ما هي العدالة وأين نحن من تطبيقها؟/مروان زين الدين
المحامي مروان زين الدين:
هل تغلُب تحقيق المصالح الشخصية “بالإستناد الى القانون” يُحقق العدالة المرجوة؟
لماذا لا يعلو القانون سوى القرآن والإنجيل؟
العدالة في القانون تُعتبر المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه النظام القانوني. فهي تعني إعطاء كل ذي حق حقه، وفقاً للقواعد والمعايير التي يضعها القانون بغية تحقيق التوازن بين حقوق الأفراد ومصلحة المجتمع.
وعليه يمكننا تلخيص مفهوم العدالة القانونية في عدة عناصر:
أولاً: المساواة أمام القانون: أي أن يخضع جميع الأشخاص للقواعد نفسها دون تمييز بسبب الجنس، أو الدين، أو اللون، أو الإنتماء الإجتماعي، أو السياسي.
ثانياً: الإنصاف: أي أن لا تكون القوانين جامدة بشكل تؤدي إلى إلحاق الظلم.
ثالثاً: حماية الحقوق: أي حماية الحقوق الأساسية للإنسان مثل الحرية بجميع أشكالها مروراً بالملكية وصولاً الى تحقيق الكرامة بالمحاكمة العادلة.
رابعاً: المسؤولية والعقاب العادل: أي أن يُحاسب من يُخالف القانون بطريقة مُتناسبة مع الفعل المرتكب، فلا يكون العقاب أشد من الجريمة ولا أقل منها حفاظاً على عدم إخلال المجتمع.
خامساً: تحقيق المصلحة العامة: أي تلك التي تشمل المجتمع ككل.
بالمختصر، إنّ العدالة في القانون هي السعي لتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الحرية الفردية والنظام العام. فالمادة السابعة من الدستور اللبناني تنص على أن “كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم”. أما قانون أصول المحاكمات الجزائية فيضمن للمدعى عليه حق الدفاع وتوكيل محامٍ والإستماع إلى أقواله أمام قاضٍ مُحايد. بينما الشريعة الإسلامية ربطت الإحسان بالعدل فقال الله تعالى في القرآن الكريم: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان”. (النحل: 90). وفي الإنجيل دعا السيد المسيح إلى نصرة الضعفاء والمساكين، فاعتبر أنّ العدل الحقيقي يتحقق برفع الظلم ومساعدة الفقراء، إنجيل متى (5:6) “طوبى للجياع والعطاش إلى البر، لأنهم يشبعون”.
هنا لا بد من العودة الى ما قاله الإمام موسى الصدر عن العدالة، مع التأكيد بأن الإمام الصدر شخصية دينية وسياسية وفكرية وقانونية من الطراز الأول وبامتياز، فهو من أبرز المفكرين الذين دمجوا ما بين الدين والسياسة والإجتماع والقانون، حيث تناول في خُطبه ومحاضراته وكتاباته العديد من المواضيع القانونية والإجتماعية، وركّز بشكل خاص على العدالة وحقوق الإنسان والدولة والقانون وحقوق الطوائف وعلى المحرومين، فأفكاره ورؤيته تداخلت ما بين الفقه والقانون الوضعي، وما بين البُعْد الإنساني والإجتماعي، حيث دعا إلى دولة القانون الذي تُصان به كرامة الإنسان وتُرفع به المظلومية وتُبنى به دولة عادلة تحكمها العدالة لا الطائفية.
فالعدالة بالنسبة للإمام الصدر هي أساس الحكم الصالح والغاية الأولى للقانون الذي يجب أن يكون خادماً للإنسان لا وسيلة للظلم ولا سيداً عليه. والقانون بالنسبة إليه ليس مُجرد نصوص جامدة، بل هو تعبير عن العدالة الإلهية والمصلحة الإنسانية، التي بفقدانها تفقد أي سلطة شرعيتها. إذ إعتبر أن أي تشريع لا يُحقق العدالة ولا يحفظ كرامة الإنسان هو باطل في جوهره، ولو بدا قانونياً من حيث الشكل، ورفض إستغلال القوانين لخدمة الطبقات الحاكمة أو الطوائف المهيمنة. فالإمام الصدر كان يربط بين القانون والعدالة بشكل وثيق، ويعتبر أن كل قانون لا يحقق العدالة الإجتماعية ولا يؤدي إلى الإنصاف بين الناس هو قانون مُعيب. فالعدالة عنده ليست فقط قانونية، بل هي أيضاً إجتماعية وإنسانية وشرعية. مُعتبراً أن مشروعية القانون تنبع من إحترام القيم الدينية والإنسانية، ومن التوافق المُجتمعي على القانون، ومن خدمة الناس وتنظيم شؤونهم بالعدل. فقد رفض الإمام الصدر الطغيان التشريعي أو القوانين الجائرة، خاصة تلك التي تُكرّس التمييز أو تُشرّع الظلم، وأكد أن القانون يجب أن يُبنى على أساس الحق والعدل لا القوة والمصالح.
ولهذا قيل: “أعطني قضاء أعطك دولة”، لأنه “عندما ينتهي القانون، أو يُصبح وجهة نظر، يبدأ الطغيان”، ويصبح كل خارج عن القانون قاضيًا، ولا يُمكننا حينها إعادة عقارب الساعة الى الوراء، كما لم ولن يعد الندم يُجدي نفعاً حتى لو استغثنا بالقرآن والإنجيل والقانون، لأن عدم تطبيق العدالة يؤدي إلى نتائج خطيرة على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- إنهيار مبدأ سيادة القانون: لأن العدالة هي الركيزة الأساسية لسيادة القانون، فعندما تُعطَّل أو تُطبَّق بشكل إنتقائي، يُفرغ القانون من مضمونه وتصبح السلطة خاضعة للأهواء والإعتبارات الخاصة.
2- إضعاف مفهوم المواطنة: لأنه حين لا يتساوى الأفراد أمام القانون، يشعر البعض أنهم مواطنون من درجة ثانية، مما يخلق تمييزاً خطيراً.
3- إضعاف الثقة بالقضاء والمؤسسات: لأن غياب العدالة يؤدّي إلى إنعدام الثقة بالسلطة القضائية وسائر مؤسسات الدولة، فيتحوّل المواطن من مُلتزم بالنظام العام إلى ناقم عليه، وهو ما يفتح الباب أمام الفوضى.
4- إنتشار الظلم والفساد: لأن غياب العدالة يسمح للقوي بالتسلّط على الضعيف، ويُعطي مساحة لنفوذ المال والسلطة بدلاً من حكم القانون، ما يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون المكرّس في الدستور والمواثيق الدولية.
5- زعزعة السلم الأهلي: لأن الظلم يولّد النقمة، والنقمة قد تتحوّل إلى إحتجاجات وعصيان أو حتى الى نزاعات داخلية.
6- الهجرة والعزوف عن المشاركة: لأن غياب العدالة يدفع بأصحاب الكفاءات إلى الهجرة بحثاً عن بيئة تحترم حقوقهم، ما يؤدي إلى عزوف الناس عن المشاركة في جميع الإستحقاقات لا سيما الإنتخابية والسياسية.
7- تأخر التنمية: لأنه لا يمكن أن تزدهر بيئة إقتصادية أو إجتماعية في ظل غياب العدالة، إذ تصبح العلاقات قائمة على المحسوبيات لا على الكفاءات.
وعليه، فالعدالة ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي شرط أساسي لبقاء الدولة واستقرار المجتمع ولتعزيز إستقلالية السلطة القضائية وضمان تطبيق مبدأ المساواة أمام القانون دون تمييز أو استثناء ولمكافحة الفساد والرقابة على أداء المؤسسات ما يوجب نشر ثقافة العدالة والشفافية في التعليم والإعلام لضمان وعي مجتمعي داعم.
(نشرت هذه المقالة في النسخة الورقية من مجلة محكمة – العدد 53 – تشرين الثاني 2025)
“محكمة” – الثلاثاء في 2025/11/11



