أبحاث ودراسات

قراءة في أبرز تعديلات قواعد التحكيم الصادرة عن غرفة التجارة الدولية لعام 2026/ روبير أبو صعب

المحامي المتدرّج روبير أبو صعب:
أصدرت غرفة التجارة الدولية (ICC) نسخة محدثة من قواعد التحكيم الخاصة بها، على أن تدخل حيّز النفاذ في 1 حزيران 2026، لتحل محل قواعد عام 2021 بحيث تُطبَّق على جميع طلبات التحكيم المقدمة اعتباراً من هذا التاريخ، وتمثل هذه المراجعة إحدى أبرز عمليات التحديث التي أجرتها الغرفة منذ عام 2012، إذ تعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة تكييف البنية الإجرائية للتحكيم من خلال تقليص الطابع الشكلي لبعض المراحل، وتطوير أدوات إدارة الدعوى، وتعزيز فعالية إجراءات الفصل في النزاعات.
وتتأكد أهمية هذه التعديلات في ضوء الموقع الذي تحتله غرفة التجارة الدولية في مجال التحكيم التجاري الدولي، بوصفها إحدى أبرز المؤسسات التحكيمية عالميًا، إذ تُسجَّل أمام محكمتها عشرات الآلاف من القضايا، بما يتجاوز 30,000 قضية، فيما بلغ عدد الدعاوى خلال عام 2025 وحده 881 دعوى، بقيمة إجمالية قاربت 299 مليار دولار أمريكي، بما يعكس مستوى الثقة المستمر والمتزايد في هذا النظام، ولا سيما في النزاعات ذات الطابع الدولي المعقّد ومرتفعة القيمة.
وفي هذا الإطار، يهدف هذا المقال إلى عرض أبرز التعديلات التي جاءت بها قواعد عام 2026، وتحليل انعكاساتها العملية على سير إجراءات التحكيم الدولي، لا سيما من حيث إدارة الوقت، وفعالية الإجراءات، والتوازن بين متطلبات السرعة وضمانات العدالة الإجرائية
أولًا: إلغاء القواعد إلزامية “شروط المرجعية” (Terms of Reference):
تاريخيًا صممت الـ Terms of Reference كخطوة إجرائية الزامية تهدف الى تحديد نطاق النزاع ومطالب الأطراف ووضع إطار إجرائي قبل متابعة السير بالإجراءات، بما يحد من الطعون المتعلقة بالاختصاص. وقد شكل ذلك أحد أبرز العناصر التي ميزت غرفة التجارة الدولية عن بقية المؤسسات التحكيمية مثل LCIA، SIAC و SCC إلا ان تطبيقها عمليًا اظهر انها أصبحت اجراء شكليًا يستغرق وقتًا طويلًا. فبموجب القواعد الجديدة لعام 2026، لم تعد Terms of Reference خطوة إلزامية في إجراءات التحكيم، بل أصبحت أداة اختيارية تملك هيئة التحكيم سلطة تقديرية لاعتمادها عند الاقتضاء لا سيما لتوضيح مسائل الاختصاص او تنظيم نطاق النزاع
وبإلغاء إلزاميتها، وأصبح اجتماع إدارة الدعوى (Case Management Conference – CMC) النقطة الفاصلة لتقديم أي مطالب جديدة، اذ بات يمثل المرحلة الإجرائية المحورية في بداية التحكيم. ويظل هذا الاجتماع إلزامياً بحيث يجب عقده خلال 30 يوماً من تاريخ إحالة الملف إلى هيئة التحكيم، وذلك وفق المادة 24 من القواعد.
ويهدف هذا الاجتماع إلى تنظيم سير الإجراءات وتحديد الجدول الزمني الإجرائي منذ المراحل الأولى، بما يعزز ما يعرف عمليًا بمبدأ ” Frontloading” أي تكثيف العمل الإجرائي منذ انطلاق الدعوى بهدف تقليص الوقت والتكاليف، كما أصبح يمثل نقطة تحول أساسية في مسار الدعوى، إذ تنص المادة 25 على عدم جواز تقديم مطالبات جديدة بعد انعقاد الـ CMC إلا بإذن من هيئة التحكيم. لذلك يُتوقع من الأطراف تحديد جميع مطالباتهم بصورة شاملة قبل انعقاد الـ CMC تجنبًا لخطر استبعادها لاحقاً من الإجراءات
كما تمنح قواعد 2026 هيئة التحكيم صلاحية عقد اجتماعات إدارة دعوى إضافية خلال سير الإجراءات، بما يُعرف عمليًا بـ “midstream CMCS” ، والتي تهدف إلى إعادة تقييم الجدول الإجرائي، ومعالجة المستجدات وتكييف سير الدعوى مع التطورات، بما يعزز الكفاءة ويضمن إدارة أفضل للوقت والتكاليف.
ثانيًا: استحداث نظام “تحكيم فائق السرعة (HEAP)”:
بعد إدخال نظام التحكيم الطارئ (EA) عام 2012 وأحكام الإجراءات المعجّلة (EPP) عام 2017، استحدثت الغرفة نظامًا جديدًا يُعرف بــ “التحكيم فائق السرعة (HEAP)، والمنصوص عليه في الملحق السادس من القواعد.
ويهدف هذا النظام إلى تقديم مسار إجرائي أكثر شديد الاختصار، بحيث تُلزم هيئة التحكيم بإصدار الحكم خلال ثلاثة أشهر من تاريخ جلسة (Case Management Conference – CMC) التي تعقد خلال سبعة أيام من استلام المحكم ملف القضية مما يعكس توجّهًا واضحًا نحو تسريع حسم النزاعات التجارية ضمن إطار مؤسسي منظم.
ويتميّز نظام HEAP عن غيره من الآليات السريعة، ولا سيما أحكام الإجراءات المعجّلة (EPP)، بأنه لا يُطبّق تلقائيًا، بل يقوم حصريًا على مبدأ الانضمام الاختياري (opt-in). وبالتالي، لا يرتبط هذا النظام بأي حدّ مالي، ويجوز للأطراف اعتماده في نزاعات مهما بلغت قيمتها، سواء عند صياغة شرط التحكيم أو بعد نشوء النزاع وفق ما يتفق عليه الطرفان.
ومن الناحية الإجرائية، يتميّز نظام HEAP بطابعه المختصر إلى أقصى حد، إذ لا يسمح بإدخال أطراف إضافيين (joinder) ولا بضمّ الدعاوى (consolidation)، كما يُلزم الأطراف بتقديم دفوعهم وأدلتهم بشكل مبكر منذ بداية الإجراءات. ووفقًا لذلك، يتوجب على المدّعي إرفاق بيان الدعوى (Statement of Claim) مع طلب التحكيم، في حين يلتزم المدّعى عليه بتقديم بيان الدفاع (Statement of Defense) مع الرد، بما يعكس اعتماد مبدأ إعداد الملف بشكل مسبق وتقليص مراحل التقاضي اللاحقة.
وكما انه يُنظر إلى HEAP باعتباره نظامًا قائمًا أساسًا على المحكّم المنفرد (sole arbitrator)، نظرًا لضيق الجدول الزمني الذي لا يسمح عمليًا بتشكيل هيئة ثلاثية. اما في حال رغبة الأطراف في تشكيل هيئة من ثلاثة محكّمين، فيتعين عندئذٍ اللجوء إلى التحكيم العادي .
وفي المحصلة، يشكّل HEAP إضافة متقدمة إلى منظومة التحكيم في ICC، إذ يوازن بين السرعة الشديدة، والمرونة الاتفاقية، والكفاءة الإجرائية، مع إعادة تشكيل نموذج التحكيم التقليدي باتجاه أكثر اختصارًا وتركيزًا على النتيجة النهائية للنزاع.
ثالثًا: أحكام الإجراءات المعجّلة والتحكيم الطارئ:
في ما يخص التحكيم الطارئ (Emergency Arbitration – EA)، جاءت قواعد 2026 بتعديلات مهمّة تهدف إلى توسيع نطاق هذا النظام وتعزيز فعاليته. فلم يعد تطبيق إجراءات التحكيم الطارئ مقتصرًا على أطراف اتفاق التحكيم أو خلفائهم فقط، بل أصبح بالإمكان أن يمتد أيضًا إلى أي طرف يرى رئيس المحكمة، استنادًا الى المعطيات الأولية (prima facie)، أنّه قد يكون مرتبطًا باتفاق تحكيم ملزم.
كما أدخلت القواعد الجديدة، وللمرة الأولى، فكرة الأوامر التمهيدية (Preliminary orders) داخل إجراءات التحكيم الطارئ، وذلك بموجب المادة 7 من الملحق الرابع بما في ذلك إمكانية إصدارها بصورة استثنائية من دون إخطار الطرف الآخر (ex parte)، وذلك في الحالات التي قد يؤدي فيها الإشعار المسبق إلى إفراغ الطلب من مضمونه، كخطر تبديد الأصول أو إتلاف الأدلة.
وفي المقابل، حرصت القواعد على وضع ضمانات إجرائية واضحة، بحيث يتم إبلاغ باقي الأطراف فور صدور الأمر، وإعطائهم فرصة لعرض موقفهم، مع احتفاظ المحكّم الطارئ بصلاحية تعديل الأمر أو سحبه إذا اقتضى الأمر.
اما في ما خص أحكام الإجراءات المعجلة (EPP)، فقد ارتفع الحدّ المالي للتطبيق التلقائي لأحكام الإجراءات المعجّلة (EPP) من 3 ملايين دولار أميركي بالنسبة لاتفاقات التحكيم المبرمة بعد الأول من يناير 2021 إلى 4 ملايين دولار بالنسبة لاتفاقات التحكيم المبرمة في أو بعد 1 حزيران 2026 ما وسّع نطاق القضايا القابلة للخضوع للإجراءات المعجّلة وذلك وفقا للمادة 1 من الملحق الخامس.
رابعًا: تعزيز الإفصاح واستقلالية المحكمين وحيادهم:
أدخلت تعديلات عام 2026 بعض المبادئ التي كانت تُعتبر سابقًا من الملاحظات الإرشادية إلى مستوى النصوص الملزمة. فمن جهة أولى، جاءت المادة 12(2) لتضع قاعدة واضحة مفادها أن أي شك لدى المحكّم بشأن ضرورة الإفصاح يجب أن يُفسَّر لصالح الإفصاح، بما يعكس توجهًا نحو تعزيز الشفافية وتقليل الحالات التي قد يُغفل فيها الإفصاح عن وقائع ذات صلة.
ومن جهة ثانية، أكدت المادة 12(4) أن الإفصاح لا يُشكّل، في حد ذاته، قرينة على وجود خلل في الاستقلالية أو الحياد، الأمر الذي يهدف إلى إزالة أي تردد قد يحدّ من شمولية الإفصاح لدى المحكّمين.
أما على مستوى دور الأطراف، فقد أدخلت المادة 12(5) التزامًا إجرائيًا جديدًا يُلزم كل طرف، عند تقديم طلبه أو جوابه أو أي طلب يتعلق بالانضمام أو الرد عليه، أو عند طلب تمديد مهلة تقديم الجواب وفق المادة 6(2)، بأن يقدّم إلى أمانة التحكيم قائمة بالأشخاص والكيانات التي يرى أنها ذات صلة بعملية تقييم استقلالية المحكّمين، مع بيان الأسباب التي تدفعه إلى اعتبارها كذلك. وتُستخدم هذه المعلومات ضمن ملف القضية الذي يُحال إلى المحكّمين المرشحين، بحيث تساعدهم على تحديد نطاق الإفصاح المطلوب بشكل أدق وأكثر شمولًا.
تتضمن قواعد عام 2026 مجموعة من التعديلات الإجرائية الإضافية التي لا تقتصر على ما تم عرضه سابقًا، ويمكن التوقف على بعض منها على النحو الآتي:
مهلة تصحيح الحكم:
بموجب المادة 39(1)، تم تمديد المهلة الممنوحة لهيئة التحكيم لتصحيح الحكم من تلقاء نفسها من 30 يومًا إلى 45 يومًا.
الهيئات غير المكتملة (Truncated Tribunals):
أصبح بإمكان الهيئة التحكيمية المتبقية الاستمرار في نظر النزاع بعد وفاة أو عزل أحد المحكّمين اعتبارًا من آخر جلسة أو تقديم آخر مذكرة جوهرية، بدل الانتظار إلى ما بعد الإقفال الرسمي للإجراءات كما كان معمولًا به سابقًا، وفق المادة 16(5)
الرسوم والحوافز:
تم اعتماد جدول رسوم جديد خُفّضت بموجبه التكاليف في القضايا التي تقل قيمتها عن 10 ملايين دولار، مع زيادات محدودة في القضايا الأكبر. كما تم إدخال حافز مالي للأطراف الذين يلجأون إلى الوساطة قبل التحكيم، بحيث يُحتسب جزء من الرسوم المدفوعة في الوساطة كرصيد يُخصم لاحقًا من رسوم التحكيم وذلك وفق الملحق رقم 3 المادة 6 (12)
البتّ المبكر (Early Determination):
أجازت المادة 30 لأي طرف طلب الفصل المبكر في مطالبات أو دفوع تكون ظاهريًا بلا أساس أو خارجة بوضوح عن اختصاص هيئة التحكيم مما يشكل ضمانة ضد سوء استخدام إجراءات التحكيم ويؤدي الى تضييق نطاق النزاع وتقليل مدته وتكاليفه. وتجدر الاشارة إلى ان هذه الآلية كانت موجودة عمليًا في الإرشادات السابقة قبل أن يتم إدراجها صراحة ضمن نصوص القواعد.
إدخال الأطراف الإضافيين (Joinder):
أصبح بالإمكان ضمّ طرف جديد إلى التحكيم بعد تشكيل الهيئة بشرط موافقته، بعدما كانت القواعد السابقة تشترط موافقة جميع الأطراف أو صدور قرار من الهيئة، في حين بقي نظام (Consolidation) دون تعديل.
مهلة إصدار الحكم:
تم إلغاء المهلة الثابتة السابقة البالغة ستة أشهر، وأصبح تحديد المهلة من صلاحية رئيس المحكمة بحسب ظروف كل قضية، مع مراعاة الجدول الإجرائي أو الطلبات المعللة من هيئة التحكيم، بما يعكس مرونة أكبر وتوافقًا مع الممارسة العملية في تحكيم (المادة 34).
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/5/26

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!