حقوق الإنسان في ضوء الإعلان العالمي والقانون الدولي: المبادئ المثالية وواقع غزة المؤلم/ نور جمال الدين
نور تيسير جمال الدين(باحثة قانونية حائزة على الماجستير في القانون العام):
الحق في الحياة ، الحق في الحرية ، الحق في مستوى معيشي كافٍ من غذاء وملبس ومسكن ورعاية طبية ، الحق في التعليم ، حظر التعذيب ،…
حقوق الإنسان الأساسية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الانسان لعام ١٩٤٨، والصكوك الدولية المكملة له كالعهدين الدوليين (العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، والاتفاقيات الدولية كاتفاقيات جنيف لعام ١٩٤٩، التي تُلزم الدول ، وخصوصاً تلك الواقعة في نزاع مسلح او تمارس احتلالاً وفي مقدّمتها قطاع غزة ، باحترام هذه الحقوق وضمان عدم التعدّي عليها.
إلّا أن الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة الواقعية تتسع يوماً بعد يوم ، في زمنٍ يُفترض أنه عصر احترام الكرامة الإنسانية ، وفي القرن الحادي والعشرين ، حيث العالم يشهد تطوراً غير مسبوق لا سيما في الذكاء الاصطناعي ، وتقنيات الاتصالات وسبل الرفاه.
نلمس مشهداً لأهل غزة في القطاع المُحاصر، لا يشبه إلا صور المجاعات التاريخية والانتهاكات لأدنى حقوق الانسان.
وفي عصرنا هذا ، تُرك أهل غزة يقاتلون من أجل كسرة خبز وقطرة ماء في ظلّ القوانين الدولية الإنسانية التي تفرض احترام حقوق الانسان لا سيما الأساسية منها.
حيث يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في ظروف كارثية غير إنسانية ، لا يجد فيها الأطفال حليباً ، ولا المرضى دواء ، ولا العائلات طعاماً يُبقيهم على قيد الحياة.
– حماية حقوق الإنسان في إطار القانون الدولي:
صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ٢١٧ بتاريخ ١٠ كانون الأول ١٩٤٨. ويشمل ٣٠ مادة تتضمن الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، ومنها:
المادة ١:”يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق”.
المادة ٣: “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه”.
المادة ٢٥: “لكل شخص الحق في مستوى معيشي كاف له ولأسرته من غذاء ومسكن ورعاية طبية”.
ونصّ في بداية كل مادة من مواده على عبارة “لكل شخص” ، أليس أهل غزة أشخاصاً تطبّق عليهم هذه المواد؟
– القانون الدولي الإنساني (اتفاقيات جنيف):
حيث يعد القانون الدولي الإنساني ، وخاصة اتفاقيات جنيف الأربع لعام ١٩٤٩ ، الإطار الأساسي لحماية المدنيين وقت النزاعات المسلحة وتنص على: حماية السكان المدنيين وعدم استهدافهم، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتحريم الحصار الذي يؤدي الى تجويع السكان كوسيلة من وسائل الحرب.
ووفقاً للبروتوكول الاضافي الأول لاتفاقيات جنيف ، يعدّ تجويع المدنيين جريمة حرب ، لكننا اليوم نشهد استخدام الجوع في غزة كوسيلة حرب.
وبحسب تقرير نشرته منظمة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في شهر حزيران ٢٠٢٥ ، يعاني ١٠٠% من سكان غزة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وأكثر من ٧٠ الف طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد يهدّد حياتهم.
كما جاء في تقرير للمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الانسان ، لقد تحولت المجاعة في غزة الى واقع مفروض ، ومات العشرات من الأطفال جوعاً بالفعل، فيما تمنع اسرائيل وصول المساعدات بشكل منتظم ومنهجي.
وتؤكد تقارير أخرى أنّ إدخال الغذاء الى غزة يخضع لإجراءات تعجيزية.
نداء الى الضمير العالمي..
لم يعد السكوت ممكناً ، إن ما يجري في غزة اليوم وصمة عار على جبين الانسانية . إنها إبادة بطيئة لا تتم بالسلاح وحده ، بل بالتجويع المتعمّد والتدمير الاقتصادي والاجتماعي الشامل.
فإن واقع حقوق الإنسان في غزة يتعارض بوضوح مع القواعد الآمرة في القانون الدولي الإنساني ، من حصار وتجويع أديا الى حالات وفاة خصوصاً في صفوف الأطفال ، والى استهداف المرافق الصحية والتعليمية مما يشكّل انتهاكاً للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ففي الوقت الذي تدين فيه النصوص القانونية الدولية هذه الانتهاكات، يبقى التنفيذ غائباً والمساءلة محدودة .
وعلى الرغم من كثافة التوثيق من قبل منظمات دولية مختلفة، فإن غياب المحاسبة الدولية ، أدى الى تفاقم الأزمة.
فواقع الانتهاك في غزة مضاعف، اذ تتعارض ممارسات الاحتلال مع المبادئ التي نصّ عليها الإعلان العالمي والصكوك الدولية، ويظهر تطابق الاتهامات الموثقة بجرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية.
ها هي غزة تختنق من الجوع..
وفي غزة لا يقتل الناس فقط بالقنابل ، بل بالجوع البطيء والعطش المؤلم ، وسط صمت عالمي مخزٍ.
وبينما يتغنّى العالم بشعارات “حقوق الإنسان” ، يموت الغزّيون بصمت ، في واحدة من أكثر الكوارث الانسانية الموثقة في التاريخ الحديث.
لقد آن الأوان ليتحوّل القانون الدولي من مجرد نصوص مثالية الى أدوات فعالة للعدالة في ظل حرمان المدنيين من أبسط حقوقهم ، فالجوع في غزة أصبح سلاحاً يستخدم علناً ، ومأساة ممنهجة تهدف الى كسر إرادة شعب لا يزال يصارع تحت الركام .
نطالب الأمم المتحدة ، ومحكمة العدل الدولية ، والمنظمات الإنسانية العالمية ، لا بل العالم كله بأكمله ، بالتحرك عاجلاً لفتح ممرات إنسانية فورية ودائمة لإدخال المواد الغذائية والطبية الى غزة دون شروط ، ولمساءلة من يستخدم الجوع كسلاح حرب أمام القضاء الدولي.
غزّة لا تحتاج إلى كلمات ، بل تحتاج خبزاً وعدالة.
فهل من مجيب؟!
“محكمة” – الأربعاء في 2025/7/23



