مقالات

الإمام علي ودولة القلب/محمد وسام المرتضى

وزير الثقافة السابق القاضي محمد وسام المرتضى:
عن عليٍّ الذي أقام دولة القلب رأى الإنسان قيمةً تسمو على كلّ انتماء فسبق بفكره زمنَه وزماننا.
عليّ بن أبي طالب ليس صفحةً من الماضي، بل معنى حيّ للحاضر.
فهو في رؤيته للثقافة اعتبر العلم طريقًا إلى الحقّ والعدالة، لا أداة تفاضل، وجعل قيمة الإنسان فيما يُحسن، لا فيما يرث، وفتح العقل على السؤال، لأنّ الإيمان عنده يزداد وضوحًا بالحكمة لا بالخوف.
وهو في ممارسته للسياسة أقام دولة القلب قبل دولة السيف، ورأى الإنسان قيمةً تسمو على كلّ انتماء، فقال كلمته التي اختصرت فلسفة الاجتماع البشري، واختزلت أعلى درجات الترقّي الحضاري: الناس إمّا أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق. هكذا حمى كرامة المختلف، وجرّد السلطة من وحشيّتها، وردّها إلى أخلاقها.
وهو في إنسانيته، رأى الناس متساوين في الكرامة، مختلفين في الطرق، فحفظ حقّ الاختلاف من دون أن يفرّط بالحقّ. جعل الرحمة أساس الحكم، والعدل لغة التعامل، فسبق بفكره زمنه، وما زال يتقدّم زماننا.
أمّا في انفتاحه، فكان انفتاح الواثق بجوهره، الحريص على جذوره، المؤمن بأن الحوار قوّة، وأنّ الإنصاف أولى بالإعمال. فصار المثال للثقافة حين تكون إنسانية، والنموذج للإنسانية حين تكون وعيًا ومسؤولية.
وانفتاحه، فلم يكن تسيّبًا ولا مساومة، بل انفتاحُ المتيقّن المطمئن المستمسكّ بالحقّ. فصار البرهان الدائم أنّ الانفتاح شجاعةُ المؤمنين الواثقين الموقنين وأنّ العدالة أعلى درجات الإنسانية فمارسها في السياسة أساساً ووسيلةً وغاية.
“جَلجَلَ الحقُ في المسيحي حتى
صَارَ مِن فَرطِ حُبِهِ عَلَويّـًا
يا سماءُ اشهَدِي ويَا ارضُ قَرِّي
واخشَعِي إنَني ذَكَرتُ عَليِّـًا”.
(الأديب الكبير القاضي المرحوم بولس سلامة)
السلام على عليٍّ في ميلاده وشهادته ويوم يُبعث حيًّا.
مباركٌ لكم ميلاد إمامُ العلم والإنفتاح والعدل والإنسانية.
“محكمة” – السبت في 2026/1/3

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!