أبحاث ودراسات

مبدأ مساواة اللبنانيين أمام قانون الإنتخاب/فاطمة دبوس

فاطمة دبوس*:
في البداية برزت فكرة المساواة l’égalité مع الثورة الفرنسيّة عام 1789 كردّ فعل طبيعي للوضع الذي كان سائداً حينها من تفاوت بين طبقات الشعب.
وقد حاولت الثورة القضاء على ذلك عبر جعل القانون سنداً للمساواة بين جميع أفراد الشعب، بحيث إنّ هؤلاء يتساوون أمام القانون في مركزٍ واحدٍ. وبذلك تكون الثورة الفرنسيّة حوّلت الفكرة إلى مبدأ يقع في طليعة مبادئها إلى جانب الحريّة والإخاء.
يعدّ مبدأ المساواة من المبادئ العامة للقانون، ويرتكز على أساسٍ من الفلسفة السياسيّة للديمقراطيّة باعتبار أنّ الحريّة لا توجد ما لم تكن متاحةً للجميع، فلا ديمقراطيّة بغير حريّة، ولهذا يعدّ مبدأ المساواة أحد دعائم دولة القانون على أساس أنّ سيادة القانون لا تعلو ما لم يطبّق على قدم المساواة(1).
وتعني المساواة أمام القانون إنطباق القاعدة القانونيّة على جميع أصحاب المراكز القانونيّة المتماثلة، بحيث يتمتّع جميع هؤلاء بالحقوق والواجبات السياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة والثقافيّة دون تمييز بينهم لأيّ سببٍ كان.
كفلت هذا المبدأ معظم الدساتير حول العالم، ومن بينها الدستور اللبناني بموجب الفقرة “ج” من مقدّمته، وأيضاً في المادة السابعة(2) منه. وبالتوازي، حرصت الأمم المتّحدة على التمسك به وإعطائه أولويّة من خلال المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(3)، كما في العديد من العهود والمواثيق الدوليّة.
فقد جاء في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة أنّ حقّ الإنتخاب يجب أن يتّصف بالدوريّة والنزاهة والمساواة والعموميّة والسرّيّة. من هنا باتت المساواة إحدى المعايير الدوليّة الواجب توفّرها ومراعاتها في الإنتخاب.
صادق لبنان على هذا العهد في العام 1972، وبات لزاماً عليه أن يضمن معيار المساواة في الإنتخاب بموجب تشريعاته. هذه الضمانة والمراعاة لمبدأ المساواة بين الناخبين -على وجه الخصوص- كان قد كرّسها المجلس الدستوري اللبناني في العام 1996 بموجب قراره رقم 4، وعلى ذلك سار الإجتهاد.
وصدر قانون الإنتخابات النيابيّة رقم 44 بتاريخ 2017/6/14، وهو القانون المعمول به حالياً في البلاد.
وتأسيساً على ذلك، فإنّه من المفيد معالجة التساؤل التالي:
ما مدى مراعاة قانون الإنتخابات النيابيّة رقم 2017/44 لمعيار المساواة العالمي سواء بالنسبة للمرشّحين أنفسهم أو بالنسبة للناخبين؟
حرص المشرّع اللبناني بموجب القانون 2017/44 على تكريس المساواة بين الناخبين الذين تتوافر فيهم شروط الإقتراع في المادة 3 منه. وفي نفس الصدد، ساوى المشرّع الإنتخابي في المادة 7 معطوفة على المادتين44 و45 من قانون الإنتخاب بين المرشّحين لعضويّة مجلس النواب عبر سنّه شروطاً موحدّة تنطبق عليهم جميعاً، وتظهر المساواة بشكلٍ جلي بموجب تحديد رسم الترشيح البالغ 30 مليون ليرة بالنسبة لأيّ مرشّح.
وتعتبر المادتان 59 و 60 إنتخاب الشكل الأمثل التي يتمظهر من خلالها مبدأ المساواة بين المرشّحين عبر تنظيم الإجراءات والأصول الواجب عليهم اتّباعها بالنسبة للتمويل والإنفاق وفتح حساب الحملة وتعيين مدقّق الحسابات. ثمّ حدّدت المادة 61 المعدّلة من قانون الإنتخاب قسماً ثابتاً مقطوعاً للإنفاق هو عبارة عن سقف إنفاق ثابت مساوٍ بين جميع المرشّحين قدره 750 مليون ليرة لبنانية لكلّ مرشّح وأيضاً بالتوازي بالنسبة للوائح قدره 750 مليون ليرة لبنانيّة عن كلّ مرشّح ينتمي إلى لائحة(4).
أضف إلى ما تقدّم، وجود الفصل السادس من القانون الإنتخابي كضمانة للمساواة بين جميع المرشّحين واللوائح في الظهور الإعلامي والترويج الإعلاني لأفكارهم ولحملاتهم الإنتخابيّة. ولا ننسى المادة 90 إنتخاب التي أكّدت حقّ كلّ مرشّح أن يكون له مندوب ثابت في كلّ قلم اقتراع.
لكن في المقابل، هذا التشريع الإنتخابي نفسه الذي أقرّ مبدأ المساواة أمامه، عاد وأخلّ بهذا المبدأ في أكثر من موضع، نذكر منها:
1- جاءت المادة 8 إنتخاب لتذكر حالات عدم الأهليّة للترشيح، بحيث منعت من الترشيح مجموعة من الأشخاص هم أعضاء المجلس الدستوري، القضاة، موظّفي الفئتين الأولى والثانية، العسكريين، رؤساء وأعضاء مجالس الإدارة المتفرّغين في المؤسّسات العامة، رؤساء ونوّاب رؤساء أعضاء المجالس البلديّة واتحاداتها، إضافة إلى رئيس وأعضاء هيئة الإشراف على الإنتخابات، وذلك خلال مدّة قيامهم بمهامهم أو وظائفهم إلّا بعد تقديم استقالاتهم. هذه المادة مسّت بمبدأ مساواة هذه المجموعة المذكورة أعلاه مع الوزراء الذين يبقى لهم الحقّ في الترشيح بالتوازي مع استمرارهم في ممارسة مهامهم الوزاريّة دون انقطاع أو استقالة – والأمثلة على ذلك كثيرة أهمّها ترشّح وزراء الخارجية والداخلية للإنتخابات، هذا الأخير الذي أولاه القانون مهمّة إدارة العمليّة الإنتخابيّة عبر التنسيق مع هيئة الإشراف ومواكبة أعمالها وترؤس اجتماعاتها…-. فإذا كان همّ وتخوّف المشرّع من جرّاء نصّ المادة 8 هو عدم استغلال هذه المجموعة المذكورة لنفوذها الوظيفي لمصلحتها الشخصيّة في الإنتخابات، كيف به ألاّ يتخوّف بالتوازي من استغلال الوزراء المرشّحين لنفوذهم ولامتيازاتهم وللمال العام لمصلحة حملاتهم الإنتخابيّة؟!
2- نصّت الفقرة الثانية من المادة 61 المعدّلة من قانون الإنتخاب على قسم متحرّك للإنفاق يرتبط بعدد الناخبين في الدائرة الكبرى التي ينتخب فيها وقدره 50 ألف ليرة لبنانيّة عن كلّ ناخب من الناخبين المسجّلين في قوائم الناخبين في الدائرة الإنتخابيّة الكبرى. ولتوضيح مدى إخلال هذه الفقرة بمبدأ المساواة بين المرشّحين وبين الناخبين أيضاً سنورد المثليْن التاليين:
أ‌- بالنسبة للمرشّحين: إنّ الدوائر الإنتخابيّة الخمسة عشر في لبنان مقسّمة بشكلٍ غير متكافئ من حيث عدد الناخبين، فلا معيار موحّد لتقسيمها بالشكل الموجودة عليه، ممّا يؤدّي إلى الإختلاف في سقف الإنفاق المتحرّك من دائرة إلى أخرى. على سبيل المثال: عدد الناخبين في دائرة الجنوب الأولى أيّ صيدا-جزين، هو 129317 ناخباً بينما عدد الناخبين في دائرة الجنوب الثالثة أيّ بنت جبيل-النبطيّة-مرجعيون وحاصبيا هو 497621 ناخباً. وبعمليّة حسابيّة بسيطة، نضرب القسم المتحرك أيّ 50 ألف ليرة لبنانيّة بعدد ناخبي كلّ من الدائرتيْن أعلاه، يظهر الفرق الشاسع في الإنفاق ممّا يؤدّي إلى الإخلال بمبدأ المساواة بين مرشّحي دائرة الجنوب الثالثة ودائرة الجنوب الأولى لمصلحة مرشّحي الدائرة الثالثة.
ب‌- بالنسبة للناخبين: إنّ التقسيم غير المتكافئ للدوائر الإنتخابيّة أدّى إلى ضرب مبدأ المساواة بين الناخبين لناحية الإختلاف في وزن الأصوات الإنتخابيّة من دائرة لأخرى. فمبدأ المساواة بين الناخبين الذي كان قد أقرّه المجلس الدستوري اللبناني بموجب القرار رقم 96/4 يعني أن يُعطى لكلّ صوت القيمة المتساويّة مع أصوات باقي المواطنين(5). ومن الضروري الإشارة هنا إلى أنّ الجدول رقم 1 الملحق بالقانون رقم 2017/44 يقرّ صراحةً عدم المساواة في توزيع المقاعد النيابيّة على الدوائر الإنتخابيّة. مثال عن ذلك: عدد المقاعد الإنتخابيّة لدائرة جبل لبنان الرابعة أيّ الشوف-عاليه هو 13 مقعداً، في حين أنّ عدد مقاعد دائرة الجنوب الأولى هو 5 مقاعد. وإن كان البعض سيعتبر أنّه من الطبيعي أن يكون التوزيع على هذا النحو من منطلق أنّ عدد ناخبي دائرة جبل لبنان الرابعة هو 346561 ناخباً، في حين أنّ عدد ناخبي دائرة الجنوب الأولى هو 129317 ناخباً ، فجوابنا حتماً سيكون أنّ عدد الناخبين في دائرة الجنوب الثالثة يفوق عدد الناخبين في دائرة جبل الرابعة، ويبلغ 497612 ناخباً وعدد مقاعد هذه الدائرة-أيّ الجنوب الثالثة- هو فقط 11 مقعداً. فأيّ معيار اعتمد المشرّع لتوزيع هذه المقاعد سوى المعيار الطائفي؟
3- صحيح أنّ الدستور اللبناني في المادة 24 منه نصّ على توزيع المقاعد النيابيّة بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، ونسبياً بين الطوائف والمناطق. وحيث إنّ الجدول رقم 1 الملحق بقانون الإنتخاب رقم 2017/44 يوزّع المقاعد بين الطوائف في البلد، فيتمثّل بموجبه على سبيل المثال الموارنة بـ34 نائباً، والسنة بـ27 نائباً والشيعة بـ27 نائباً. لكن يظهر من خلال أرقام ناخبي كلّ طائفة في الإنتخابات النيابيّة الأخيرة التي جرت في 15 أيّار 2022 أنّ نسبة الناخبين الموارنة بلغت 18.75%، والسنّة 29.66% والشيعة 29.13%، ممّا يعني أنّ وزن الأصوات السنيّة أو الشيعيّة هي أقلّ من وزن الأصوات المارونية، ممّا يضرب مبدأ المساواة من منطلق تمثيلي طائفي بحت يخفي هواجس بعيدة كلّ البُعُد عن رابطة المواطنة.
4- الفقرة الأولى من المادة 62 من قانون الإنتخاب حظّرت تقديم خدمات أو دفع مبالغ للناخبين أثناء الحملة الإنتخابيّة. ثمّ عادت وبشروط في الفقرة الثانية من نفس المادة أباحت التقديمات والمساعدات من قِبل المرشّحين للناخبين. في الحقيقة، المشرّع أخلّ عبر الفقرة الثانية بمبدأ المساواة بين المرشّحين كون المرشّح الذي يمتلك جمعيّة أو مؤسّسة تقدّم خدمات له الأفضليّة عند الناخب الذي يستفيد من هذه التقديمات والمساعدات على حساب المرشّح الآخر الذي قد لا يمتلك القدرة على تقديم مثل هذه الخدمات، لكنّه في المقابل قد يكون هو أكثر كفاءة ومهارة وخبرة في التشريع وإدارة الشأن العام. إنّ اختيار الناخبين في أغلب الأحيان -للأسف- لا يكون على أساس البرامج الإنتخابيّة والمهارات الشخصية للمرشّحين إنّما من منطلق زبائنيّة سياسيّة.
إنطلاقاً ممّا تقدّم، يظهر بأنّ قانون الإنتخاب ضَمِن مبدأ المساواة الإنتخابيّة والسياسيّة في أكثر من نصّ، لكنّه في المقابل عاد وشوّهه، هذا التشويه أو الخلل لم يكن طفيفاً أو عابراً، بل مؤسّساً ومرتكزاً ومكرّساً للزبائنيّة و/أو للطائفيّة. فعلى المشرّع وانطلاقاً من أهميّة هذا المبدأ في قانون الإنتخاب -على وجه التحديد- سدّ الثغرات وإصلاح الخلل في النصّ، لأنّ هذه المساواة هي أساس الديمقراطيّة الحقيقيّة وكفالة للحريّة والعدالة.
الهامش:
1- صالح الفرجاني، “مبدأ المساواة أمام القانون وتطبيقاته في القانون الليبي”، منشور في مجلة العلوم القانونية والشرعية، العدد السادس، يونيو 2015، ص 229.
2- تنص المادة 7 من الدستور اللبناني على أنّ كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتّعون بالسواء بالحقوق المدنيّة والسياسيّة ويتحمّلون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم.
3- تنصّ المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنّ الناس جميعاً سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حقّ التمتّع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حقّ التمتّع بالحماية من أيّ تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أيّ تحريض على مثل هذا التمييز.
4- كانت المادة 61 من قانون الإنتخابات النيابيّة اللبناني رقم 2017/44 قبل تعديلها في 2021/11/3 تنصّ على قسم ثابت مقطوع قدره 150 مليون ليرة لبنانيّة لكلّ مرشّح، ومثلها لكلّ لائحة عن كلّ مرشّح فيها .
5- حسين عبيد وصالح طليس، القانون الدستوري العام، الطبعة الثانية، دار المنهل اللبناني، بيروت، 2017، ص 187.
* ماجستير بحثي في القانون العام من الجامعة اللبنانية.
“محكمة” – السبت في 2022/8/6

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!