وعندَ اللهِ تجتمعُ الخصوم!/جمال الحلو
القاضي م جمال الحلو:
عبارةٌ شهيرةٌ يُستشهدُ بها تذكيرًا بالعدلِ الإلهيِّ المطلقِ يومَ القيامة، حيثُ يُرَدُّ الحقُّ إلى المظلوم، ويُحاسَبُ الظالم.
هي وعيدٌ بيومِ الحساب، حيثُ لا يضيعُ حقٌّ، وتعكسُ ثقةَ المؤمنِ بعدالةِ الله وقدرتهِ على إنصافِ المظلومين.
وقد أشار أبو العتاهية في قصيدته:
سَتَعْلَمُ يا ظَلُومُ إِذا التَقَيْنا
غَدًا عِنْدَ الإِلَهِ مَنِ الظَّلُومُ
أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ الظُّلْمَ شُؤْمٌ
وَمَا زَالَ المُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ
إِلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي
وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الخُصُومُ
سَتَعْلَمُ فِي الحِسَابِ إِذَا التَقَيْنَا
غَدًا عِنْدَ الإِلَهِ مَنِ المَلُومُ
ليس كلُّ ما يُغتفرُ يُنسى، ولا كلُّ ما يُسامَحُ عليه القلبُ يُمحى من الوجدان؛ فثمّةَ جراحٌ عابرةٌ تندملُ إذا لامستها يدُ الصفح، وثمّةَ صدوعٌ غائرةٌ في عمقِ الكينونة، لا تُرمَّمُ بغيرِ عدلٍ يُستعاد، ولا يُسكِّنُها إلا ميزانُ الحقِّ إذا استقام.
لقد جُبِلْتُ — كغيري من بني الإنسان — على ميلٍ إلى العفو، ما دام الخطأُ طفيفًا، والزلةُ غيرَ مُغرِقةٍ في الإيذاء، وما دام الاعتذارُ يطرقُ أبوابَ الضمير. أُسامحُ المسيءَ إن لم يُمعنْ في الإضرار، وأتجاوزُ عن الزللِ إن لم يعبثْ بأصلِ المسار؛ فالتسامحُ فضيلةُ الأقوياء، لا ملاذُ المنكسرين.
غير أنّ للظلمِ حدًّا، إذا جاوزهُ الإنسانُ انقلبَ من خطيئةٍ تُغتفر إلى جنايةٍ لا تُحتمل. فالظالمُ — حين يبطشُ بلا وازع، ويعبثُ بحياةِ غيره، ويُقوِّضُ بنيانَ عمله، ويُدمي صحتَه، ويعتدي على أمنِ أسرته، ويزرعُ القلقَ في نفوسِ أبنائه — لا يعودُ مجردَ مخطئٍ يُعذر، بل غاصبًا لحقٍّ، ومفسدًا في الأرض، ومتجبِّرًا على الضعفاء.
وأنا — وإن وسِعَ صدري للمغفرة في غير ذلك — لا أملكُ أن أغفرَ لظالمٍ هدَّ أركانَ حياتي، ولا أن أُسامحَ من جعلَ الأذى منهجًا، والعدوانَ سلوكًا؛ فالمغفرةُ هنا خيانةٌ للعدل، والتسامحُ تفريطٌ بالكرامة، والتجاوزُ إقرارٌ للظلم.
وإذا عجزتِ الأرضُ عن إنصافي، فإنّ السماءَ لا تعجز، وإذا ضاقت بي سُبُلُ البشر، فإنّ بابَ اللهِ لا يُغلق. هنالك — حيثُ لا تُزوَّرُ الشهادات، ولا تُشترى الذمم، ولا يُطمسُ الحق — يقومُ الميزانُ القِسْط، وتُرَدُّ المظالمُ إلى أهلها، ويُقتصُّ من الظالم ولو بعد حين.
اللَّهُمَّ إنّي أشكو إليكَ ظلمَ من ظلمني، وأستودعُكَ حقّي الذي عجزتُ عن استرداده. اللَّهُمَّ إنّه قد آذاني في نفسي، وضيَّق عليّ في رزقي، وعبثَ بمسارِ حياتي، وألقى بثقلِ أذاه على عائلتي وأولادي، فأرِني فيه قدرتكَ التي لا تُرَدّ، وانتقامكَ الذي لا يُدفَع.
اللَّهُمَّ خُذْهُ أخذَ عزيزٍ مقتدر، واجعلْ في دنياه عبرةً لمن اعتبر، وأرِني فيه آيةً تُثلجُ بها صدري، وتُقيمُ بها عدلك. ثم لا تكتفِ بذلك، بل أعدَّ له في الآخرةِ قصاصًا أوفى، وجزاءً أشدّ؛ فإنّك أنتَ المنتقمُ الجبّار، الذي لا يضيعُ عنده حقّ، ولا يفلتُ من قبضتهِ ظالم.
وعندَ اللهِ — لا عندَ غيره — تجتمعُ الخصوم، وتتجرّدُ النفوسُ من أقنعتها، وتُعرّى الحقائقُ من زيفها، ويقفُ الظالمُ والمظلومُ سواءً أمام حكمٍ لا يُجارى. هنالك فقط يعلو صوتُ العدل، ويخفتُ صخبُ الباطل، ويُقالُ لكلِّ ذي حقٍّ: خُذْ حقَّك.
فيا ربّ، إن لم يكن في الدنيا إنصاف، فاجعلْ لي في الآخرةِ موعدًا مع عدلك، وإن لم تُرِني انتقامكَ عاجلًا، فلا تحرمني يقينَه آجلًا؛ فأنتَ حسبي، وأنتَ نعم الوكيل.
“محكمة” – الجمعة في 2026/3/27



