/news/article.php?articleID=9112
10- https://now.mmedia.me/lb/ar/nowspecialar/547898-
11- http://www.worldcoalition.org/ar/lebanon-syrian-death-penalty-ajem-paris-bar-defence-law-abolition.html
12- https://www.google.com/search
13- https://www.lebanondebate.com/article/886864
14- https://www.facebook.com/i24newsAR/posts/1330909309061361
15- د. رامز عمار/ http://khiyam.com/news/article.php?articleID=9112
16- د. رامز عمار/ http://khiyam.com/news/article.php?articleID=9112
17- القاضي غسان رباح، عقوبة الاعدام، ن.ق.، 1998، عدد 6، ص 601، وما يليها.
“محكمة” – الأحد في 2026/10/11



