علم وخبر

Sharenting بين اتباع الترند وحماية الخصوصية: ما مدى قانونية نشر صور أطفالنا؟/ميشال الخوري

المحامية ميشال طنوس الخوري:
لفتني منذ فترة مقطعٌ مصوَّر نشرته مفوضية حماية البيانات (DPC) لدى السلطة الوطنية المستقلة في أيرلندا، بهدف التوعية عن مخاطر نشر صور وفيديوهات الأطفال على منصّات التواصل الإجتماعي، اذ يظهر في هذا الفيديو مشهدٌ يتكرّر يومياً وهو نشر الأهل بحسن نية كل ما يتعلّق بأولادهم من نشاطات، ومناسبات، واحتفالات أعياد ميلاد، أو حتى تفاصيل حياتهم اليومية الخاصة جداً. وفي المشهد ذاته، يلتقي الطفل في مكان عام بشخصٍ غريب يخاطبه وكأنّه يعرفه، فيخبره مثلاً بتاريخ عيد ميلاده أو المدرسة التي يرتادها، فيُصاب الطفل بالذهول لأنّه لا يعرف هذا الشخص مسبقاً، وعندئذٍ يدرك الأهل خطورة ما نشروا، فيشعرون بالريبة والقلق لما قد يترتّب على نشر هذه المعلومات من مخاطر أمنية واجتماعية ونفسية.
غالباً ما يتم تبرير هذا النشر بحسن النيّة، كإعلام الأقارب أو توثيق لحظات شخصية، غير أنّ هذه الممارسات قد تنطوي عملياً، وبغضّ النظر عن المقاصد المعلنة، على مساس غير مقصود بحقوق الطفل في الخصوصية والحماية الرقمية، فضلاً عن خضوعها لدوافع ذاتية لا تخضع دائماً للتقدير القانوني السليم. وبعد ان اصبحت أمّاً استوقفني هذا الموضوع، وأصبحتُ أكثر وعياً لحجم المخاطر التي قد تترتب على نشر صور طفلتي أو تفاصيل حياتها عبر الإنترنت. وانطلاقاً من ذلك، قرّرتُ البحث في الإطار القانوني الذي ينظّم حماية الأطفال وخصوصيتهم رقمياً، سواء على المستوى الدولي أو في التشريعات الوطنية في لبنان والدول المقارنة.
سلبيات نشر تفاصيل الاطفال على منصات مواقع التواصل الاجتماعي
قبل البدء بمناقشة موقف القانون من هذه المسألة، يقتضي اولاً التوقف عند مخاطر نشر تفاصيل الاطفال على منصات مواقع التواصل الاجتماعي من انتهاك للخصوصية، والتعرض للغرباء والمتحرشين، والتأثير السلبي على الثقة وغيرها من السيئات، نلخصها وفقاً لما يلي:
– الأثر الرقمي الدائم: كل صورة أو معلومة تُنشر عن الطفل تترك أثرًا رقميًا يصعب محوه، وقد تبقى متداولة خارج سيطرة الأهل لسنوات طويلة.
– انتهاك الخصوصية: انتهاك خصوصية الطفل دون موافقته
– التعرّض للغرباء والمتحرّشين: الصور قد تصل إلى أشخاص مجهولين وتُستغل بطرق خطيرة، من تتبع للموقع أو الاستغلال عبر الإنترنت خصوصاً لدى المراهقين.

– سرقة الهوية واستغلال البيانات: المعلومات البسيطة عن الطفل قد تُستخدم في الاحتيال أو سرقة الهوية دون أن يُكتشف الأمر لسنوات.
– التأثير السلبي على الثقة وتقدير الذات: نشر تفاصيل حياة الطفل وصوره قد يؤدي في بعض الاحيان إلى زعزعة ثقته بنفسه وبوالديه على حدّ سواء، إذ يمكن ان تتحول هذه المنشورات إلى مادة للسخرية أو التنمّر من قبل الأقران، سواء في المدرسة أو عبر الإنترنت، ما ينعكس سلبًا على صحته النفسية، ويؤدي إلى الشعور بالخجل، القلق الاجتماعي، أو العزلة.
– صعوبة النشر الآمن: حتى مع الحسابات الخاصة، لا يوجد ضمان حقيقي يمنع نسخ المحتوى أو إعادة نشره دون إذن.
رأي القانون
وبالرغم من كل هذه السلبيات وخطورتها على صحة الطفل النفسية والمعنوية إلا ان موقف القانون خجول جداً في هذا الخصوص، اذ لم يصدر بعد اي قانون على الصعيد الدولي او المحلي واضح وصريح ينظم هذه العملية سوى في فرنسا.
فعلى الصعيد الدولي ان اتفاق حقوق الطفل للعام 1989 وجد فيه مادة واحدة مبهمة فيما يختص بهذا الموضوع بالإضافة الى بعض التوصيات البسيطة جداً. كما ان النظام الاوروبي العام لحماية البيانات (GDPR) لم يعالج هذه المسألة بل اوجب فقط اخذ موافقة الاهل عند جمع معلومات متعلقة بالأطفال تحت عمر ال16 سنة ولكن دول الاعضاء قد تخفض هذا السن الى 13 سنة، كما هي الحال مع القانون الاميركي لحماية خصوصية الاطفال عبر الانترنت (COPPA) الذي اكد على ضرورة اخذ موافقة الاهل قبل جمع معلومات عن الاطفال ما دون 13 سنة إلا انهما لم يتطرقا الى مسألة ال sharenting.
وبالإنتقال الى لبنان، فلا يوجد قانون خاص ينظم هذه المسألة، بل يقتضي الرجوع الى قانون العقوبات والقانون رقم 81 لعام 2018 المتعلق بـ “المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي فيما يختص بانتهاك الخصوصية. وفي ظل غياب قوانين واضحة في لبنان تنظّم نشر صور الأطفال يبقى الاعتماد على القواعد العامة لحماية الخصوصية، وعلى التزامات لبنان الدولية، أساساً مهماً لضبط هذه الممارسات ومنع أي انتهاك قد يمسّ الخصوصية الرقمية للأطفال.
قرار حديث في هذا الخصوص
وبالرغم من عدم وجود قانون صريح يُنظّم حق الطفل في الخصوصية في علاقته بوسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي، صدر حديثاً قرار قضائي بالغ الأهمية عن القاضي المنفرد الجزائي الناظر بقضايا الاحداث في البقاع بتاريخ 2025/10/20، قضى بمنع والدة قاصر من التداول بقضية ابنها إعلامياً أو صحفياً، أو عبر منصّات التواصل الاجتماعي والصفحات الإلكترونية، شفهياً أو خطياً أو بأي وسيلة كانت، كما ألزم إحدى القنوات التلفزيونية بحذف المقاطع التي ظهر فيها اسم الطفل القاصر أو صورته أو أي معطيات أو وقائع من شأنها أن تؤدي إلى كشف هويته أو التعريف بالقضية التي يكون طرفاً فيها.
وتعود وقائع القرار إلى ظهور والدة القاصر في مقابلة تلفزيونية تناولت خلالها قضية تعرّض ابنها القاصر لاعتداء جنسي من قبل قاصر آخر داخل المدرسة، حيث جرى التداول بأسماء الأطراف، وظهر الطفل القاصر بصورة غير مستوفية لشروط الحماية الإعلامية الواجبة للأطفال، ما شكّل تعريضاً مباشراً لخصوصيته وسلامته النفسية والاجتماعية.
ورغم الطابع الاستثنائي لهذا القرار، الذي يستحق بحد ذاته دراسة موسّعة، فقد استند القاضي في إلى جملة من المرتكزات القانونية الجوهرية، أبرزها:
• التوسع في تفسير حالة الخطر الواردة في القانون رقم 2002/422.
• الإرتكاز على حق الطفل في الخصوصية وفقاً لما ورد في النصوص والاتفاقيات الدولية، في ظل غياب نصوص وطنية تنظم علاقة الطفل بالإعلام.
• الاستناد إلى مبدأ الحماية الدستورية للحقوق، من خلال اعتماد مظلة دولية من النصوص المتعلقة بالحق في الحياة الخاصة، فضلاً عن التوصيات والإرشادات الصادرة عن منظمة اليونيسيف والمجلس الأعلى للطفولة.
• تطبيق معايير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في الموازنة بين الحقوق المتعارضة، ولا سيما بين مصلحة الطفل الفضلى وحرية الإعلام، بحيث جاء التدبير المقيّد لهذه الحرية منسجماً مع مبادئ الضرورة والتناسب وتحقيق الهدف المشروع.
• تحديد مظاهر التعريض غير الآمن للطفل عبر وسائل الإعلام على نحو استرشادي وتوجيهي
وقد يُعدّ هذا القرار الأوّل من نوعه لجهة منع الأهل من التداول بمسائل تتعلّق بأطفالهم في الفضاء الإلكتروني. ورغم أنّ نطاقه يبقى محصوراً بحالة فردية واستثنائية مرتبطة بوقائع قضية معيّنة، إلا أنّه يفتح الباب أمام المشرّع، ويُسلّط الضوء على خطورة هذه الممارسات وأثرها البالغ على حقوق الطفل، ولا سيّما عندما تصدر عن الأهل أنفسهم بحسن نيّة أو بدافع الحماية، من دون إدراك لما قد تخلّفه من نتائج قانونية ونفسية واجتماعية جسيمة.
اما فرنسا، فقد كانت السباقة في هذا المجال اذ صدر قانون رقم 2024/120 بتاريخ 2024/2/19 الذي كرس ما يلي:
– اضاف مفهوم الخصوصية إلى تعريف السلطة الأبوية، معدلاً المادة 371-1 من القانون المدني والمادة 372-1 والتي اصبحت تنص على أنّ «الوالدين يتوليان معاً حماية حقوق صورة أطفالهما». – أوجب «إشراك الطفل في ممارسة حقوقه المتعلقة بصورته بما يتناسب مع سنّه ودرجة نضجه» في المادة 372-1 من القانون المدني وذلك انسجاماً مع ما تقضي به اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 1989.
– سمح لقاضي الاسرة عند وجود خلاف بين الاهل أن يمنع أياً منهما من «نشر أو تداول أي محتوى يتعلق بالطفل من دون الحصول على موافقة الوالد الآخر»، وذلك عملاً بأحكام المادة 373-2-6 من القانون المدني.
– أجاز للشخص الطبيعي، أو للمؤسسة، أو للمرفق الإقليمي المختص بالمساعدة الاجتماعية للطفولة الذي تولّى رعاية الطفل، وكذلك لأيّ فرد من أفراد الأسرة في الحالات التي تشكّل فيها هذه الممارسات انتهاكاً جسيماً لكرامة الطفل أو لسلامته الأخلاقية، أن يتقدّم بطلب إلى القاضي بهدف تفويضه ممارسة الحق في صورة الطفل وفقاً لتعديل المادة 377 من القانون المدني. كما ينص القانون على أنّ الهيئة الوطنية للمعلوماتية والحريات (CNIL) يحق لها المباشرة بإجراءات مستعجلة وطلب اتخاذ أي تدبير كفيل بحماية حقوق الطفل، وذلك في حال عدم تنفيذ طلب حذف البيانات الشخصية أو عدم الردّ عليه، وفقاً لتعديل المادة 21 من قانون حماية البيانات الفرنسي الصادر بتاريخ 6 كانون الثاني 1978.
إن هذه الخطوة، وإن كانت لا تزال عاجزة عن تحقيق حماية شاملة، إلا أنها تشكّل مدخلاً أساسياً لتوفير حدٍّ أدنى من الحماية للأطفال حيال ما يُنشر من محتوى متعلق بهم على مواقع التواصل الاجتماعي، كما تساهم في وضع ضوابط قانونية وأخلاقية تُقيّد ممارسة الأهل لحقهم في هذا المجال.
وانطلاقاً من ذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى إقرار اتفاقية دولية متخصصة تعالج هذا الموضوع بصورة مفصّلة، وتُرسّخ ركائز واضحة ومعايير ملزمة تكفل حماية الأطفال، ولا سيما في ظل الانتشار الواسع لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وما يرافقه من مخاطر متزايدة على الخصوصية والسلامة الرقمية.
وإلى حين صدور تشريع أو اتفاقية دولية من هذا النوع، وحتى في حال غياب نص قانوني صريح، يبقى على عاتق الأهل التزام أساسي يتمثل في حماية أطفالهم والتحلي بأقصى درجات الحيطة والحذر فيما يتصل بخصوصية الطفل وكرامته. وفي هذا الإطار، يُستحسن الامتناع عن نشر صور الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي، وإن دعت الضرورة إلى النشر، فينبغي الاكتفاء بصور لائقة لا تمس بكرامة الطفل ولا تعرّضه مستقبلاً للتنمر أو الإساءة، مع الحرص على أن تكون الحسابات المستخدمة خاصة وغير متاحة للعموم، والامتناع عن نشر أي محتوى يكشف عن خصوصيات الطفل، كصور المدرسة أو الأماكن والأنشطة التي يرتادها، لما في ذلك من مخاطر تتعلق بإمكانية تتبعه أو استغلاله من قبل المتحرشين.
غير أن الخطر الأشد يتمثل في ممارسات بعض الحضانات والمدارس التي تقوم بنشر صور ومقاطع فيديو للأطفال على صفحاتها الإلكترونية، بما يظهر ملامحهم ويكشف تفاصيلهم الشخصية، وذلك لأغراض ترويجية بحتة. ويُعدّ هذا السلوك انتهاكاً جسيماً لحق الطفل في الخصوصية، الأمر الذي يقتضي منع هذه المؤسسات من النشر كلياً، حتى في حال وجود موافقة من الأهل.
واخيراً، ان حماية الطفل الكترونياً لم تعد خيار او مسألة ممكن تجاهلها، بل اصبحت التزاماً قانونياً دولياً واخلاقياً، اذ ما ينشر اليوم عن الطفل اليوم قد يصبح وزراً يلاحقه غداً.
“محكمة” – السبت في 2026/1/10

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.