أبحاث ودراسات
جريمة التعرُّض للآداب العامة (Outrage public à la pudeur)/سميح صفير
القاضي الدكتور سميح صفير(مستشار في محكمة التمييز اللبنانية، الغرفة السادسة الجزائية، دكتور في الحقوق، وباحث في العلوم القانونية (C.N.R.S.- France)، مُجاز من معهد العلوم الجنائية، بواتيه- فرنسا، Institut de sciences criminelles, Poitiers- France):
إنَّ جريمة التعرُّض للآداب العامة المنصوص عليها في المادة 531 من قانون العقوبات اللبناني لم تُعالج بما فيه الكفاية، وإن أبرز من كتب فيها، في لبنان، هو العلَّامة المرحوم سمير عالية في كتابه: الشامل لجرائم القسم الخاص في قانون العقوبات، الجزء الأوَّل، منشوارت الحلبي الحقوقية، 2022، ص.: 370 وما يليها؛ وكذلك العلَّامة المرحوم محمود نجيب حسني في كتابه: شرح قانون العقوبات القسم الخاص، دار المطبوعات الجامعية، 2021، ص.: 657 وما يليها؛ والعلَّامة المرحوم غارو في كتابه: Garraud R., Traité de droit pénal, 3ème Edition, Tome 5 Paris 1924, Numéro 2075.
ونُلاحظ أن الإجتهاد اللبناني خجول، في حين أن الإجتهاد الفرنسي والمصري والسوري أكثر تدفّقاً؛
ونُشير في المُستهل إلى أن هذه الجريمة أُلغيت من قانون العقوبات الفرنسي عام 1994، وحلَّ محلّها جرائم جديدة وهي: Outrages sexistes et sexuels (Loi de 2023) و Exhibition sexuelle 222-32 du Code Pénal 1994) Article)؛ وتُعرف في مصر تحت تسمية “الفعل الفاضح العلني”.
وسنعرّف هذه الجريمة، وسنُبين أركانها، وسنعرض عقوبتها.
1) تعريف
إن جريمة التعرُّض للآداب العامة هي أعمال أو أفعال، أي حركات أو مظاهر، يقوم بها الجاني عبر استخدام جسمه، خصوصاً المواضع الجنسية، وعرضه بصورة تستهتر بالحياء العام للناس، أي بشكلٍ يخدش حياء الجمهور أي بوجه يُثير إشمئزاز الرأي العام، وبصورة علانية، ويخلّ، بأعماله المُخجلة هذه، الشعور العام الذي تُلهمه الآداب العامة التي يحميها المجتمع؛
وقد عرَّف العلامة المرحوم مصطفى العوجي، بصورة دقيقة، الآداب العامة بأنَّها مجموعة المعايير السلوكية المُعتمدة في مجتمع وزمن معيَّنين والتي يعتبرُها المجتمع أساسية في حفظ أخلاقية أفراده الذين يقتضي عليهم الإلتزام بها في علاقاتهم، بحيث تبقى هذه العلاقات سليمة ومُترفّعة عمّا يحطُّ من كرامة الإنسان وسمعته، (القانون المدني، الجزء الأول، العقد، الطبعة الثالثة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2003، ص.: 437 و438)؛
وجريمة التعرُّض للآداب العامة تختلف عن جريمة التعرُّض للأخلاق العامة (المادة 532/ عقوبات)، الأولى تكمُن في أعمال مُخجلة يأتيها الجاني على جسمِه، والثانية، تكمُن في أعمال مُخجلة لا يأتيها الجاني على جسمِه، وإنما يأتيها عبر أقوالِه أو عروض/ رسوم في كتاباته أو عبر صور وأفلام تتعرَّض للأخلاق العامة؛
والأخلاق العامة تنتج عن الآداب العامة، والآداب العامة أوسع مدى وأكثر شمولاً من الأخلاق العامة، والأخلاق العامة هي من عناصر تكوين الآداب العامة؛
وفي قرار لافت لمحكمة النقض السورية، الغرفة الجزائية، إعتبرت جريمة التعرُّض للآداب العامة هي كلّ “فعل، فيه مساس أو سُخرية أو عدم مُبالاة بقواعد السلوك التي تعارف عليها أغلب الناس، وأصبح إنتهاكاً يؤذي شعورهم” ( قرار رقم 100، تاريخ 1965/2/28، الموسوعة الحديثة للإجتهادات الجزائية العُليا، في قانون العقوبات والأصول الجزائية، (1950-2005) المجلَّد الأوَّل، ص.: 412).
2) عناصر
2-1) العنصر القانوني
هو المنصوص عليه في المادة 531 من قانون العقوبات اللبناني، والمادة 278 من قانون العقوبات المصري، والمادة 517 من قانون العقوبات السوري، والمادة 330 من قانون العقوبات الفرنسي لعام 1810 والتي شكّلت مصدر المادة 531 المذكورة.
2-2) العنصر المادي
لاستنتاج الركن المادي لجريمة التعرّض للآداب العامة، يجب عطف المادة 531 على المادة 209 من قانون العقوبات اللبناني، وعليه إن الفعل المادي لهذه الجريمة هو جميع “الأعمال والحركات” التي يقوم بها الجاني مُبرزاً أعضاء جسمه، خصوصاً الجنسية، والتي تخدش الحياء بمفهومه العام، في الأماكن العامة/ العلانية أي المُحددة في الفقرة الأولى من المادة 209/عقوبات، أي المكان المُباح للجمهور أي المحلّ العام، أو المكان المعرَّض للأنظار، أو أي مكان شاهدها من لا دخل له بالفعل بِسبب خطأ الفاعل؛
وقد وردَ في اجتهاد للغرفة السادسة في محكمة التمييز الجزائية بأن إقدام المدعى عليهم على القيام بحركات منافية للآداب على مرأى ومسمع الغير يؤلِّف جنحة المادة 531/عقوبات، (تمييز غرفة 6، قرار رقم 157، تاريخ 2007/7/3، كساندر 2007، جزء 7، ص.:1515)
ويعود للقضاء تقدير “الأعمال والحركات”، التي تشكل حرجاً للشعور العام وخدشاً وإشمئزازاً له، أي تعرضاً للآداب العامة، وفق العادات والظروف والأعراف والبيئة، ولا يقع ذلك تحت رقابة محكمة التمييز لأنها من مسائل الواقع وإستثبات الأدلَّة عليها؛
ويكفي لتحديد الركن المادي عنصر الكشف عن العورة في المكان العام، ولو لم يتمّ التلاعب بالأعضاء، ومنها قيام خليع، متحول جنسياً، بحركات بدنية مكشوفة توحي بفكرة الإستعداد للإختلاط الجنسي؛
ومن أساسيات العنصر المادي: علانية الفعل المُخجِل، أي يجب أن يرتكب الفعل في مكان عام، أي المكان المفتوح للجمهور في كلّ الأوقات كالشوارع والساحات والحدائق العامة وغيرها، أو المكان العام غير المفتوح للجمهور في كلّ الأوقات، كالمدارس ودور السينما والمطاعم والمقاهي والنوادي ودور العبادة والمحال التجارية والسجون والمستشفيات، وغيرها؛
كما أُدخل بمثابة المكان العام، الموضع الذي توجه إليه الأنظار كالسيارات الخاصة أثناء سيرها على الطريق، أو الغرف المكشوفة على الشارع وغيرها، والمدخل والدرج وسطح البناء المشترك، بحيث أن كلّ عابر يمكنه رؤية ما يجري؛
2-3) العنصر المعنوي
هو القصد، أي اتجاه الإرادة، أي علم الجاني ومعرفته المحرّكة لإرادته بأن فعله العلني المُخلّ يمكن أن يُشاهده أحد الأشخاص، كونه في الأمكنة المشار إليها أعلاه، ويبقى القصد متوافراً وإن كان يتوقع الجاني/ المدعى عليه، أن لا مجال أن يُشاهده أحد، أو بإستطاعته ألا يشاهده أحد، في حين أن شاهده بعض الناس من ثقب الباب أو من نافذة أعلى الحائط أو في السيارة ليلاً وغيرها؛
وعند إنتفاء القصد أو إتجاه الإرادة فلا مجال للتجريم، كالذي يحاول عن حسن نية تحسين هندامه في مكان عام فيفلت بنطاله كاشفاً عورته مسرعاً في إخفائها، أو كمن يستطرد في الكلام مُنفعلاً مؤشراً بعض الحركات في يده بصورة مخجلة، أو في حالة إزدحام تصطدم يدّ أحد الأشخاص بمكان حرج وغيرها؛
ولا يؤخد بالدافع، سواء كانت غاية الجاني الإنتقام أو الفضول أو تفلت الغريزة الجنسية أوعدم الإكتراث بالآداب العامة، كمن يقوم بالتبول في الطريق أو على حائط عام، أو من يكشف اجزاء مُخجلة من جسمه نتيجة إزدياد حرارة الجو أو ظروف العمل وغيرها؛
3) العقوبة
إن هذه الجريمة هي جنحة معاقب عليها في القانون اللبناني من شهر إلى سنة، والمحاولة غير معاقب عليها لإنتفاء النص؛
ولا تجريم ولا مسؤولية للقاصر دون السابعة من عمره ولفاقد التمييز أو لمن كان تحت وطأة العقاقير المخدرة غصباً عنه أو بدون علمه، أو للمريض الذي يكشف مواضع حساسة للطبيب أو للممرضة المُرافقة، أو لمن ظهر عارياً على الطريق نتيجة فراره من الحريق أو لمن يدافع عن نفسه فتتمزق ثيابه وتظهر عورته وغيرها.
وفي نهاية الدراسة، نُشير إلى أن الجريمة تكون مُتحققة وإن لم يوجد وقت وقوعها أي شخص مُجنى عليه، فيكفي إحتمال أن يتصادف وجود أحد المجنى عليهم في ذلك المكان، وقد عَرِفَت العلوم الجزائية الحديثة ما يُعرف بنظرية “العلانية الحتمية”، أي إمكانية حصول المشاهدة ولو لم تحصل هذه المشاهدة فعلاً؛
كما يحصل في الغالب أن تمتزج جريمة التعرض للآداب العامة قانونياً ومادياً ومعنوياً مع جرائم أُخرى تمس الحياء والعرض وتخدش المجتمع، إذا أرتُكبت بصورة علانية، كالحض على الفجور العلني، والقدح العلني، والإغتصاب، والفحشاء والأفعال المنافية للحشمة، وغيرها.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/1/6



