قانون العفو لا يكفي وواجب إعادة تأهيل المحكوم عليهم والرقابة اللاحقة.. من إنهاء العقوبة إلى حماية المجتمع من تكرار الجريمة/ اديب زخور
المحامي أديب الياس زخور:
مقدمة
إن الغاية من السياسة الجزائية الحديثة لا ينبغي أن تقتصر على معاقبة مرتكب الجريمة وسلب حريته مدةً يحددها القانون، بل يجب أن تمتد إلى معالجة الأسباب التي أدت إلى انحرافه، وإعادة تأهيله، وتهيئته للعودة إلى المجتمع، مع اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الناس من خطر تكرار الجريمة.
فإذا كان العقاب يهدف إلى الردع وتحقيق العدالة، فإن إعادة التأهيل تهدف إلى الحد من العودة إلى الإجرام، فيما ترمي الرقابة اللاحقة إلى متابعة المفرج عنه ضمن الحدود التي يجيزها القانون، والتحقق من التزامه بالشروط المفروضة عليه، من دون تحويل الإفراج إلى مجرد انتقال من الرقابة داخل السجن إلى انعدام الرقابة خارجه.
ومن هنا تبرز مسألة أساسية تستحق نقاشًا تشريعيًا جديًا: هل يكفي أن يصدر قانون عفو أو أن تنتهي مدة العقوبة حتى يعود المحكوم عليه إلى المجتمع من دون برنامج تأهيلي أو متابعة لاحقة، ولو كانت طبيعة الجريمة المرتكبة أو ظروفها الشخصية تثير مخاوف جدية من تكرارها؟
إن معالجة هذه المسألة تقتضي التوفيق بين ثلاثة اعتبارات متكاملة: حق المحكوم عليه في استعادة حريته وفقًا للقانون، وحق المجتمع في الأمن، وواجب الدولة في اتخاذ التدابير المعقولة والفعالة للحد من الجريمة.
أولًا: العفو ليس بديلًا من سياسة إعادة التأهيل
العفو، سواء اتخذ صورة العفو العام أو العفو الخاص، هو مؤسسة قانونية تختلف طبيعتها وآثارها باختلاف النظام الدستوري والتشريعي الذي ينظمها. ولا يجوز الخلط بينه وبين إخلاء السبيل، أو الإفراج المشروط، أو انتهاء تنفيذ العقوبة.
فالعفو العام، وفقًا لأحكام القانون الذي ينظمه، قد يؤدي إلى محو الصفة الجرمية عن أفعال معينة أو إلى إسقاط الملاحقات أو العقوبات ضمن الحدود التي يحددها النص. أما العفو الخاص، فيتعلق بالعقوبة وآثارها في النطاق الذي يرسمه القانون، ولا يُفترض أن يترتب عليه محو الجريمة أو جميع آثار الحكم بصورة تلقائية.
لكن هذا التمييز لا يمنع الدولة من وضع سياسة متكاملة لإعادة تأهيل السجناء، ولا يمنع المشرّع من تنظيم برامج الدعم والمتابعة الاجتماعية والنفسية والمهنية، أو إنشاء نظام قانوني للرقابة اللاحقة في الحالات التي تستدعي ذلك، بشرط احترام طبيعة العفو وآثاره والحقوق التي رتبها القانون للمستفيد منه.
فالمشكلة ليست في العفو بحد ذاته، بل في اختزال السياسة الجزائية بالعفو أو بالعقوبة، من دون بناء منظومة متكاملة تعالج أسباب الجريمة وتحد من تكرارها.
ثانيًا: إعادة التأهيل جزء أساسي من السياسة الجزائية
لا يمكن النظر إلى السجن بوصفه مكانًا لتنفيذ العقوبة فقط، بل ينبغي أن يكون أيضًا مؤسسة تتيح للمحكوم عليه اكتساب المهارات والمعارف والسلوكيات التي تساعده على العودة إلى الحياة الاجتماعية بصورة مسؤولة.
وتشمل إعادة التأهيل، بحسب حالة كل محكوم عليه وطبيعة الجريمة، التعليم والتدريب المهني، والمعالجة النفسية عند الحاجة، وبرامج معالجة الإدمان، وتنمية مهارات حل النزاعات وضبط السلوك، فضلًا عن تأمين المساعدة الاجتماعية والتوجيه المهني بعد الإفراج.
فالمحكوم عليه الذي يغادر السجن من دون مؤهلات مهنية، أو من دون مسكن أو فرصة عمل أو دعم اجتماعي، قد يجد نفسه أمام الظروف نفسها التي ساهمت في انحرافه، وربما أمام ظروف أشد صعوبة نتيجة الوصمة الاجتماعية وفقدان الروابط العائلية والمهنية.
ولا يعني ذلك تبرير الجريمة أو إعفاء مرتكبها من المسؤولية، بل الاعتراف بأن حماية المجتمع لا تتحقق بالعقوبة وحدها، وإنما تتطلب كذلك معالجة العوامل التي قد تسهم في تكرار السلوك الجرمي.
وقد أكد مجلس أوروبا، في التوصية CM/Rec(2014)4 المتعلقة بالمراقبة الإلكترونية، أن المراقبة التقنية وحدها لا تكفي لتحقيق نتائج طويلة الأمد في الحد من العودة إلى الجريمة، وأن فاعليتها ينبغي أن تقترن بالتدخلات المهنية وبرامج الدعم وإعادة الإدماج الاجتماعي.
وهذا ما يفرض على الدولة اعتماد برامج تأهيل فعلية، لا تقتصر على المحاضرات النظرية أو الإجراءات الشكلية، بل تقوم على تقييم فردي لحاجات المحكوم عليه، وتحديد أهداف قابلة للقياس، ومتابعة مدى تقدمه قبل الإفراج وبعده.
ثالثًا: لا إفراج مسؤولًا من دون خطة للعودة إلى المجتمع
إن الانتقال من السجن إلى الحرية مرحلة دقيقة، وقد تكون حاسمة في تحديد مستقبل المحكوم عليه. ولذلك، ينبغي أن تسبق الإفراجَ، حيث يسمح القانون وتقتضي الحالة، خطةٌ واضحة لإعادة الإدماج، تتضمن تقييم المخاطر والحاجات، وتحديد التدابير المناسبة لكل حالة.
ولا يعني ذلك أن تصبح إعادة التأهيل شرطًا مطلقًا لكل إفراج، أو أن يُحرم المحكوم عليه من حق مقرر له قانونًا لمجرد عدم إتمام برنامج معين. فالإفراج بعد انتهاء العقوبة يختلف عن الإفراج المشروط، كما يختلف وضع المحكوم عليه عن وضع الموقوف احتياطيًا الذي لم يصدر بحقه حكم مبرم.
إنما المقصود هو أن تلتزم الدولة، في الحالات التي يجيز فيها القانون تنظيم مرحلة انتقالية أو فرض شروط على الإفراج، بوضع خطة جدية تتناسب مع خطورة الجريمة، والظروف الشخصية، واحتمال تكرار الفعل الجرمي.
ويمكن أن تتضمن هذه الخطة:
• متابعة اجتماعية ومهنية تساعد المفرج عنه على إيجاد عمل ومسكن واستعادة الروابط الأسرية.
• برامج علاجية أو تأهيلية متخصصة، متى كانت هناك حاجة مثبتة إليها.
• التزامًا بالمراجعة الدورية لدى الجهة المختصة، إذا كان ذلك مقررًا قانونًا.
• قيودًا محددة على الاتصال بأشخاص معينين أو دخول أماكن محددة، عندما تكون ضرورية ومتناسبة ومقررة بقرار قانوني.
• رقابة إلكترونية في الحالات التي تتوافر فيها شروطها القانونية، بوصفها تدبيرًا مساعدًا لا بديلًا من التأهيل.
إن الهدف من هذه الإجراءات ليس إبقاء المحكوم عليه تحت العقاب إلى أجل غير محدد، بل تنظيم عودته إلى المجتمع بطريقة تحمي الآخرين وتمنحه فرصة حقيقية لعدم العودة إلى الجريمة.
رابعًا: المراقبة الإلكترونية والسوار الإلكتروني
أصبحت وسائل المراقبة الإلكترونية، ومنها السوار الإلكتروني وتقنيات تحديد الموقع الجغرافي، أدوات يمكن أن يستعين بها القضاء والجهات المختصة في تنفيذ بعض التدابير الجزائية أو متابعة بعض المفرج عنهم.
وتتيح هذه الوسائل، ضمن الشروط التقنية والقانونية المحددة، التحقق من احترام الإقامة الجبرية أو مناطق الحظر أو بعض القيود المفروضة على الحركة، وإبلاغ الجهات المختصة عند حصول خرق للشروط.
غير أن اعتماد هذه التكنولوجيا يجب أن يتم ضمن إطار قانوني دقيق، لأن تحديد موقع الإنسان ومراقبة تحركاته يمسان حياته الخاصة وحرية تنقله وحقوقه الأساسية.
وقد وضعت توصية مجلس أوروبا CM/Rec(2014)4 مبادئ أساسية لاستخدام المراقبة الإلكترونية، أبرزها ضرورة تنظيمها بالقانون، وخضوع قرارات فرضها أو إلغائها للسلطة القضائية أو للمراجعة القضائية، والتناسب بين التدبير وخطورة الجريمة وظروف الشخص المعني، والمراجعة الدورية لمدته وكيفية تنفيذه.
وبناءً على ذلك، يمكن للمشرّع أن يدرس اعتماد السوار الإلكتروني أو غيره من وسائل المراقبة في حالات محددة، ولا سيما عندما يكون هناك خطر جدي ومبرر قانونًا، على أن تُراعى الضمانات التالية:
1- التقييم الفردي للمخاطر: لا يكفي أن يكون الشخص قد أدين بجريمة في الماضي لفرض المراقبة الإلكترونية عليه تلقائيًا؛ بل ينبغي تقييم الخطر الفعلي استنادًا إلى معايير موضوعية.
2- التناسب: يجب أن تتناسب شدة المراقبة ومدتها مع طبيعة الجريمة وخطر تكرارها، وألا تتجاوز ما تقتضيه حماية المجتمع.
3- القرار القضائي أو المراجعة القضائية: ينبغي أن يخضع فرض التدبير والاعتراض عليه وإنهاؤه لضمانات قضائية فعالة.
4- تحديد المدة: لا يجوز أن تتحول المراقبة إلى إجراء مفتوح زمنيًا أو إلى عقوبة إضافية غير محددة.
5- حماية البيانات الشخصية: يجب تنظيم جمع بيانات الموقع وحفظها والاطلاع عليها، وتحديد الجهات المخولة باستخدامها، ومنع استغلالها لأغراض غير مشروعة.
6- حماية الضحايا: في الجرائم التي تنطوي على خطر على الضحية، يمكن دراسة تدابير تمنع الاقتراب منها أو الاتصال بها، إذا أجاز القانون ذلك، مع مراعاة سلامتها وحقوقها وخصوصيتها.
7- الجمع بين الرقابة والتأهيل: ينبغي ألا يُكتفى بالتأكد من مكان وجود الشخص، بل يجب أن تقترن المراقبة، حيث تقتضي الحالة، ببرامج اجتماعية ومهنية وعلاجية تساعده على عدم تكرار الجريمة.
فالسوار الإلكتروني قد يكشف مخالفة قيد مكاني، لكنه لا يعالج بمفرده الأسباب النفسية أو الاجتماعية أو السلوكية التي قد تكون وراء الجريمة. ولهذا فإن اعتباره حلًا منفردًا لمشكلة العود إلى الإجرام من شأنه أن يبالغ في دور التكنولوجيا على حساب الإصلاح الحقيقي.
خامسًا: هل يجوز إخضاع جميع المفرج عنهم للمراقبة؟
إن حماية المجتمع لا تبرر إخضاع كل من خرج من السجن للمراقبة الإلكترونية أو التتبع الجغرافي. فالمساواة أمام القانون، وقرينة البراءة في الحالات التي لم يصدر فيها حكم بالإدانة، والحق في الخصوصية وحرية التنقل، كلها مبادئ تمنع فرض قيود جماعية لا تستند إلى ضرورة فردية ومشروعية قانونية.
ويجب التمييز هنا بين فئات متعددة:
• الموقوف الذي لم يصدر بحقه حكم: يخضع لأي تدبير احترازي وفقًا لشروط القانون وضماناته، ولا يجوز التعامل معه بوصفه مدانًا.
• المحكوم عليه الذي انتهت عقوبته: يستعيد حريته وفقًا للقانون، ولا يجوز تمديد القيود عليه لمجرد أنه سبق أن أدين، ما لم يوجد سند قانوني مستقل.
• المستفيد من الإفراج المشروط: يمكن إخضاعه للشروط والرقابة التي يجيزها النظام القانوني المنطبق على حالته.
• المستفيد من عفو: تتحدد آثاره وفق نص العفو وطبيعته؛ فلا يجوز افتراض أن العفو يبيح تلقائيًا فرض مراقبة لاحقة، ولا أن كل مستفيد منه يجب أن يخضع للسوار الإلكتروني.
إن اعتماد معيار فردي للمخاطر أكثر اتساقًا مع دولة القانون من إخضاع فئة واسعة من الأشخاص للرقابة لمجرد انتمائهم إلى فئة المفرج عنهم.
سادسًا: نحو منظومة متكاملة للحد من العودة إلى الجريمة
إن نجاح سياسة إعادة التأهيل والرقابة اللاحقة يتطلب تنسيقًا بين القضاء وإدارة السجون والجهات الاجتماعية والصحية والهيئات المختصة بمتابعة المفرج عنهم.
ويُستحسن أن يتجه أي إصلاح تشريعي إلى إنشاء أو تطوير منظومة متخصصة تتولى، وفقًا للقانون:
1. إعداد تقييم فردي للمخاطر والحاجات قبل الإفراج، حيث يكون ذلك ملائمًا ومسموحًا به.
2. وضع خطة لإعادة الإدماج الاجتماعي والمهني.
3. متابعة الالتزام بالشروط القضائية المفروضة على الإفراج المشروط.
4. اقتراح التدابير الرقابية المناسبة على المرجع المختص، من دون تجاوز صلاحياته.
5. تقييم النتائج دوريًا، ولا سيما معدلات العودة إلى الجريمة ومدى نجاح برامج التأهيل.
6. توفير آليات واضحة للاعتراض على التدابير الرقابية ومراجعتها أو إنهائها.
7. تأمين الموارد البشرية والمالية والتقنية اللازمة، لأن فرض التزامات لا تستطيع الإدارة تنفيذها يفرغ الإصلاح من مضمونه.
كما ينبغي أن تشمل السياسة الجزائية الوقاية المبكرة من الجريمة، وتعزيز التعليم والتدريب المهني، ودعم الأسر، ومكافحة الإدمان، ومعالجة الظروف التي تسهّل الاستغلال أو العنف أو الانحراف. فكلما توسعت وسائل الوقاية والتأهيل، قلّ الاعتماد على السجن بوصفه الحل الوحيد.
سابعًا: خصوصية المسألة في التشريع اللبناني
في لبنان، يستوجب اقتراح أي نظام للرقابة اللاحقة دراسة النصوص النافذة المتعلقة بالعفو العام والعفو الخاص، وتنفيذ العقوبات، والإفراج المشروط حيث ينطبق، والاختصاصات القضائية والتنفيذية، فضلًا عن الضمانات الدستورية والحقوق الأساسية.
ولا يكفي إصدار قانون يجيز استعمال السوار الإلكتروني بصورة عامة؛ بل ينبغي تحديد الحالات التي يجوز فيها فرضه، والجهة المختصة باتخاذ القرار، والمدة القصوى، وكيفية الاعتراض، والآثار المترتبة على خرق الشروط، وضوابط معالجة البيانات الشخصية.
كما ينبغي التمييز بين إنشاء نظام للرقابة على من يستفيد من إفراج مشروط وبين فرض مراقبة جديدة على شخص انتهت عقوبته أو استفاد من عفو ترتبت عليه آثاره القانونية. فلكل حالة أساسها القانوني، ولا يجوز استخدام الرقابة اللاحقة وسيلةً للالتفاف على آثار العفو أو تمديد العقوبة خارج الأطر التي يجيزها القانون.
ثامناً: لا حماية للمجتمع بالعقاب وحده ولا إعادة تأهيل من دون مسؤولية
إن العفو قد يكون أداة لتحقيق اعتبارات إنسانية أو اجتماعية أو وطنية، والعقوبة وسيلة لتحقيق العدالة والردع، لكن أيًّا منهما لا يغني عن سياسة جزائية متكاملة تهدف إلى منع تكرار الجريمة.
فالمطلوب ليس رفض العفو، ولا إبقاء كل مفرج عنه تحت المراقبة، بل الانتقال من سياسة تكتفي بإنهاء العقوبة إلى سياسة تجمع بين التأهيل الفعلي، والرقابة القانونية المتناسبة، وإعادة الإدماج، وحماية الضحايا والمجتمع.
ومن هنا، فإن الإصلاح التشريعي المطلوب ينبغي أن يقوم على قاعدة واضحة: لا إفراج مشروطًا مسؤولًا من دون خطة جدية للتأهيل والمتابعة، ولا مراقبة إلكترونية من دون سند قانوني وتقييم فردي للمخاطر ورقابة قضائية.
أما حيث يكون الإفراج حقًا يترتب على انتهاء العقوبة أو على آثار عفو نافذ، فلا يجوز حرمان الشخص منه أو تقييد حريته خلافًا للقانون. وفي المقابل، لا ينبغي للدولة أن تتخلى عن واجبها في توفير برامج إعادة الإدماج، ومتابعة من يخضع قانونًا للرقابة، واتخاذ التدابير الضرورية لحماية المجتمع.
فالمجتمع الآمن ليس المجتمع الذي يعاقب فحسب، بل المجتمع الذي يقلل فرص تكرار الجريمة، ويحمي الضحايا، ويمنح من أنهى عقوبته فرصة حقيقية للعودة إلى الحياة المسؤولة، ضمن احترام القانون وحقوق الجميع.
مراجع قانونية للاستناد إليها
• مجلس أوروبا، التوصية CM/Rec(2014)4 بشأن المراقبة الإلكترونية، ولا سيما المبادئ المتعلقة بالسند القانوني، والتناسب، والمراجعة القضائية، والجمع بين المراقبة والتأهيل.
مجلس أوروبا، التوصية CM/Rec(2010)1 بشأن قواعد مجلس أوروبا للمراقبة في المجتمع (Probation Rules)، وهي مرجع مكمل لموضوع متابعة المحكوم عليهم وإعادة إدماجهم.
Council for Penological Co-operation (PC-CP)
القانون اللبناني
وفي القانون اللبناني ما يُعرف بـ التدابير الإصلاحية والتأهيلية في العقوبة والسجن، وهي تختلف عن العقوبة التقليدية التي تقتصر على الحبس أو الأشغال الشاقة. وتقوم فكرتها على أن تنفيذ العقوبة لا ينبغي أن يقتصر على معاقبة المحكوم عليه، بل يمكن أن يشمل إصلاحه وتأهيله وإعادة إدماجه في المجتمع، مع حماية المجتمع والحد من تكرار الجريمة.
ومن الناحية القانونية، يجب التمييز بين ثلاثة أمور:
1. إصلاح العقوبة نفسها: كاستبدال بعض العقوبات بتدابير بديلة، حيث يسمح القانون بذلك.
2. إصلاح المحكوم عليه داخل السجن: من خلال التعليم والتدريب المهني والرعاية الاجتماعية والصحية والتأهيل السلوكي.
3. تدابير ما بعد السجن: مثل الرعاية اللاحقة وتسهيل إعادة الإدماج، إلى جانب الأنظمة القانونية التي قد تسمح بالإفراج قبل انتهاء مدة العقوبة ضمن شروط محددة.
أولاً: أين نجد هذه التدابير في القانون اللبناني؟
في ما يلي أبرز النصوص القانونية التي ينبغي الرجوع إليها:
1- قانون تنفيذ العقوبات رقم 463 تاريخ 17/9/2002
ينظم تخفيض العقوبة بسبب حسن السلوك، وفق شروط قانونية ولجنة مختصة تدرس وضع المحكوم عليه. وقد عُدّل بالقانون رقم 183تاريخ 5/10/2011، ولا سيما أحكام المواد 2 و3 و4 و15.
المرجع: النص الرسمي لقانون تنفيذ العقوبات،
https://www.justice.gov.lb/index.php/law-details/15/2 /
وتعديلات القانون،
https://www.justice.gov.lb/index.php/law-details/2/2
2- قانون العقوبات – المرسوم الاشتراعي رقم 340 تاريخ 1/3/1943
يتضمن أحكام العقوبات والتدابير الاحترازية والإصلاحية. كما تنظم المواد 159 وما يليها، بحسب النصوص المنشورة لقانون العقوبات، إعادة الاعتبار للمحكوم عليه بشروط معينة، قضائياً أو حكماً بحسب الحالة.
المرجع: قانون العقوبات على موقع وزارة العدل.
https://www.justice.gov.lb/law-details/11/1
3- المرسوم الاشتراعي رقم 119 تاريخ 16/9/1983 بشأن الأحداث
يتصل بالحماية والتدابير الخاصة بالأحداث المخالفين للقانون، وهو إطار مختلف عن نظام عقوبات البالغين، ويراعي خصوصية الحدث وإمكان إصلاحه وإعادة تأهيله.
يجب الرجوع إلى النص النافذ وتعديلاته لتحديد التدبير المناسب لكل حالة.
4- المرسوم الاشتراعي رقم 151 تاريخ 16/9/1983 المتعلق بتنظيم وزارة العدل
يتصل بالإطار الإداري الذي تعمل ضمنه مديرية السجون. وتعرض المديرية على موقعها الرسمي برامج تأهيلية وخطة وطنية ومراجع قانونية متصلة بتطوير إدارة السجون.
المرجع: الموقع الرسمي لمديرية السجون.
ثانياً: ما التدابير الإصلاحية الممكنة عملياً؟

تجدر الإشارة إلى أن وجود برنامج تأهيلي لا يعني تلقائياً حق السجين في تخفيض العقوبة أو الإفراج عنه؛ فلكل إجراء شروطه ومرجعه القانوني.
ثالثاً: هل يمكن إصلاح النظام العقابي والاصلاحي اللبناني بقانون جديد؟
نعم، يمكن للمشرّع أن يطوّر السياسة العقابية والاصلاحية عبر نصوص واضحة تتضمن، مثلاً:
• توسيع نطاق العقوبات البديلة عن الحبس في الجرائم التي تسمح طبيعتها بذلك.
• تعزيز العمل للمنفعة العامة والبرامج التأهيلية، مع تحديد شروط تطبيقها والجهة المشرفة عليها.
• ربط بعض برامج الإصلاح بتقييم فردي للمحكوم عليه، من دون المساس بحقوق الضحايا أو السلامة العامة.
• وضع خطة لإعادة الإدماج الاجتماعي والمهني بعد الإفراج.
• تقييم فاعلية التدابير من خلال معدلات العود إلى الجريمة، لا بمجرد عدد المستفيدين منها.
رابعاً: تدابير وقائية ورقابية:
• كما يمكن تنظيم المراقبة الإلكترونية والسوار الإلكتروني في أي تشريع جديد
• كما إخضاع المحكومين للمراقبة اللاحقة وتنظيمها في قانون ومواد واضحة.
“محكمة” – الجمعة في 2026/10/23



