أبرز الأخبارعلم وخبر

المحامي مروان زين الدين يلاحق شخصين عرضا عليه رشوة لكي يبيع موكّله.. والنقابة تتدخّل لمصلحته والقضاء يدعي/علي الموسوي

المحامي المتدرّج علي الموسوي:
أن يُتهمّ المحامي باقتراف جرم الرشوة خلال قيامه بملاحقة معاملة أو دعوى ما تخصّ موكّليه في الوزارات أو الإدارات أو العدليات، “فأمر” قد يكون “عاديًا” في ظلّ تواتر الأخبار السائدة لدى الناس وفي المجتمع بغضّ النظر عن صحّة حصول هذا التصرّف، فالفكرة موجودة واقعًا وخيالًا ومنتشرة في أذهان كثر ولاسيّما لدى المتوهّمين بإمكانية تخطّي القانون، وإن قام بها محام ما إلّا أنّها ليست عامة ولا تشمل الجميع بطبيعة الحال، “فمهنة النبلاء” لا تكترث إلّا للقانون وما ينشأ عنه، وتسعى إلى تحصيل الحقوق بالطرق القانونية المرعية الإجراء، وهذا هو الصحيح والأعمّ، وترفض توسّل أيّ أسلوب يفضي إلى المخالفات والموبقات مهما كانت الإغراءات.

لكن أن يبادر المحامي إلى اتهام آخرين برشوته في وضح إثبات ملموس كالنهار المشمس من أجل دفعه إلى “بيع” موكّليه وشراء ضميره أو إبعاده عن متابعة ملفّ يملك وكالة فيه، فمسألة قد تكون مستغربة كثيرًا، ولكنّ الإستهجان يزول متى عرف أنّ المحامي مروان أدهم زين الدين لم يرفض قطّ، الإساءة الموجّهة إلى نصاعة كفّه وسمعته من شخصين توهّما أنّهما قادران على استمالته والتنازل عن حقّ موكّله بعرض رشوة مالية عليه، بل قرّر ملاحقتهما أمام القضاء لكي يكونا عبرة لسواهما، مقدّمًا صورة ناصعة عن المحامي الحريص على كرامته وواجباته ومهنته وما ترمي إليه من تحقيق لرسالة العدالة ودفاع عن الحقوق مهما كانت الضغوطات والتدخّلات والتحدّيات.
ماذا في تفاصيل هذه القصّة المثيرة والخاصة بـ“محكمة”؟
نظّم ن.ش. بصفته الشخصية وبصفته مفوّضًا بالتوقيع عن شركته، سند توكيل عامًا وقضائيًا لمصلحة المحامي زين الدين في إطار نزاع قائم بينه وبين شخص آخر تفرّعت عنه جملة دعاوى عقارية ومالية وأمام غير مرجع قضائي ومحكمة مختصة، فتحرّك زين الدين بما يمليه عليه ضميره وواجبه المهني لحماية حقوق موكّله، الأمر الذي لم يرق لهذا الشخص ولسيّدة تعمل معه ولديه وتعتبر يده اليمنى، فانساقا وراء وهم استمالة زين الدين مرتكبين عن سابق تصوّر وتصميم جرم الرشوة لعلّهما يتمكّنان من قلب الحقيقة رأسًا على عقب.
حصلت في البدء، لقاءات بين المحامي زين الدين والشخصين المذكورين في إطار مسعى لمعالجة الخلافات حبّيًا وتقريب وجهات النظر واختصار الوقت والمسافات ومن دون إكمالها أمام القضاء العدلي، غير أنّها لم تفض إلى النتيجة المرجوة، حيث بدا زين الدين صلبًا في الدفاع عن حقوق موكّله، إلى أن تفتق السراب لدى السيّدة بأن دعته إلى “عشاء عمل” بمفرده في أحد المطاعم الفاخرة في مدينة جونيه للقاء من صاحب النعمة عليها، وأكملت بأنّ “هنالك هدية لك” لم تفصح عن مضمونها وماهيتها، طالبة بألّا يعرف موكّله ن.ش. بهذا اللقاء من أجل ضرورات نجاحه، فردّ زين الدين شاكرًا الدعوة ورافضًا تلبيتها وقبولها مع الهدية، وعارضًا الإجتماع بهما في مكتب موكّله، وقد سارع زين الدين إلى إخبار هذا الأخير بما حصل معه، ثمّ وافق الموكّل على حصول اللقاء في مكتب الشخص كونه كبيرًا في السنّ.
وفي اللقاء المرتقب، عرض الرجل إلزام ن.ش. بإخلاء القسم المباع له وإلزامه بتسديد بدلات الإيجار عن الفترة السابقة، فردّ زين الدين بأنّ هذا ليس حلًّا طالبًا في المقابل التعايش مع الواقع، فامتعض الرجل قائلًا: “أنا بعطيك ثلاثمائة ألف(دولار أميركي) إذا بتحلّها سلميًا وبتحصلي الإيجار والفوائد”. إستغرب زين الدين الإندفاع إلى هذا القول، وشرح لمجالسيه الإثنين بأنّ هذا يعتبر رشوة يعاقب القانون عليها، فأجابه:” شو أنت بوليس أو قاضي ولا شو، أنت همزة وصل “، فأوضح له زين الدين بأنّه محامٍ يمثّل فريقًا آخر ولا يمكنه الإتفاق معه على حساب موكّله ومصلحته”، فزعم الرجل أنّ ما يفعله عادي جدًّا لأنّه يقوم بذلك في أميركا، وأنّ الرشوة تقدّم للقاضي ورجل الشرطة، بينما لا تعتبر كذلك ما دامت معروضة على محام، لينتهي الإجتماع خلافًا لتوقّعات طالبيه وما خطّطا له من رغبة جامحة في شراء الذمم ونيل التواطؤ المطلوب، معتقدين أنّ الناس كلّها عرضة للشراء والبيع.
طلب زين الدين إفراز العقار وتسجيل المستودع المباع لشركة موكّله على اسمها بشكل نهائي، فيما واظب الطرف الآخر على ممارسة التهويل على الشركة عبر إرسال الإنذارات غير المحقّة إليها، فما كان من زين الدين إلّا أن وجّه إنذارًا إليه يحثّه فيه على الإعتذار عن التصرّف المسيء إليه وفي حال الإمتناع فإنّه لا مفرّ من التقدّم بشكوى جزائية أمام القضاء المختص.
لم يشأ الرجل تلقّف مبادرة زين الدين، بل عمد إلى تهديده بشكل علني في طيّات إنذار وجّهه عبر كاتب بالعدل، بملاحقته مسلكيًا أمام نقابة المحامين في بيروت بداعي أنّه يقحم نفسه في الدعوى المعهود إليه الدفاع عنها بموجب سند توكيل قضائي، وذلك في موقف ينمّ عن عنجهية غير اعتيادية ممن يهوى ممارسة الأعمال الشاذة بتوزيع الرشى في الولايات المتحدة الأميركية التي يتنقّل بينها وبين لبنان، بدلًا من التوقّف عن مقاربتها واعتبار ما جرى منتهيًا وعدم تكراره مع أيّ شخص كان.
إزاء التعنّت في رفض تقديم اعتذار، ومن يعتذر ليس ضعيفًا، بل يظلّ الأقوى، أبلغ زين الدين نقيب المحامين في بيروت عماد مرتينوس بكلّ ما حصل معه، وقدّم شكوى أمام النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان إتخذ فيها صفة الادعاء الشخصي بحقّ هذين الشخصين بجرم الرشوة سندًا للمادة /353/ من قانون العقوبات معطوفة على المادة /352/ من قانون العقوبات، وسندًا للمادة /351/ عقوبات معطوفة على المادة /76/ من قانون تنظيم مهنة المحاماة، وذلك لكي يدركا بأنّ “القانون ليس مجرّد نصّ بل أداة فعلية لحماية حقوق المواطنين والمجتمع ككلّ”.
وسرعان ما قامت الضابطة العدلية بالتحقيقات الأوّلية اللازمة التي تغيّب عنها الرجل المسنّ بداعي السفر إلى موطئ قدمه في توزيع الرشوة، ثمّ ادعى المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي طارق بو نصار على الشخصين المذكورين، وأحيلت الدعوى على قاضي التحقيق جوزف بو سليمان.
وقد ساندت نقابة المحامين في بيروت ممثّلًا بالنقيب مرتينوس بتقديم طلب تدخّل متخذة صفة الادعاء الشخصي حرصًا منها على سمعة المهنة المؤتمنة عليها، وفي رسالة واضحة ضدّ من قد تسوّل له نفسه في المستقبل الإتيان بالخطوة نفسها.
ماذا في الجانب القانوني من هكذا دعوى؟ وكيف يقارب القانون مسألة عرض رشوة على المحامي ورفضه قبولها والتماسها للقيام بعمل يخلّ بشرفه وسمعته وبأخلاقيات وآداب مهنته؟
إذا كان من واجبات المحامي في معرض مزاولة مهنته أن يقوم “بتصرّف يوحي الثقة والإحترام” كما تؤكّد اليمين القانونية التي يؤدّيها قبل المباشرة بالممارسة الفعلية بحسب المادة/10/ من قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 8 تاريخ 11 آذار 1970، وأن يتقيّد “في جميع أعماله بمبادئ الشرف والاستقامة والنزاهة” كما يرد في المادة /80/ من القانون نفسه، فإنّه لا غنى، في المقابل، عن وجود ما يحميه ويؤمّن له أداء مهامه بالشكل المطلوب، ولذلك ارتأى المشرّع أن يجعل من أيّ اعتداء عليه سواء أكان بالكلام أو باليد أو بالرصاص، مشابهًا للإعتداء الذي يطاول القاضي خلال ممارسة واجبه في تأمين العدالة وخصوصًا إذا ما كان جالسًا على قوس المحكمة لما لذلك من أهمية قصوى في صون القضاء.
وقد ورد في قانون تنظيم مهنة المحاماة وتحديدًا المادة/76/ منه بأنّ “كلّ جرم يقع على محام أثناء ممارسته المهنة أو بسبب هذه الممارسة يعرّض الفاعل والمشترك والمتدخّل والمحرّض للعقوبة نفسها التي يعاقب بها عند وقوع ذلك الجرم على قاض على أن يخضع لطرق المراجعة العادية”.
وإذا كان قانون العقوبات اللبناني قد تحدّث في المادة/352/ منه، عن ملاحقة المحامي بجرم الرشوة عند ارتكابه لها، فإنّه عاد وتناول الراشي في المادة /353/ منه، وهذا الراشي هو أيضًا من يقدّم للمحامي هدية أو يدفع له مبلغًا من المال لكي يخالف قسم اليمين وموجباته تجاه مهنته وموكّليه، ولا فرق على الإطلاق بين الراشي والمرتشي سواء أكان في القطاع العام أو القطاع الخاص.
“محكمة” – الجمعة في 2026/4/17

*حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية، يمنع منعاً باتاً على أيّ شخص، طبيعيًا كان أم معنويًا، وخصوصًا الوسائل الإعلامية ودور النشر والمنشورات والمكتبات الحقوقية وغير الحقوقية منها، نسخ أكثر من 20% من مضمون الخبر أو النصّ، مع وجوب ذكر إسم موقع “محكمة” الإلكتروني، وإرفاقه بالرابط التشعّبي للخبر(Hyperlink).
كما يمنع نشر وتصوير أيّ خبر أو نصّ، بطريقة الـ”screenshot” وتبادله عبر مواقع التواصل الإجتماعي، وتحديدًا منها “الفايسبوك”، و”الواتساب”، و”اكس”، و”الإنستغرام”، و”التلغرام”، أو إعادة استنساخه عن طريق الذكاء الإصطناعي (AI)، أو “ChatGPT”، ما لم يرفق باسم “محكمة” والإشارة إليها كمصدر.
ويحظّر إجراء أيّ تعديل أو تحريف، حذفًا أو إضافة، في النصوص المنشورة في “محكمة” وخصوصًا تلك المتعلّقة بالأحكام والقرارات القضائية، وذلك تحت طائلة الملاحقة القانونية أمام المرجع القضائي المختص، مع الإحتفاظ بكامل الحقوق المادية والمعنوية لإدارة مجلّة “محكمة”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!