حول تبسيط اللّغة القانونيّة/سيرج إيليا
المحامي سيرج نسيب إيليا رئيس قسم الأبحاث (Head of research department) لدى SALAMAS Law Firm:
كثيراً ما تثار مواضيع قانونيّة كالقضايا الإنسانيّة الكبرى أو اللّامركزيّة الإداريّة أو تنظيم علاقة المحامي بوسائل التواصل الاجتماعيّ أو غيرها. أما إشكاليّة (إن صحّت تسميتها كذلك) تبسيط اللّغة القانونيّة (vulgarisation du langage juridique)، أو جعلها في متناول أكبر شريحةٍ ممكنةٍ من الناس – قانونيّين أو غير قانونيّين –، فقليلاً ما يتمّ طرحها في حياتنا المهنيّة.
والموضوع جديرٌ بالطرح، إذ تحتوي اللّغة القانونيّة على صعوباتٍ معيّنة على مستوى المفردات، نظراً لكون المصطلحات القانونيّة (le jargon juridique) هي دقيقة للغاية، ممّا يجعل من الصعب فهمها بالنسبة لغير المتخصّصين. وحقّ فهم مضمون النصّ القانونيّ (le droit de comprendre) مكرّس، لا سيّما في ضوء تزايد إمكانيّة الوصول إلى المعلومات القانونيّة بواسطة الإنترنت. ويجنّب حقّ الفهم هذا مخاطر التضليل وسوء الفهم، ويدعم وصول الشخص إلى فهمٍ أفضل لحقوقه.
في ضوء ذلك، هل يمكن اعتبار تبسيط اللّغة القانونيّة حقّاً من حقوق الإنسان، لا بل «حقّاً في الحقّ» (« un droit au droit »)؟ وذلك تطبيقاً للمبدأ القانونيّ الشهير القائل إنّه لا يَعْتَدُّ أحدٌ بجهله القانون (Nul n’est censé ignorer la loi). والموضوع بغاية الأهميّة في ضوء تطوّر وسائل التواصل وتكنولوجيا المعلومات، ممّا أدّى إلى تطوّر النظرة النقديّة للقرّاء المتلقّين – وفي هذا المجال، لقد لعب تبسيط اللّغة التجاريّة، ولا سيّما الجانب الإلكترونيّ منها، دوراً بارزاً في التفاهم المتبادَل، حيث أصبح من الضروريّ جعل المحتوى سهل الفهم لإيصال المعنى.
وهنا، تجلّى نوعٌ حقيقيّ من الثورة الثقافيّة، حيث أصبح المؤلّف في خدمة القارئ المتلقّي. وتتجلّى هذه الثورة إمّا بموجب التحديث أو التسهيل (l’obligation de moderniser ou de faciliter) – فنتكلّم على «إصلاح الدولة أو الإدارة» (« réforme de l’État ou de l’administration ») –، أو بموجب ترشيد النصوص القانونيّة أو تنظيمها بهدف زيادة فعاليّتها ومنطقها من خلال إزالة العناصر غير المفيدة، بغية التقنين بحسب وسيلة النشر.
إن عمليّة التبسيط، التي لا تعني تفسير القانون، هي إعادة صياغة تهدف إلى تكييف النصوص القانونيّة مع احتياجات القارئ والمتلقّي، محترماً مبدأ قابليّة القراءة بواسطة لغةٍ بسيطة وواضحة ومناسبة للقارئ العاديّ، ومعلوماتٍ متاحة ومفهومة. وإن المصطلحات القانونيّة، في سعيها إلى تسهيل القراءة، تستمدّ معظم كلماتها من المصطلحات الأدبيّة. ولكنّ التفسير القانونيّ يختلف عن التفسير الأدبيّ، تماماً كما تختلف اللّغة القانونيّة عن اللّغة الشائعة أو العاميّة، إمّا:
– بسببٍ من اختلاف معنى بعض العبارات بين اللّغتين المذكورتين. ونذكر على سبيل المثال:
* «انتفاع»، التي لا تعني ضرورةً في القانون، الاستفادة، كما هو متعارف عليه في اللّغة الشائعة، إذ قد تعني التمتّع.
* «استئناف»، التي تدلّ على طريق الطعن في القانون كما تدلّ على إعادة العمل في اللّغة العاديّة.
* «تمييز»، التي في القانون لا تعني حكماً التعرّف على الصفات والخلافات بين الأشخاص أو الأشياء كما هو متعارف عليه عامّةً، بل قد تشير إلى طريق النقض من خلال محكمة التمييز أو المحكمة العليا.
– أو بسببٍ من عدم وجود المصطلحات اللّازمة للتحليل القانونيّ في اللّغة العاميّة. وهذا ما يجعل اللّغة القانونيّة غير مألوفة وغالباً غامضة لأيّ شخصٍ غير متخصّص في القانون. وهنا، يأتي دور التبسيط لمساعدة الناس في الاطّلاع على كافّة القوانين بشكلٍ أفضل، وتصبح أكثر فاعليّةً إذا تمكّنت من الوصول إلى عددٍ أكبر.
تاريخيّاً، كان مونتسكيو (Montesquieu) أوّل من تكلّم على عمليّة تبسيط اللّغة القانونيّة عندما كتب في كتابه الشهير “روح القوانين” (De l’esprit des lois): «(…) عندما يجعل الإنسان من نفسه مستبدّاً بلا حدود، تكون فكرته الأولى أن يبسّط القوانين (…)» (« [L]orsqu’un homme se rend plus absolu, songe-t-il d’abord à simplifier les lois. »). إنّما بدأت عمليّة تبسيط اللّغة القانونيّة في إنكلترا خلال ثلاثينيّات القرن الماضي، حين جرى السعي إلى تحديث لغة الاتّصالات الرسميّة. وكان رئيس الوزراء ونستون تشرشل (Winston Churchill)، خلال الحرب العالميّة الثانية، يطلب من موظّفيه أن يكونوا على قدرٍ من الوضوح والإيجاز. واستمرّ ذلك خلال العقود التالية مع إنشاء حملة «اللّغة االإنكليزيّة البسيطة» (The Plain English campaign)، التي قادها مكتبٌ استشاريّ للعملاء من جميع أنحاء العالم، فضلاً عن نشر دليلٍ لكتابة الاستمارات.
وفي الولايات المتّحدة، أصبحت القوانين والعقود تُكْتَبُ بأسلوبٍ واضح وبسيط وحتّى ودود (convivial)، حتّى لا يشكّل النصّ عبئاً غير ضروريّ على الناس. كما يتمّ في بعض ورش العمل شرح القانون للمتطوّعين وإجراء اختبارات لقابليّة قراءة النصوص المبسّطة وغير المبسّطة.
أما في فرنسا، فقد ظهر المفهوم في أحد القرارات الصادرة عن المجلس الدستوريّ في كانون الثاني ٢٠١٩، الذي قضى بأن شرط وضوح القانون ينبع مباشرةً من مبدأين ديموقراطيّين، وهما المساواة أمام القانون وضمانات الحقوق. وبالتالي، لا يمكن ضمان حقوق المواطن إذا لم يملك ما يكفي من المعرفة بالقوانين لممارسة الحقوق والحريّات المكفولة قانوناً – ومن هنا، ضرورة الوصول إلى القانون.
ولكن قد يسأل البعض: حين يريد أحد المترجمين ترجمة نصٍّ قانونيّ في سبيل تبسيطه بصفته محترفاً في هذا المجال، هل عليه أن يحافظ على الألفاظ القديمة للّغة القانونيّة؟ وأصلاً، هل إن النصّ القانونيّ، أكان مترجَماً أم لا، موجّه فقط إلى رجال القانون (من قضاة ومحامين وكتّاب عدل ودكاترة إلخ…)، أو بهدف المعلومة القانونيّة بشكلٍ عام؟ في الواقع، إن فكرة التبسيط لا تعني جعل الأمور بسيطةً، بل جعلها أكثر تبسيطاً أو أقلّ تعقيداً. وتنتفي في عمليّة التبسيط أيّ إشارةٍ إلى البسيط أو المعقّد، إذ ليس ثمّة شيء بسيط أو معقّد بشكلٍ موضوعيّ.
ويدافع العديد من رجال القانون أنفسهم عن حقّ المواطن في الاستحصال على المعلومات المناسبة لاحتياجاته. والشرط الأساسيّ لالتزام المواطنين بالقوانين هو فهمها. فيؤدّي تبسيط القانون إلى مجتمعٍ أكثر عدلاً وإنصافاً وازدهاراً، حيث يتمّ توضيح اللّغة القانونيّة، فتزداد بالتالي الثقة في العلاقة بين المحامي وموكّله، لا بل في النظام القانونيّ نفسه – فالتبسيط يشكّل قاعدةً أخلاقيّة واردة في الكثير من نقابات المحامين حول العالم، بما فيها نقابة المحامين في كيبيك.
فلما لا نفعل الشيء ذاته في لبنان؟ بحيث يصار إلى تبسيط اللّغة القانونيّة وتسهيل وصولها إلى العموم، بحيث يتمكّنون من استيعاب حقوقهم للمطالبة بها، وكلّ ذلك من دون المساس بقدسيّة اللّغة القانونيّة المألوفة وجماليّتها أو هدمها. ولكن هل نتردّد في إدراك المشكلة واللّجوء إلى تبسيط اللّغة القانونيّة، ربّما خوفاً من التقليل من قيمة القانون بسبب جعله في متناول الجميع، أو خوفاً من تهديدٍ لدور القانونيّين وعملهم كوسطاء بين المواطن والسلطة القضائيّة؟
المصادر:
– Adélie Floch, « Loi. Vocabulaire juridique : simplifier pour mieux comprendre », article publié le 3 janvier 2019 sur le site de l’Institut Ulpien (institut-ulpien.com)
– Auteur Anonyme, « Simplification du vocabulaire juridique : “La démocratie, c’est que, quel que soit l’enjeu, on puisse comprendre la décision” », article publié le 2 janvier 2019 sur le site franceinfo.fr de Radio France
– Auteur Anonyme, « Vulgariser le droit avec l’AVIJED », article publié le 14 mars 2016 sur le site LexWeb
– Audrey Laure, « Existe-t-il un langage juridique ? », article publié le 16 juillet 2012 sur le site www.village-justice.com
– Brigitte Moser, « La vulgarisation de la loi », article publié le 30 janvier 2020 sur le site www.ve-avocat.fr
– Clarisse Andry, « Accès au droit : professionnels, il faut vulgariser ! », article publié le 15 février 2016 sur le site www.village-justice.com
– Hugues Bouthinon-Dumas, « La vulgarisation d’un droit d’application quotidienne », article publié sur le site journals.openedition.org
– Lahlou Névine, La vulgarisation de l’informatique juridique : Reconnaissance et mise en œuvre de la vulgarisation juridique en France, mémoire présenté à l’École de Droit de l’Université Paris 1 Panthéon Sorbonne, 2013
– Lydia Zunina, « Les apports du langage juridique clair », article publié le 4 septembre 2020 sur le site www.village-justice.com
– Nicole Fernbach, La simplification de la langue du droit en contexte anglo-saxon, Centre international de lisibilité (Montréal), Presses de l’Université Toulouse 1 Capitole, 2010
– Stéphanie Boutin, Michelle Cumyn et Mélanie Samson, « Le langage juridique et le langage courant », article mis à jour le 18 décembre 2018 sur le site de la Faculté de droit de l’Université de Laval (www.redactionjuridique.chaire.ulaval.ca)
– Stéphanie Boutin, Michelle Cumyn et Mélanie Samson, « La vulgarisation juridique », article mis à jour le 21 janvier 2019 sur le site de la Faculté de droit de l’Université de Laval (www.redactionjuridique.chaire.ulaval.ca)
“محكمة” – الاثنين في 2025/8/18



