أبحاث ودراسات

تعليق قانوني على قرار الهيئة الاتهامية في بيروت في قضية “أبو عمر”/ إيهاب بعاصيري

القاضي ايهاب جواد بعاصيري (قاضي التحقيق في البقاع):
يُعدّ القرار الاتهامي الصادر عن الهيئة الاتهامية في بيروت في قضية “أبو عمر” من القرارات القضائية التي أثارت نقاشًا واسعًا في الأوساط القانونية والسياسية، بالنظر إلى طبيعة الوقائع المرتبطة بانتحال صفة سياسية ودبلوماسية وهمية، وما رافقها من تأثير إعلامي وسياسي واسع.
وتكمن أهمية القرار في كونه يطرح إشكاليات دقيقة تتصل بحدود التجريم الجزائي، وبمدى إمكانية توسيع تفسير النصوص الجزائية المتعلقة بأمن الدولة والعلاقات الخارجية لتشمل صورًا من التضليل السياسي أو المعنوي غير المقترن بضرر أمني مباشر.
كما تبرز أهمية القرار من زاوية ثانية تتمثل في المخالفة القانونية التي سجّلها رئيس الهيئة القاضي كمال نصار، والتي أعادت التأكيد على المبادئ التقليدية في القانون الجزائي، وفي مقدمتها مبدأ الشرعية الجزائية والتفسير الضيق للنص العقابي.
وقد أثار هذا الانقسام داخل الهيئة الاتهامية تساؤلات حول مدى مشروعية التوسع في التوصيف الجرمي في القضايا ذات الطابع السياسي والإعلامي.
وعليه، تتمحور الإشكالية الأساسية حول مدى صحة التكييف القانوني الذي اعتمدته الهيئة الاتهامية، ومدى انسجامه مع القواعد العامة في قانون العقوبات اللبناني والاجتهاد الجزائي المقارن.
أولًا: عرض وقائع القضية
تتمحور وقائع هذه القضية، بحسب ما استقر عليه القرار الاتهامي، حول سلسلة من الأفعال التي نُسبت إلى المدعى عليه مصطفى حسيّان، والذي أقدم على إنشاء شخصية وهمية تحمل اسم “أبو عمر”، قدّمها على أنها لأمير سعودي يتمتع بنفوذ سياسي ودبلوماسي، بهدف إضفاء طابع رسمي على اتصالاته مع عدد من الشخصيات اللبنانية السياسية والدينية والإعلامية.
وقد اتخذت هذه الشخصية الوهمية طابعًا بالغ الدقة من حيث الإخراج، إذ لم تقتصر على الادعاء اللفظي، بل جرى تدعيمها بمجموعة من الوسائل التقنية والإعلامية، أبرزها استعمال أرقام هاتف أجنبية، وإرسال رسائل ومحادثات ذات طابع دبلوماسي، فضلاً عن استخدام صور تُنسب إلى شخصيات رسمية سعودية، بما خلق انطباعًا لدى المتلقين بأنهم أمام قناة تواصل غير رسمية ولكنها ذات صلة بجهة سياسية عليا في المملكة العربية السعودية.
وفي هذا السياق، تبيّن أن هذه الاتصالات لم تكن عشوائية أو فردية، بل اتخذت طابعًا منظّمًا يهدف إلى التأثير في بعض المواقف السياسية اللبنانية، من خلال الإيحاء بوجود دعم سعودي سياسي أو انتخابي موجّه لصالح جهات أو شخصيات لبنانية معيّنة، الأمر الذي من شأنه، بحسب ما ورد في ملف الدعوى، أن ينعكس على التوازنات السياسية الداخلية ويؤثر في الرأي العام والنخب السياسية والدينية.
أما النيابة العامة، فقد نظرت إلى هذه الأفعال من زاوية أشمل من مجرد التضليل الشخصي، واعتبرتها مشروعًا متكاملاً يقوم على استعمال وسائل احتيالية وانتحال صفة ذات طابع دبلوماسي/سيادي، بما يخرجها من نطاق المخالفات البسيطة إلى نطاق الجرائم الجزائية الخطيرة. لذلك، رأت النيابة العامة أن الأفعال تشكل:
• أولًا: جناية منصوص عليها في المادة 288 من قانون العقوبات اللبناني، لكونها، بحسب تقديرها، من شأنها تعكير صفو العلاقات اللبنانية – السعودية أو تعريض لبنان لاحتمال توتر في علاقاته الخارجية نتيجة إقحام اسم جهة رسمية أجنبية في سياق سياسي داخلي بصورة مضللة (1).
• ثانيًا: جناية الاحتيال وفق المادة 408 عقوبات، باعتبار أن استعمال الهوية الوهمية والوسائل الاحتيالية قد يؤدي إلى تحقيق منفعة معنوية أو سياسية غير مشروعة، حتى ولو لم تكن ذات طابع مالي مباشر(2).
• ثالثًا: جرائم انتحال الصفة واستعمال وسائل احتيالية(3) ، لكون السلوك الجرمي قام أساسًا على خلق شخصية غير حقيقية وتوظيفها في التعامل مع الغير على أنها شخصية رسمية ذات صفة سياسية عليا.
وبناءً عليه، خلصت النيابة العامة إلى أن هذه الأفعال لا يمكن النظر إليها كتصرفات فردية معزولة أو مجرد تضليل اجتماعي، بل تشكل مشروعًا متكاملًا قائمًا على الخداع المنهجي واستعمال أدوات تقنية ودبلوماسية لإضفاء مصداقية زائفة على وقائع غير حقيقية، ما يبرر، من وجهة نظرها، الإحالة إلى القضاء الجنائي المختص بجرائم الجنايات.
وقد تبنّت الهيئة الاتهامية هذا التوصيف في مضمونه العام، فصدّقت القرار الظني، وقررت إحالة المدعى عليهم أمام محكمة الجنايات لمتابعة المحاكمة وفقًا للمواد المذكورة.
ثانيًا: الإشكالية القانونية
تطرح هذه القضية إشكالية قانونية مركزية تتجاوز مجرد التكييف الجزائي للوقائع، لتصل إلى حدود فلسفة التجريم في القانون الجزائي المعاصر، ولا سيما في الجرائم ذات الطابع السياسي أو المرتبطة بأمن الدولة الخارجي. إذ يتعيّن تحديد الخط الفاصل بين:
• التضليل السياسي أو الإعلامي بوصفه سلوكًا قد يندرج ضمن حرية التعبير أو المناورات غير المشروعة ذات الطابع الاجتماعي/السياسي،
• والأفعال التي ترقى إلى مستوى الجنايات الماسة بأمن الدولة الخارجي أو بالعلاقات الدولية والتي تستوجب تدخّلًا جزائيًا صارمًا بالنظر إلى خطورتها.
ففي حين أن التضليل السياسي قد يندرج أحيانًا ضمن دائرة السلوك غير الأخلاقي أو غير المشروع مدنيًا أو جزائيًا على مستوى المخالفات والجنح، إلا أن انتقاله إلى مستوى الجناية يفترض، من حيث المبدأ، توافر عناصر إضافية تتجاوز مجرد الخداع أو الإيهام، وتتمثل خصوصًا في وجود خطر فعلي أو محتمل ومباشر على مصالح الدولة العليا أو علاقاتها الخارجية.
ومن هذا المنطلق، تبرز الإشكالية التالية:
هل يكفي مجرد انتحال صفة سياسية أو دبلوماسية وهمية، وإيهام شخصيات عامة بوجود دعم خارجي لدولة أو جهة رسمية أجنبية، لقيام الجنايات المنصوص عليها في المادتين 288 و408 من قانون العقوبات اللبناني، في غياب تحقق ضرر أمني فعلي أو منفعة مالية مباشرة؟
إن هذه الإشكالية تكتسب أهميتها من كونها تمس جوهر مبدأ الشرعية الجزائية الذي يُعدّ حجر الأساس في القانون الجنائي الحديث، والذي يفرض تفسير النصوص الجزائية تفسيرًا ضيقًا يمنع التوسع في التجريم أو القياس، خاصة عندما يتعلق الأمر بالنصوص التي تمس الحريات العامة أو تعاقب على أفعال ذات طابع غير مادي أو معنوي بحت.
فالمادة 288 من قانون العقوبات، بصيغتها العامة، تهدف إلى حماية أمن الدولة الخارجي وعلاقاتها الدبلوماسية من الأفعال التي قد تُحدث خطرًا جديًا أو توترًا فعليًا مع دولة أجنبية، ما يطرح تساؤلًا حول مدى كفاية “الانطباع السياسي المضلل” أو “الإيحاء الإعلامي” لاعتبار هذا الخطر متحققًا.
إذ إن الاتجاه التقليدي في الفقه والاجتهاد يشترط وجود خطورة ملموسة أو احتمال جدّي لضرر سياسي/دبلوماسي، وليس مجرد تأثير معنوي أو خداعي محدود داخل إطار العلاقات الشخصية أو الإعلامية.
أما المادة 408 عقوبات، والمتعلقة بالاحتيال، فتثير بدورها إشكالية أكثر دقة، إذ إن البناء التقليدي لجرم الاحتيال يفترض وجود: وسائل احتيالية، حمل الغير على التسليم، ونتيجة مادية تتمثل في تسليم مال أو منفعة قابلة للتقدير.
وعليه، يثور التساؤل حول ما إذا كان “الضرر السياسي أو المعنوي” الناتج عن انتحال صفة دبلوماسية وهمية يمكن أن يشكل بديلاً عن الضرر المالي التقليدي، أم أن ذلك يشكل توسعًا غير مبرر في مفهوم الاحتيال خارج نطاقه الكلاسيكي.
ومن زاوية أوسع، ترتبط هذه الإشكالية بمسألة منهجية في تفسير النصوص الجزائية، تتمثل في مدى جواز اعتماد تفسير موسّع للنصوص ذات الطابع السيادي أو الأمني، بحيث يتم إدخال صور جديدة من السلوك ضمن نطاق التجريم رغم عدم النص عليها صراحة.
فالفقه الجزائي الحديث يميل في معظمه إلى رفض هذا الاتجاه، تأسيسًا على أن التوسع في تفسير النصوص العقابية، خاصة تلك المتعلقة بأمن الدولة، قد يؤدي إلى المساس بمبدأ الشرعية وإضعاف الضمانات الأساسية للحرية الفردية، إذ إن وظيفة القاضي الجزائي ليست خلق جرائم جديدة، بل تطبيق النصوص القائمة ضمن حدودها الضيقة(4).
وفي هذا الإطار، يذهب جانب من الفقه إلى أن التطور التقني وازدياد أشكال التضليل الإعلامي والسياسي لا يبرر بالضرورة التوسع في التجريم، بل يفرض على المشرّع وحده، دون القضاء، إعادة رسم الحدود بين السلوك المشروع وغير المشروع، بما يضمن التوازن بين حماية الأمن العام وعدم المساس بالحريات الأساسية.
ثالثًا: التحليل القانوني للقرار
1- في توصيف جرم المادة 288 عقوبات
ذهبت الهيئة الاتهامية إلى اعتبار أنّ الأفعال المنسوبة إلى المدعى عليهم من شأنها تعريض لبنان لاحتمال توتر في علاقاته الخارجية مع المملكة العربية السعودية، الأمر الذي يبرّر، في نظرها، تطبيق المادة 288 من قانون العقوبات اللبناني.
غير أنّ هذا التوجه يثير إشكالية دقيقة تتعلق بمدى صحة التكييف القانوني، وحدود السلطة التقديرية للهيئة الاتهامية في تفسير النصوص الجزائية ذات الطابع السيادي.
فالمادة 288 عقوبات، في فلسفتها التشريعية، لا تعاقب على مجرد السلوك الذي يخلق انطباعًا سلبيًا أو توترًا اجتماعيًا أو سياسيًا غير مباشر، بل تتطلب أن يكون الفعل من طبيعة تؤدي إلى خطر فعلي أو محتمل بصورة جدية ومباشرة على علاقات لبنان الخارجية أو تعرضه لأعمال عدائية(5).
وبالتالي، فإن عنصر “الخطر” فيها ليس افتراضيًا أو معنويًا صرفًا، بل يجب أن يكون قائمًا على وقائع مادية ملموسة تسمح باستنتاج وجود تهديد حقيقي لمصلحة الدولة العليا.
وفي هذا الإطار، يستقر الاجتهاد الجزائي اللبناني على أن الجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي تتميز بطابع استثنائي يوجب تضييق نطاق تفسيرها، نظرًا لخطورتها ولارتباطها المباشر بسيادة الدولة وعلاقاتها الدولية. ومن ثم، فإن توافر هذه الجرائم يفترض عادة تحقق أحد العناصر التالية:
• وجود سلوك مادي إيجابي واضح يتجاوز حدود التعبير أو التضليل؛
• أو قيام اتصال فعلي بجهة أجنبية حقيقية أو ممثلة رسمية لها؛
• أو إثبات خطر جدي ومباشر على المصالح الوطنية العليا، وليس مجرد تأثير معنوي أو سياسي غير مباشر(6).
غير أنّ الوقائع المعروضة في الملف، كما استقر عليها القرار، تدور أساسًا حول إنشاء شخصية وهمية ذات طابع دبلوماسي، واستعمال وسائل تقنية وإعلامية لإيهام بعض الشخصيات السياسية بوجود دعم سعودي مزعوم، دون أن يثبت وجود تنسيق رسمي مع الدولة الأجنبية المعنية أو أي تواصل مؤسساتي معها، ودون حصول أي ضرر سياسي أو دبلوماسي فعلي قابل للقياس.
وعليه، فإن توصيف الفعل على أنه يندرج ضمن المادة 288 يثير تساؤلًا حول ما إذا كانت الهيئة الاتهامية قد وسّعت من نطاق النص الجزائي ليشمل حالات “التأثير المعنوي أو الإعلامي المضلل”، وهو ما قد يُفهم على أنه خروج عن التفسير الضيق الواجب اعتماده في المادة الجزائية.
ومن المبادئ المستقرة في القانون الجزائي اللبناني أن النص العقابي يجب أن يُفسّر تفسيرًا حصريًا وضيّقًا، وأن أي شك في نطاق التجريم يجب أن يُفسّر لمصلحة المدعى عليه، تطبيقًا لمبدأ الشرعية الجزائية الذي يُعدّ من الضمانات الدستورية الأساسية(7).
وقد كرّست محكمة التمييز اللبنانية هذا الاتجاه في العديد من قراراتها، معتبرة أنّ التوسع في التفسير أو القياس في المجال الجزائي يشكل مساسًا بمبدأ الشرعية، إذ جاء في أحد قراراتها: إن النصوص الجزائية لا تُفسّر إلا تفسيرًا ضيقًا، ولا يجوز التوسع في تطبيقها أو القياس عليها، تحت طائلة مخالفة مبدأ الشرعية”(8).
وعليه، فإن إدخال “التضليل السياسي أو الإعلامي غير المقرون بضرر فعلي” ضمن نطاق المادة 288 قد يثير جدلًا حول مدى التزام الهيئة الاتهامية بالحدود الضيقة للتفسير الجزائي، خاصة في الجرائم ذات الطبيعة السيادية التي تتطلب أعلى درجات التدقيق في عناصرها التكوينية.
ومن جهة أخرى، يمكن الإشارة إلى أن الاتجاه الفقهي الحديث يميل إلى التمييز بين:
• الخطر السياسي غير المباشر أو الرمزي الناتج عن الإيحاء أو التضليل،
• وبين الخطر القانوني الجدي والمباشر الذي يبرر تدخل القانون الجزائي على مستوى الجنايات،
وهو تمييز جوهري يهدف إلى منع تحويل كل سلوك سياسي أو إعلامي مضلل إلى جريمة تمس أمن الدولة، لما في ذلك من توسع غير مبرر في التجريم قد يهدد مبدأ الحرية.
2- في جرم الاحتيال المعنوي واستعمال الصفة الكاذبة
لا خلاف من حيث المبدأ على أنّ عناصر الخداع الاحتيالي تبدو متوافرة في الوقائع محل البحث، إذ إن السلوك المنسوب إلى المدعى عليه يقوم على منظومة متكاملة من وسائل التضليل، أبرزها:
• انتحال صفة أمير سعودي ذي مركز سياسي مفترض؛
• استخدام وسائل اتصال وإعلام ذات طابع تقني متقدم لإضفاء المصداقية على الشخصية الوهمية؛
• خلق انطباع لدى المخاطَبين بوجود نفوذ سياسي خارجي حقيقي قادر على التأثير في القرار السياسي اللبناني.
وبهذا المعنى، فإن الركن المادي المتمثل في الوسائل الاحتيالية يبدو متحققًا من حيث الظاهر، لكونه يقوم على الكذب المعزز بأدوات خارجية من شأنها إيهام الغير بواقعة غير صحيحة.
إلا أنّ الإشكالية القانونية لا تتعلق بالوسائل فحسب، بل بمدى توافر النتيجة الجرمية المطلوبة قانونًا لقيام جرم الاحتيال وفق القانون اللبناني.
فالمادة 655 من قانون العقوبات اللبناني، في إطارها التقليدي، لا تكتفي بمجرد استعمال وسائل احتيالية، بل تشترط إضافة إلى ذلك أن تؤدي هذه الوسائل إلى حمل الغير على تسليم مال أو سند أو التزام أو منفعة ذات قيمة مالية قابلة للتقدير،
وبالتالي، فإن الركن الجوهري في جرم الاحتيال هو النتيجة ذات الطابع المالي، التي تشكل عنصر الضرر المادي الذي يبرر تدخل القانون الجزائي.
وقد استقر الاجتهاد اللبناني على هذا المعنى، معتبرًا أن: الاحتيال لا يكتمل إلا إذا أدت الوسائل الاحتيالية إلى تسليم مال أو منفعة ذات قيمة مالية، وإلا انتفى أحد أركانه الأساسية”(9).
وهذا الاتجاه يعكس الطبيعة التقليدية لجرم الاحتيال بوصفه من الجرائم الواقعة على الذمة المالية، لا على مجرد الثقة أو الاعتبار المعنوي.
وفي ضوء ذلك، يبرز التساؤل الجوهري في القضية الحاضرة: هل يمكن اعتبار الضرر السياسي أو المعنوي الناتج عن إيهام شخصيات عامة بوجود دعم خارجي، بديلاً عن الضرر المالي في إطار المادة 655؟
إن استقراء الوقائع يُظهر أنّ النتائج المتحققة من الفعل لم تتجسد في تسليم أموال أو منافع مالية أو توقيعات ذات قيمة اقتصادية، بل اقتصرت على تأثير معنوي وسياسي يتمثل في إحداث انطباع خاطئ حول مواقف دولة أجنبية من بعض القوى السياسية الداخلية.
وهذا النوع من الأثر، وإن كان قد يكون خطيرًا على المستوى السياسي أو الإعلامي، إلا أنه لا يرقى، من حيث التكييف الجزائي التقليدي، إلى مرتبة الضرر المالي الذي يقوم عليه الاحتيال.
ومن ثم، يطرح هذا الواقع إشكالية دقيقة تتعلق بمدى قابلية توسيع مفهوم الاحتيال ليشمل ما يمكن تسميته بـ“الاحتيال السياسي أو المعنوي”، أي الاحتيال الذي لا يستهدف الذمة المالية بل يستهدف تشكيل وعي سياسي أو توجيه رأي عام.
غير أنّ هذا الاتجاه، وإن بدأ يطرح في بعض الدراسات الحديثة، لا يزال محل تحفظ في الفقه والاجتهاد، نظرًا لارتباطه بخطر التوسع في التجريم دون نص صريح.
وبالتالي، يمكن القول إن التكييف القانوني الأدق لهذه الأفعال، في ضوء القانون اللبناني التقليدي، قد لا يكون ضمن نطاق المادة 655 بصيغتها الصارمة، بل ضمن إطار جرائم أخرى أكثر ملاءمة لطبيعة الفعل، مثل: انتحال الصفة كجريمة مستقلة تقوم بمجرد ادعاء صفة غير صحيحة؛ او استعمال وسائل احتيالية دون تحقق النتيجة المالية؛ او المساس بالثقة العامة بوصفه اعتداءً على سلامة التعاملات الاجتماعية؛ أو حتى بعض صور التضليل الإعلامي أو السياسي غير المجرّم كاحتيال مالي.
أما إدخال الفعل ضمن نطاق الاحتيال التقليدي، فيبقى محل نقاش فقهي، لأنه يؤدي إلى توسيع مفهوم الجريمة من نطاقها المالي الضيق إلى نطاق معنوي/سياسي أوسع، وهو ما قد يتعارض مع مبدأ الشرعية الجزائية الذي يفرض حصر التجريم ضمن الحدود التي رسمها النص دون إضافة عناصر جديدة إليه بطريق التفسير.
ومن هذا المنطلق، يتضح أن الإشكالية ليست في وجود الخداع من عدمه، بل في طبيعة الحق المعتدى عليه: هل هو حق مالي محمي بالمادة 655، أم مجرد ثقة سياسية أو اجتماعية لا ترقى بذاتها إلى نطاق الاحتيال الجزائي التقليدي؟

القاضي كمال نصار

رابعًا: المخالفة القانونية للقاضي كمال نصار
تُعدّ المخالفة التي دوّنها القاضي كمال نصار من أبرز العناصر ذات القيمة الاجتهادية في القرار الاتهامي، لأنها لا تقتصر على مجرد اختلاف في التقدير، بل تعكس اتجاهًا قانونيًا متكاملًا يقوم على إعادة ضبط حدود التجريم في القضايا ذات الطابع السياسي والإعلامي.
فالمخالفة هنا تتحول من رأي فردي إلى موقف منهجي في تفسير النص الجزائي، يقوم على حماية مبدأ الشرعية ومنع التوسع في التجريم خارج حدوده الضيقة.
أ- تكريس استقلال القاضي الجزائي ومبدأ الشرعية الجزائية
تؤكد المخالفة، في جوهرها، أن القاضي الجزائي لا يمكن أن ينفصل عن القاعدة القانونية المكتوبة، وأن دوره لا يتعدى تطبيق النص كما هو دون إضافة أو توسع، حتى في القضايا التي تثير حساسيات سياسية أو إعلامية. ومن هذا المنطلق، تُجسّد المخالفة تطبيقًا مباشرًا لمبدأ الشرعية الجزائية الذي يشكّل حجر الزاوية في القانون الجنائي الحديث.
ويُستفاد من هذا الاتجاه أن القاضي، وإن كان يملك سلطة تقديرية في فهم الوقائع وتكييفها، إلا أنه مقيد بحدود النص الجزائي، بحيث لا يجوز له خلق تجريم جديد أو توسيع نطاق جريمة قائمة لتشمل أفعالًا لم يقصدها المشرّع. وهذا ما عبّرت عنه القاعدة الدستورية والجزائية اللبنانية القائلة: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.”
ويكتسب هذا المبدأ أهمية مضاعفة في الجرائم المرتبطة بأمن الدولة، حيث غالبًا ما يكون الغموض في الوقائع أو الحساسية السياسية سببًا في دفع الاجتهاد نحو التوسع في التفسير، وهو ما تحذر منه الفقهية الحديثة باعتباره خطرًا على مبدأ الأمان القانوني (sécurité juridique).
كما ينسجم هذا التوجه مع الفقه الفرنسي الذي يرى أن وظيفة القاضي الجزائي ليست توسيع نطاق التجريم، بل تفسير النص تفسيرًا صارمًا يحول دون إدخال أفعال جديدة تحت طائلة العقاب دون سند تشريعي واضح(10).
ب- التمسك بالتفسير الضيق للنص الجزائي وحدود جرائم أمن الدولة
يتضح من مضمون المخالفة أن القاضي نصار تبنّى قراءة دقيقة ومقيدة للنصوص المتعلقة بأمن الدولة الخارجي، رافضًا اعتبار مجرد “التضليل السياسي أو الإعلامي” كافيًا للقول بقيام جناية تمس أمن الدولة، ما لم يقترن هذا التضليل بعناصر مادية محددة تُثبت وجود خطر فعلي أو مشروع إجرامي واضح.
ويقوم هذا الاتجاه على تمييز جوهري بين مستويين من السلوك:
• المستوى الأول: المناورات السياسية أو الإعلامية أو التضليل المعنوي، وهي سلوكيات قد تكون غير مشروعة أخلاقيًا أو اجتماعيًا، لكنها لا ترقى بذاتها إلى مرتبة الجناية ما لم ينتج عنها خطر ملموس.
• المستوى الثاني: الأعمال التي تستهدف فعليًا أمن الدولة الخارجي، كالتخابر، أو الاتصال بجهات أجنبية، أو تنفيذ أفعال من شأنها الإضرار المباشر بالعلاقات الدولية للدولة.
وفي هذا السياق، ينسجم موقف المخالفة مع اجتهاد محكمة النقض الفرنسية التي كرّست هذا التمييز، معتبرة أن نطاق التجريم في الجرائم الماسة بأمن الدولة يجب أن يُفسّر تفسيرًا ضيقًا، وأن مجرد النوايا أو الإيحاءات أو السلوك السياسي غير المباشر لا يكفي لقيام الجريمة(11).
ويُفهم من هذا التوجه أن الخطر القانوني في هذه الجرائم يجب أن يكون خطرًا جديًا ومحددًا ومثبتًا، وليس مجرد احتمال سياسي أو انطباع إعلامي، وإلا تحولت النصوص الجزائية إلى أدوات مرنة يمكن استخدامها خارج غايتها الأصلية.
ج- حماية مبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة في القانون الجزائي الحديث
تستند المخالفة أيضًا إلى مبدأ أكثر حداثة في الفكر الجنائي، وهو مبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة، الذي يفرض أن تكون شدة التجريم والعقاب متناسبة مع خطورة السلوك المرتكب، من حيث الضرر والنتائج والاعتداء على المصالح المحمية.
ويُعد هذا المبدأ من المبادئ الأساسية التي اعتمدها القضاء الأوروبي، ولا سيما المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي أكدت أن التدخل الجزائي، وخاصة في الجرائم التي تمس الحريات أو التعبير أو السياقات السياسية، يجب أن يكون ضروريًا ومتناسبًا مع الهدف المشروع المراد تحقيقه(12).
وانطلاقًا من ذلك، فإن إخضاع وقائع تقوم أساسًا على التضليل أو الانتحال الإعلامي إلى نصوص خطيرة تتعلق بأمن الدولة الخارجي، قد يثير إشكالية عدم التناسب بين: طبيعة الفعل (تضليل أو انتحال صفة وهمية)، وبين طبيعة العقوبة (جناية تمس أمن الدولة وتُحال إلى محكمة الجنايات).
وبالتالي، فإن المخالفة تطرح تساؤلًا جوهريًا حول مدى ملاءمة التكييف القانوني مع خطورة الوقائع، وتدعو إلى اعتماد قراءة أكثر تدرجًا في التجريم، تبدأ من الجرائم الأخف (كالانتحال والاحتيال غير المالي) قبل الانتقال إلى الجرائم الأشد (كأمن الدولة)، وذلك حفاظًا على التوازن بين حماية النظام العام وضمانات الحرية الفردية.
خامسًا: القيمة الاجتهادية للقرار
تتجلّى القيمة الاجتهادية للقرار الاتهامي في كونه لا يقتصر على معالجة وقائع فردية، بل يكشف عن تباين بنيوي داخل السياسة الجزائية القضائية بين اتجاهين متعارضين في فهم نطاق التجريم في الجرائم ذات البعد السياسي والدولي.
وهذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف في التكييف، بل يعبّر عن رؤيتين مختلفتين لوظيفة القانون الجزائي نفسه: هل هو أداة لحماية موسّعة للدولة ومصالحها الرمزية والمعنوية، أم أنه منظومة مقيدة لا تتدخل إلا عند تحقق أضرار مادية وجدية ومباشرة؟
الاتجاه الأول: توسيع الحماية الجزائية للعلاقات الخارجية (الأمن المعنوي للدولة)
يميل الاتجاه الذي تبنّته الأكثرية إلى توسيع نطاق الحماية الجزائية ليشمل ليس فقط الأفعال التي تُحدث ضررًا ماديًا مباشرًا بالعلاقات الخارجية للدولة، بل أيضًا تلك التي تؤدي إلى إضعاف الثقة الدبلوماسية أو تشويه صورة الدولة أو خلق انطباعات سياسية مضللة لدى الفاعلين الداخليين أو الخارجيين.
ويقوم هذا الاتجاه على فكرة مفادها أن العلاقات الدولية الحديثة لم تعد تُبنى فقط على الوقائع المادية الصلبة (كالتجسس أو العدوان)، بل أيضًا على الرمزية السياسية والإعلامية والثقة المتبادلة، بحيث يمكن لأي تضليل منظم أن ينعكس سلبًا على موقع الدولة ومصداقيتها في بيئتها الإقليمية والدولية.
ومن هذا المنظور، يصبح “التضليل السياسي المنظم” فعلًا ذا قابلية لإنتاج أثر يتجاوز نطاقه المباشر، ليصل إلى ما يمكن تسميته في الفقه الحديث بـ الأمن المعنوي للدولة، أي حماية صورة الدولة ومصداقيتها وثقة الأطراف الخارجية بها.
غير أن هذا التوسع في المفهوم، رغم وجاهته الواقعية في ظل تطور أدوات التأثير الإعلامي والسياسي، يطرح إشكالية دقيقة تتعلق بحدود التجريم، إذ إن إدخال عناصر معنوية أو رمزية ضمن نطاق الجرائم الماسة بأمن الدولة قد يؤدي إلى توسيع غير مضبوط لنطاق العقاب، خاصة إذا لم يُقرن ذلك بضرر فعلي أو خطر محدد ومثبت.
ويجد هذا الاتجاه بعض الأساس في الفقه المقارن الذي بدأ يتحدث عن “حماية السمعة السيادية للدولة” كجزء من أمنها غير المادي، إلا أن هذا المفهوم لا يزال محل جدل واسع ولم يترسخ كمعيار جزائي صارم في أغلب التشريعات(13).
الاتجاه الثاني: التمسك بالمفهوم التقليدي للشرعية الجزائية (النموذج الليبرالي)
في المقابل، يكرّس اتجاه المخالفة تصورًا أكثر تقليدية ووظيفية للقانون الجزائي، يقوم على التمسك الصارم بمبدأ الشرعية الجزائية ورفض أي توسع في التفسير يؤدي إلى خلق جرائم غير منصوص عليها صراحة.
فبحسب هذا الاتجاه، لا يكفي مجرد التضليل السياسي أو الإعلامي، مهما بلغت خطورته الأخلاقية أو الرمزية، لقيام جناية تمس أمن الدولة أو العلاقات الخارجية، ما لم يقترن الفعل بـ: ضرر فعلي ومباشر، أو خطر جدي ومثبت على المصالح العليا للدولة، أو نشاط مادي محدد يتجاوز حدود الإيهام أو الانتحال.
ويقوم هذا التصور على فكرة مركزية في الفكر الجزائي الليبرالي مفادها أن القانون الجزائي هو قانون استثنائي ومقيد للحرية، وليس أداة مفتوحة لحماية كل المظاهر الاجتماعية أو السياسية غير المرغوبة.
ومن ثم، فإن التوسع في تفسير النصوص الجزائية، حتى بدافع حماية الدولة أو صورتها الخارجية، قد يؤدي إلى ما يُعرف فقهيًا بـ التجريم عبر التفسير (criminalisation by interpretation)، وهو ما يشكل خطرًا على الأمن القانوني للأفراد ويضعف قابلية التنبؤ بالقانون.
ويعزز هذا الاتجاه الفقه النقدي المعاصر الذي يرى أن الدولة الحديثة، رغم حاجتها إلى حماية مصالحها السيادية، يجب أن توازن بين هذه الحماية وبين مبدأ الحرية الفردية وضمانات المحاكمة العادلة، وإلا تحوّل القانون الجزائي إلى أداة مرنة قابلة للتوسع غير المحدود(14).
إن المقارنة بين الاتجاهين تُظهر أن الإشكالية لا تتعلق فقط بتفسير نص قانوني، بل بتحديد طبيعة الوظيفة التي يجب أن يؤديها القانون الجزائي في مواجهة أشكال جديدة من التضليل السياسي والإعلامي.
فالاتجاه الأول يستجيب لتطور الواقع الدولي حيث أصبحت “المعلومة” و“الانطباع السياسي” أدوات تأثير قد تعادل في خطورتها الأدوات المادية التقليدية، بينما يصر الاتجاه الثاني على أن هذا التطور لا يمكن أن يبرر تجاوز الحدود الصارمة للتجريم دون تدخل تشريعي صريح.
ومن هنا، تتجلى القيمة الاجتهادية الحقيقية للقرار في كونه يفتح النقاش حول ما إذا كان ينبغي تحديث مفهوم الجرائم الماسة بأمن الدولة ليشمل الأبعاد المعنوية والإعلامية، أو الإبقاء على المفهوم التقليدي الذي يربط التجريم بالضرر المادي والخطر المباشر.
سادسًا: مناقشة نقدية شاملة للتكييف القانوني وحدود السلطة التقديرية للهيئة الاتهامية
يثير القرار محل التعليق إشكالية منهجية دقيقة تتعلق بحدود السلطة التقديرية للهيئات الاتهامية في تكييف الوقائع، وبخاصة في الملفات التي تختلط فيها العناصر السياسية والإعلامية مع العناصر الجزائية الصرفة.
فبينما تتمتع الهيئة الاتهامية بسلطة واسعة في تقدير الوقائع وربطها بالنصوص القانونية المنطبقة، إلا أن هذه السلطة ليست مطلقة، بل تبقى محكومة بقيود أساسية أبرزها مبدأ الشرعية الجزائية ومبدأ التفسير الضيق للنص العقابي.
ومن هذا المنطلق، يطرح القرار سؤالًا جوهريًا حول مدى مشروعية الانتقال من وقائع تقوم أساسًا على انتحال صفة وتضليل ذي طابع سياسي/إعلامي إلى توصيفها ضمن نطاق جرائم تمس أمن الدولة الخارجي، استنادًا إلى أثر محتمل أو غير مباشر على العلاقات الدبلوماسية.
إن هذا الانتقال يثير ما يمكن وصفه بـ“التكييف التوسعي غير المباشر”، حيث لا يتم تعديل النص القانوني صراحة، بل يتم توسيع نطاق تطبيقه عبر إدخال عناصر معنوية (كالصورة الدبلوماسية أو الثقة السياسية أو الانطباع الخارجي) ضمن مفهوم “الخطر على العلاقات الخارجية”.
وهذا الأسلوب، وإن كان يجد تبريرًا عمليًا في بعض الحالات المعقدة، إلا أنه يطرح إشكالًا خطيرًا يتعلق بإمكانية تذويب الحدود بين الجناية السياسية والخطأ الاجتماعي أو الإعلامي.
ففي الفقه الجزائي الحديث، يُشترط لقيام الجرائم الماسة بأمن الدولة توافر خطر جدي ومحدد وقابل للإثبات، وليس مجرد احتمال نظري أو تأثير معنوي غير مباشر(15).
ومن ثم، فإن إدخال عناصر “التأثير الإعلامي” أو “الإيحاء السياسي” كبديل عن الخطر الفعلي قد يؤدي إلى توسيع غير مضبوط لنطاق التجريم، وهو ما يتعارض مع مبدأ الأمن القانوني.
كما أن هذا الإشكال يتصل بمفهوم الحدود الوظيفية للقضاء الجزائي، إذ إن وظيفة القاضي ليست حماية “الانطباع السياسي العام” للدولة، بل تطبيق النصوص الجزائية ضمن نطاقها المحدد.
وقد ذهب جانب من الفقه إلى اعتبار أن تحويل القانون الجزائي إلى أداة لحماية “الهيبة الرمزية للدولة” قد يؤدي إلى انزلاق نحو قانون جزائي مرن وغير قابل للتنبؤ(16).
وعليه، فإن المخالفة القانونية في هذا القرار لا تُفهم فقط كاختلاف في التكييف، بل كدعوة لإعادة ضبط معيار “الخطر” في الجرائم السيادية، بحيث لا يُستبدل الخطر المادي أو القانوني بخطر معنوي أو إعلامي غير محدد المعالم.
سابعًا: أثر القرار على السياسة الجنائية والاجتهاد المستقبلي
يمتد أثر هذا القرار إلى ما هو أبعد من نطاقه الفردي، إذ يطرح إشكاليات ذات طابع بنيوي على مستوى السياسة الجنائية في لبنان، لا سيما في ما يتعلق بتطور مفهوم الجرائم الماسة بأمن الدولة في ظل التحولات الإعلامية والرقمية الحديثة.
فمن جهة أولى، يمكن اعتبار هذا القرار تعبيرًا عن اتجاه قضائي متزايد يميل إلى توسيع مفهوم الحماية الجزائية للدولة، بحيث لا يقتصر على الأفعال التقليدية كالتجسس أو التخابر أو الأعمال العدائية المباشرة، بل يمتد ليشمل أشكالًا جديدة من التأثير غير المباشر، كالتضليل السياسي المنظم أو خلق انطباعات دبلوماسية زائفة.
ويجد هذا الاتجاه مبرراته في التطور الهائل لوسائل الاتصال، حيث أصبحت “المعلومة” و“الانطباع” و“الهوية الرقمية” أدوات قادرة على التأثير في العلاقات الدولية دون الحاجة إلى أفعال مادية تقليدية. ومن هذا المنظور، قد يُنظر إلى التضليل المنهجي بوصفه تهديدًا حديثًا يستوجب استجابة جزائية مرنة.
إلا أن هذا التوجه، رغم وجاهته الواقعية، يثير في المقابل مخاطر قانونية جدية، أهمها: خطر توسيع التجريم دون نص تشريعي صريح؛ وخطر تغليب الاعتبارات السياسية على المعايير القانونية الصارمة؛ وخطر عدم استقرار الاجتهاد الجزائي نتيجة غموض معيار “الخطر على الدولة” في صورته غير المادية.
وفي المقابل، فإن الاتجاه المحافظ الذي تمثله المخالفة يدفع نحو تعزيز السياسة الجنائية الضيقة التي تحصر التجريم في الأفعال المادية المحددة، وتُبقي على أي توسع في نطاق التجريم ضمن صلاحية المشرّع حصريًا دون القضاء.
ومن هنا، يمكن القول إن القرار قد يشكل نقطة تحول في النقاش الفقهي والاجتهادي حول مستقبل الجرائم السيادية، خاصة في ظل بروز أنماط جديدة من الجرائم المرتبطة بالمعلومات والفضاء الرقمي، والتي لم يعد من السهل إخضاعها دائمًا للنماذج التقليدية للجريمة.
ويترتب على ذلك أن القضاء اللبناني سيكون أمام خيارين متوازيين ، إما تحديث مفهوم الخطر الجزائي ليشمل الأبعاد غير المادية، أو التمسك بالنموذج التقليدي الذي يشترط الضرر أو الخطر المادي المباشر.
وفي كلا الحالتين، فإن التحدي الأساسي يبقى في إيجاد توازن دقيق بين حماية الدولة من مخاطر التضليل الحديث، وبين عدم المساس بمبدأ الشرعية وضمانات الحرية الفردية.
خاتمة
يشكّل القرار الاتهامي في قضية “أبو عمر” نموذجًا دالًا على التحولات التي يشهدها القانون الجزائي المعاصر عند تقاطعه مع المجالين السياسي والإعلامي، حيث لم تعد الوقائع الجزائية تُفهم في إطارها المادي البحت، بل باتت تتداخل مع عناصر معنوية ورمزية تتصل بالصورة العامة للدولة وثقة الرأي العام والعلاقات الدبلوماسية.
ومن هذا المنظور، فإن القرار لا يعكس مجرد معالجة قضائية لوقائع انتحال صفة وتضليل، بل يفتح نقاشًا أوسع حول حدود وظيفة القانون الجزائي في حماية “الأمن غير المادي” للدولة.
فعلى مستوى أول، يُظهر القرار توجهًا قضائيًا يسعى إلى توسيع نطاق الحماية الجزائية ليشمل ليس فقط الأفعال التي تُحدث ضررًا مباشرًا وماديًا بالعلاقات الخارجية، بل أيضًا الأفعال التي قد تؤدي إلى إضعاف الثقة السياسية أو تشويه الانطباع الدبلوماسي أو خلق أوهام سياسية منظمة.
وهذا التوجه يعكس تأثرًا واضحًا بتطور البيئة السياسية والإعلامية، حيث أصبحت المعلومات المضللة والهوية الوهمية أدوات ذات تأثير محتمل على العلاقات بين الدول وعلى الداخل السياسي في آنٍ واحد.
غير أنّ هذا التوسع، رغم مبرراته الواقعية، يثير في المقابل إشكالًا بنيويًا يرتبط بجوهر القانون الجزائي نفسه، أي مبدأ الشرعية الجزائية، الذي يفرض أن يكون التجريم محددًا وواضحًا ومحصورًا بنصوص صريحة، دون توسع أو قياس أو إدخال عناصر جديدة من خارج إرادة المشرّع.
ومن هنا، فإن تحويل “التأثير السياسي أو الإعلامي” إلى معيار مستقل لقيام الجناية قد يؤدي إلى إعادة تشكيل غير منضبط لمفهوم الخطر الجزائي، بحيث يصبح غير مرتبط بضرر فعلي أو خطر قانوني محدد، بل بمجرد الانطباع أو الاحتمال أو التقدير السياسي.
وفي هذا السياق، تكتسب المخالفة التي دوّنها القاضي كمال نصار أهمية خاصة، لأنها لا تمثل مجرد رأي مخالف داخل هيئة قضائية، بل تعكس اتجاهًا فكريًا متماسكًا داخل القانون الجزائي، يتمسك بالتصور التقليدي للدولة القانونية، حيث يظل التجريم استثناءً محكومًا بضوابط صارمة، ولا يجوز توسيعه استجابةً لاعتبارات سياسية أو إعلامية أو حتى وقائية غير محددة المعالم.
وقد أعادت هذه المخالفة التأكيد على أن وظيفة القضاء الجزائي ليست حماية “الهيبة الرمزية” للدولة بمعناها الفضفاض، بل تطبيق النص القانوني ضمن حدوده الدقيقة، بما يضمن التوازن بين حماية النظام العام وضمانات الحرية الفردية.
كما تكشف هذه المخالفة عن دور الرأي المخالف في تطوير الفكر القضائي، إذ لا يقتصر أثره على التعبير عن قناعة فردية، بل يشكل عنصرًا رقابيًا داخليًا يسهم في ضبط اتجاهات الاجتهاد، ويمنع انزلاقه نحو التوسع غير المبرر في التجريم، خصوصًا في القضايا ذات الحساسية السياسية حيث يزداد خطر تغليب الاعتبارات الظرفية على القواعد القانونية المستقرة.
وفي المحصلة، فإن القرار يضع النظام القانوني أمام معادلة دقيقة: فإما القبول بتوسيع مفهوم الجرائم الماسة بأمن الدولة ليشمل صورًا حديثة من التضليل السياسي والإعلامي، بما ينسجم مع تطور أدوات التأثير في العصر الرقمي، وإما التمسك بالتصور التقليدي الصارم الذي يربط التجريم بوجود ضرر أو خطر فعلي ومباشر، حفاظًا على مبدأ الشرعية وضمانات الحرية.
وبين هذين الاتجاهين، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الفقه والاجتهاد: هل يمكن للقانون الجزائي أن يتكيف مع أشكال “الضرر غير المادي” الناتج عن التضليل السياسي والإعلامي، دون أن يفقد في المقابل صرامته وضماناته التقليدية؟ أم أن إدخال هذا النوع من الأفعال ضمن نطاق الجنايات يشكل توسعًا في التجريم يهدد جوهر الدولة القانونية ذاتها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، في المستقبل، ليس فقط اتجاه الاجتهاد القضائي في هذا النوع من القضايا، بل أيضًا حدود تدخل القانون الجزائي في فضاء باتت فيه الحقيقة السياسية والإعلامية أكثر سيولة وتعقيدًا من أي وقت مضى.
هوامش:
(1) المادة 288 من قانون العقوبات اللبناني (الجرائم الماسة بالعلاقات الخارجية أو التي من شأنها تعريض لبنان لخطر عدائي أو توتر مع دولة أجنبية).
(2) المادة 408 عقوبات لبناني وما يليها (الاحتيال واستعمال الوسائل الاحتيالية لتحقيق منفعة غير مشروعة).
(3) المادة 655 وما يليها من قانون العقوبات اللبناني تتعلق بجرائم الاحتيال واستعمال الوسائل الاحتيالية لحمل الغير على تسليم مال أو سند أو توقيع.
(4) Jean Pradel, Droit pénal général, 20e édition, Cujas, Paris, 2016, p. 132.
كما راجع:إدمون رزق، الوسيط في قانون العقوبات اللبناني – القسم العام، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2009، ص 88.
(5) عبد الله سليمان، شرح قانون العقوبات اللبناني – القسم الخاص، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2014، ص 311 وما يليها
(6) تمييز جزائي لبناني، الغرفة السادسة، قرار رقم 52/2003، مجلة العدل، 2004، ص 217، الذي أكد ضرورة توافر خطر جدي ومباشر في جرائم أمن الدولة
(7) المادة الأولى من قانون العقوبات اللبناني: “لا يُفرض أي عقاب أو تدبير احترازي ما لم ينص القانون عليه حين اقتراف الجريمة
(8) تمييز جزائي لبناني، قرار رقم 17/1999 تاريخ 15/3/1999، مجلة القضاء، 1999، ص 144.
(9) تمييز جزائي لبناني، قرار رقم 104/2010، مجلة المحامون، 2011، ص 322، الذي أكد أن جوهر الاحتيال يقوم على تحقق نتيجة مالية ناتجة عن الوسائل الاحتيالية.
(10) Merle et Vitu, Traité de droit criminel, Tome I, Cujas, Paris, 1997, p. 215.
راجع أيضًا: Jean Pradel, Droit pénal général, 20e éd., Cujas, Paris, 2016, p. 118
(11) Cass. crim. française, 12 février 1985, Bull. crim. n°63 حيث أكدت المحكمة ضرورة التمييز بين السلوك السياسي غير المعاقب والأفعال التي تشكل اعتداءً مباشرًا على أمن الدولة
(12) ECtHR, Handyside v. United Kingdom, 7 December 1976 وكذلك Sunday Times v. United Kingdom, 26 April 1979، حيث رسّخت المحكمة مبدأ التناسب في القيود الجزائية
(13) Mireille Delmas-Marty, Les grands systèmes de politique criminelle, PUF, Paris, 1992, p. 211.
(14) Andrew Ashworth, Principles of Criminal Law, Oxford University Press, 2013, p. 67.
(15) G. Stessens, “National Security and Criminal Law”, European Criminal Law Review, 2018, p. 67.
(16) Andrew Ashworth, Principles of Criminal Law, Oxford University Press, 2013, p. 71.
“محكمة” – الأربعاء في 2026/5/27

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!