تعميم يمنع العمل في الدوائر العقارية لمدة ١٢ عامًا/ نسرين نجد
المحامية نسرين فوزي نجد:
جانب معالي وزير المالية الأستاذ ياسين جابر المحترم
الموضوع: مراجعة قانونية واقتراح تعديل بخصوص القرار رقم 127/1 تاريخ 2026/2/20 شروط تنفيذ عقود بيع العقارات غير المبنية
المرجع: القرار رقم 127/1 الصادر عن وزارة المالية – المتعلّق بشروط تنفيذ عقود بيع العقارات غير المبنية واحتساب مهلة الـ12 سنة (لإعفاء الملكية).
تحية وبعد،
بالإشارة إلى الموضوع والمرجع المذكورين أعلاه، وحيث إن القرار رقم 127/1 قد استحدث شروطاً وضوابط جديدة لتنفيذ عقود البيع العقارية، لا سيما في ما يتعلق بآلية احتساب مدة الـ 12 سنة كشرطٍ أساسي للإعفاء أو لتحديد الأعباء الضريبية؛
وانطلاقاً من الثقة بالدور الريادي لوزارتكم الموقرة في موازنة المصلحة المالية للدولة مع حقوق المواطنين والاستقرار الاقتصادي، وحرصاً منا على فعالية النصوص القانونية وعدم انحرافها عن الغايات التشريعية التي وُجدت لأجلها؛
نتوجه إلى معاليكم بهذه المراجعة القانونية، لنعرض من خلالها بعض الثغرات والآثار السلبية الناتجة عن هذا المقتضى، متمسكين بتقديم مقترحات بديلة تخدم المصلحة العامة وتصون حقوق المواطنين وفقاً لما يلي:
“أولاً: في تكريس مبدأ عدم رجعية القرارات وحماية الحقوق المكتسبة
إن إخضاع العقود المنظمة والموقعة قبل صدور القرار رقم 127/1 لمفاعيل مهلة الـ 12 سنة المستحدثة، يُعد مخالفة صريحة لمبدأ “عدم رجعية القوانين والقرارات الإدارية”؛ فلا يجوز تحميل المشتري أو البائع أعباءً مالية أو ضريبية لم تكن قائمة وقت نشوء الحق التعاقدي، إذ إن ذلك يشكل عبئاً مالياً مفاجئاً لم يكن في حسبان المتعاقدين وقت التعاقد. وحيث إن استقرار التعاملات المالية يرتكز أساساً على مبدأ “توقع الأعباء”، فإن فرض رسوم إضافية أو الحرمان من إعفاءات قائمة بناءً على نص مستحدث، من شأنه أن يمس بجوهر الأمان القانوني ويضر بمبدأ حسن النية في التعاملات العقارية.
بناءً عليه، ومن أجل حماية الاستقرار القانوني وحقوق الأفراد، نرى وجوب بقاء العقود المبرمة قبل تاريخ 20/2/2026 محكومةً حصراً بالنصوص التي كانت سائدة وقت تنظيمها، دون أن تسري عليها أي مفاعيل رجعية للقرار الحالي.”
ثانياً: في الأثر الاقتصادي والمَسّ بالحقوق الدستورية في ظل الأزمة الراهنة
إن فرض مهلة الـ 12 سنة في ظل الظروف الاستثنائية والانهيار الاقتصادي الذي يمر به لبنان، سيؤدي إلى تداعيات خطيرة تتجاوز مجرد التنظيم الضريبي، لتطال جوهر الاقتصاد الوطني وحقوق الأفراد، وذلك وفقاً لما يلي:
1. جمود السوق العقاري وتراجع إيرادات الخزينة: إن فرض قيد زمني بهذه الطول سيؤدي حتماً إلى تجميد السيولة في القطاع العقاري الذي يُعدّ المحرك الأساسي لما تبقى من نشاط اقتصادي. فحين يُحجم المستثمرون والمواطنون عن الشراء خوفاً من العبء الضريبي الممتد، ستتوقف حركة التداول؛ وهذا بدوره سيؤدي إلى مفعول عكسي يتمثل في تراجع الإيرادات الضريبية الإجمالية (لا سيما رسوم التسجيل العقاري)، مما ينعكس سلباً على الخزينة العامة بدلاً من رفدها، ويحرم الدولة من تدفقات مالية هي بأمسّ الحاجة إليها اليوم.
2. الإضرار بمصالح المواطنين والمساس بالحقوق الدستورية: في ظل انعدام التسهيلات المصرفية وتدهور الأوضاع المعيشية، يضطر الكثير من المواطنين لبيع عقاراتهم لمواجهة ظروف قاهرة أو لتأمين سيولة معيشية. إن إثقال كاهل هؤلاء برسوم مرتفعة نتيجة مهلة الـ 12 سنة يحوّل عملية البيع من وسيلة إنقاذ إلى خسارة مالية فادحة. إن هذا المقتضى يمس مباشرة بـ “حق الملكية” المكرس في الدستور اللبناني، والذي يفرض حماية الملكية الفردية وعدم إرهاقها بقيود تجعل منها عبئاً بدلاً من أن تكون حقاً قابلاً للتصرف بحرية وعدالة.
3. تفاقم الأزمة الاقتصادية: إن القطاع العقاري هو “الملاذ الأخير” للادخار والاستثمار في لبنان حالياً. وأي قرار يؤدي إلى عرقلة هذا القطاع سيساهم في زيادة الركود الاقتصادي وتعميق الأزمة، بدلاً من اجتراح حلول تحفز حركة الأموال وتدعم عجلة النمو.
ثالثاً: في مسؤولية الإدارة عن تأخر التسجيل وسقوط المهل الضريبية
من الناحية الواقعية والقانونية، لا يجوز أن يتحمل المواطن تبعات تقصير أو تعطل المرفق العام. وحيث إنه لا يغيب عن بال معاليكم أن الدوائر العقارية (لا سيما في محافظة جبل لبنان) قد عانت من إقفال قسري دام قرابة العامين، ناهيك عن النقص الحاد في الكادر البشري والمستلزمات اللوجستية التي تقع مسؤولية تأمينها على عاتق الإدارة؛
وحيث إن هذه الظروف القاهرة قد أدت قسراً إلى تأخير تسجيل العقود، أو دفع المواطنين إلى الاكتفاء بـ “التسجيل الاحتياطي” أو تنظيم عقود بيع لدى كاتب العدل بانتظار إعادة فتح الدوائر؛
لذا، فإنه من غير المنطقي، بل ومن غير القانوني، أن يُعاقب المواطن على “بطء المرفق العام” عبر احتساب تاريخ التسجيل المتأخر كأساس لسريان مهلة الـ 12 سنة. إن إرادة التملك قد انعقدت واستقرت عند تنظيم العقد الثابت التاريخ، والـتأخير في الإجراءات اللاحقة هو نتاج خلل إداري لا يد للمواطن فيه.
“بناءً عليه، وحرصاً على التوازن العقدي بين الأطراف، يقتضي العدل والإنصاف حصر تطبيق مفاعيل هذا القرار بالمستقبل فقط، أي من تاريخ صدوره ونشره؛ وبحيث لا يسري بأي شكل من الأشكال بمفعول رجعي على العقود السابقة له.
ويأتي هذا المطلب من منطلق أن إرادة المتعاقدين (البائع والمشتري) قد انعقدت وتمت على أساس المعطيات القانونية والمالية التي كانت سائدة وقت تنظيم العقد. لذا، نقترح وجوب إبلاغ الكتاب العدل رسمياً بمضمون هذا القرار فور صدوره، ليتسنى لهم إعلام المراجعين وأطراف العلاقة بمفاعيله الجديدة وتضمينها في صلب عقودهم. فبهذه الطريقة فقط، يكون المتعاقدون على بيّنة من أمرهم، وتتم الاتفاقات بينهم بناءً على أعباء ضريبية معلومة مسبقاً، مما يحقق الشفافية ويمنع نشوب نزاعات قانونية مستقبلية ناتجة عن تحميل أحد الأطراف أعباءً لم تكن ملحوظة وقت الاتفاق.”
طلب استثناء العقود والطلبات المتأثرة بإقفال مبنى القاضي العقاري من مفاعيل القرار رقم 127/1 تاريخ 2026/2/20
لما كان من الثابت والمشهود، أن مبنى القاضي العقاري قد استمر مقفلاً لمدة تتجاوز العام الكامل، ليس بسبب إضراب أو عطل عابر، بل نتيجة تصدعات إنشائية جسيمة تهدد السلامة العامة، وهو أمر يقع تماماً ضمن نطاق مسؤولية الدولة في صيانة مرافقها؛
بناءً عليه، يهمنا عرض الحيثيات القانونية التالية:
1. انعدام الخطأ الشخصي للمواطن: إن التأخير الحاصل في إنجاز المعاملات لم يكن نتاج تقاعس من أصحاب العلاقة أو إهمال منهم، بل كان نتيجة مباشرة لتعطل المرفق العام “قسراً”. فالمواطن الذي استكمل مسوغاته القانونية وجد نفسه أمام أبواب موصدة وقصور إداري في تأمين بديل طوال تلك المدة.
2. مبدأ القوة القاهرة والحدث المفاجئ: إن تصدع المبنى وإقفاله بقرار رسمي يشكل حالة قانونية تندرج تحت مفهوم “القوة القاهرة” التي توقف سريان المهل وتسقط مفاعيل التأخير، إذ لا يمكن إلزام المواطن بالمستحيل أو تحميله تبعات إهمال الدولة في ترميم مرافقها أو تأمين مراكز بديلة.
3. تقاذف المسؤوليات بين الوزارات: إن غياب المبادرة من الوزارات المعنية طوال عام كامل لرفع الضرر عن المواطنين، وانشغال الجهات الرسمية برمي المسؤوليات على عاتق بعضها البعض، لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لمعاقبة المواطن “بالغرامات أو بتدابير تراجعية” تزيد من وطأة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية عليه.
4. تحقيق العدالة والإنصاف: إن القرار بوضعه الحالي، دون استثناء هذه الفئة المتضررة، يتسم بالاحجاف ويفتقر إلى روح العدالة، كونه يساوِ بين من قصر في واجباته وبين من منعه تقصير الدولة نفسه من تحصيل حقوقه.
بناءً على ما تقدم، نقترح على معاليكم تعديل القرار وفقاً لما يلي:
1. حصر سريان المفعول: التأكيد على أن سريان مفاعيل القرار رقم 127/1 يبدأ حصراً من تاريخ صدوره ونشره، بحيث لا يُطبق إلا على العقود التي تُنظم بعد هذا التاريخ، مع الإعفاء التام والناجز لكافة العقود المنظمة قبل تاريخ 2026/2/20 من مهلة الـ 12 سنة المستحدثة، حمايةً للحقوق المكتسبة واستقرار المعاملات.
2. تخفيض المهلة: تقليص مهلة الـ 12 سنة لتصبح (3 سنوات أو 5 سنوات كحد أقصى)، وهي مدة كافية لتمييز الاستثمار العقاري المنتج عن المضاربات السريعة، مما يحرك العجلة الاقتصادية.
3. إبلاغ الدوائر المختصة: تعميم هذا التوجه على كتاب العدل والدوائر العقارية، لضمان إعلام المواطنين (بائعين ومشترين) بالأعباء الجديدة مسبقاً قبل توقيع أي عقد جديد، مما يحقق الشفافية ويمنع المفاجآت المالية التي تضر بمصالح الأفراد.
4. مراعاة الظروف الاستثنائية: أخذ واقع إقفال الدوائر العقارية القسري (لا سيما في جبل لبنان) بعين الاعتبار، بحيث لا يُضار المواطن من تأخير ناتج عن تعطل المرفق العام، واعتبار تاريخ تنظيم العقد لدى كاتب العدل هو المرجع القانوني الوحيد لسلامة نية المتعاقدين.
5. صون مبدأ الثقة المشروعة: العودة عن مفاعيل القرار بالنسبة للعقود والمعاملات التي ثبت تنظيمها أو وجودها لدى (القاضي العقاري) خلال فترة الإقفال القسري، واستثناؤها من أي أعباء أو رسوم إضافية ناتجة عن تأخير لا يد للمتعاقدين فيه، وذلك تكريساً لمسؤولية الدولة عن استمرارية المرفق العام وحمايةً لحقوق المواطنين من آثار التعطيل الإداري.
معالي الوزير، إن دور وزارة المالية يوازن دائماً، وبحكمة، بين ضرورة رفد الخزينة العامة وبين حماية القوة الشرائية وتنشيط الحركة الاقتصادية للمواطنين. لذا، فإننا نضع هذه المقترحات بين أيديكم، واثقين تماماً بحكمتكم وسداد رؤيتكم في إعادة النظر في مقتضيات هذا القرار، بما يؤمن العدالة الضريبية ويحمي المواطن من الأعباء غير المتوقعة، وفي الوقت ذاته، يمنع خلق عوائق أمام القطاع العقاري الذي يُعدّ ركيزة أساسية في اقتصادنا الوطني، وبما يضمن الحفاظ على انتظام المالية العامة واستقرارها.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/5/5



