أبحاث ودراسات

جرم إساءة استعمال أموال الشركة في القانون التجاري اللبناني/صفاء مغربل

الدكتورة صفاء مغربل*:
تعتبر الشركة المساهمة من أبرز المؤسّسات القانونية التي تلعب دوراً أساسياً في اقتصاديات الدول، وهي ركيزة في الحياة الإقتصادية، إذ تُعتبر معياراً تقييميّاً لمدى قوّة الدولة لما لها من أثر مباشر على اقتصادها.
ونظراً لما تتمتّع به هذه الشركات المحدودة المسؤولية من مزايا متعدّدة فهي تجذب أصحاب رؤوس الأموال لتوظيف أموالهم فيها، إعتقاداً منهم بأنّ دائني الشركة سيكتفون بذمّة الشركة دون العودة على ذممهم الخاصة ، ممّا يؤدّي إلى التمادي في إنشاء المشاريع التي ربّما لا تتناسب مع مقدّماتهم في رأسمال الشركة ، آخذين بالحسبان بأن إفلاس الشركة لا يؤدّي إلى إفلاسهم ولا يطال ذممهم المالية، إلّا أنّ هذه المزايا سرعان ما تنقلب إلى عيوب لأنّها، من جهة ، تقلّص ضمانات الدائنين ، ومن جهة أخرى، تزعزع الثقة بالشركة.
أضف إلى ذلك أنّ العديد من هذه الشركات تواجه صعوبات بسبب تعسف وهيمنة أصحاب القرار على مقدراتها الإئتمانية من أجل تحقيق المكاسب الشخصية على حساب المساهمين والدائنين، وبسبب سوء الإدارة وإساءة الأمانة والتلاعب بميزانيّتها والتعسف باستعمال السلطة …. هذه الأسباب وغيرها تُسمّى بالفساد المالي والإداري لعلّة ضعف أو غياب الجهات الرقابية والمحاسبية المخوّلة القيام بذلك.
لذلك كان لا بدّ للمشرّع اللبناني من أخذ المبادرة لنفض غبار الماضي عن بعض نصوص القانون التجاري من أجل إرساء قواعد جديدة تهدف إلى تحفيز وإنعاش البيئة الإقتصادية وتطهير الإدارة من الفساد والتعسف باستعمال السلطة وتطوير آلية عمل مجلس الإدارة ، مما يسمح لنا بالقول بأنه آثر على دخول نادي الحوكمة الرشيدة من خلال التعديلات التي أدخلها على القانون التجاري بموجب القانون رقم 2019/126.
وبهدف تحقيق شروط السلامة العام للذمّة المالية للشركة والحفاظ على ملاءتها وعلى الثقة التجارية بها من قبل البيئة التجارية ، كان لا بدّ من سنّ ضوابط وقواعد جبرية يتحقّق من خلالها غاية وهدف الحوكمة الرشيدة التي يفترض بها تحقيق مبادئ الردع ومنع التساهل في استعمال أموال الشركة تحت طائلة العقوبات الجزائية.
إلّا أنّ الحوكمة هي عبارة عن مجموعة من المبادئ الأخلاقية والسلوكية، وإذا طُبّقت تشكّل نظام مناعة وحماية، وبإمكاننا القول بأنّها “لقاح ضدّ الفيروسات التي تؤدّي إلى إضعاف نشاط الشركة وشلّ اقتصادها”.
تعدّدت التعريفات حول مفهوم الحوكمة إلّا أنّها جميعها تصبو إلى اتباع نهج إداري يحافظ على التوازن بين الأهداف الإقتصادية والإجتماعية باتباع أساليب علمية وفنّية تؤدّي إلى رفع كفاءة الشركة وتنمية قدراتها التنافسية والمحافظة على حقوق مساهمي الشركة ودائنيها والأجراء والمستثمرين فيها.
وتهدف قواعد الحوكمة إلى تحقيق الشفافية والعدالة والإفصاح والمساءلة وضمان الرقابة على الأداء المالي.
ومن أهمّ مميّزات الأساس القانوني للرقابة في حوكمة الشركات هو محاسبة الإدارة وتحديد كيفيّة اتخاذ القرارات وتوزيع السلطات بين مجلس الإدارة والمساهمين وأصحاب المصالح، من أجل الحدّ في تنازع السلطات، ومنع الفساد، وتقليص التعارض في المصالح، والحدّ من استغلال السلطة، والحدّ من تعزيز المصلحة الخاصة على المصلحة العامة.
من هنا، بدأ قانون العقوبات بالتسلّل إلى عالم الإقتصاد والأعمال من جهة، وإلى مجال الشركات التجارية من جهة أخرى، بقصد تحقيق الهدف المنشود وهو الحماية الكافية لرأس المال وضمان حسن سير الشركة والحفاظ على ثقة المستثمرين والمموّلين لها.
ومن أبرز تلك العقوبات هو ما تناوله تعديل القانون التجاري اللبناني رقم 2019/126 في الكتاب الثامن والمتعلّق بالجرائم المالية من خلال نصّ المادة 253 مكرّر1 والمعنون بـ ” جرم إساءة استعمال أموال الشركة”. وهذا الجرم لم يكن معروفاً سابقاً، إذ إنّ الإجتهاد في لبنان كان يقف عاجزاً أمام حالات إساءة رئيس وأعضاء مجلس الإدارة في استعمال أموال الشركة. لأنّ المبدأ العام في القانون الجزائي هو التالي:”لا جريمة ولا عقوبة بدون نصّ”، وكانت المادة 671 من قانون العقوبات اللبناني التي تجرّم وتُطبَّق على فعل إساءة الأمانة تشكّل الملاذ الوحيد أمام القضاء لتجريم هذه الأفعال في حال توفّر شروطها وعناصرها.
وتجدر الإشارة إلى أنّ جريمة إساءة استعمال أموال الشركة تعود نشأتها للقانون الفرنسي الصادر عام 1935 وذلك نتيجةً لفضائح مالية كبرى، غير أنّه قبل ذلك كان القضاء الفرنسي يطبّق جرم إساءة الأمانة على مدراء الشركة.
إنّ إدخال هذه الجريمة في صلب القانون التجاري اللبناني يهدف إلى حماية الذمّة الماليّة للشركة وصيانة مصالح الأطراف المتعاملة معها ووقف هدر أموالها والحدّ من الفساد.
وبرأينا الشخصي، نعتبر تطبيق هذا الجرم على الأفعال المسيئة لمصلحة الشركة واستغلال مقدّراتها، حتّى ولو حصل الإستعمال دون الإستحواذ، بمثابة الأداة الأساسية لتطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة للشركة والتي تعتبر مجموعة من النظم والقواعد التي توجّه وتنظّم النشاط الإقتصادي كما تنظّم الأجهزة المسيّرة لإدارة الشركة.
ما هو المقصود بالحوكمة؟ وما هو الرابط بين الحوكمة وجرم إساءة استعمال أموال الشركة؟
يعتبر سوء الإدارة وتفشّي الفساد أحد أبرز الأسباب التي تؤدّي إلى انهيار الشركة.
في الكثير من الأحيان، يقوم مديرو الشركة بالتلاعب بأموال المساهمين بحيث يقدّمون لهم في بادئ الأمر دراسة الجدوى الإقتصادية لمشروع معيّن، ومن ثمّ يقوم مجلس الإدارة بتوظيف جزء من رأس مال الشركة في هذا المشروع والباقي في مشاريع أخرى، وتعود على المجلس بمنافع شخصيّة، الأمر الذي يؤدّي في الكثير من الأحيان إلى تعثّر مفاجئ للشركة دون معرفة أسبابه.
إنّ عدم وجود مجلس إدارة كفوء وفاعل يؤدّي إلى توسيع الصراعات والمشاحنات الداخلية بين عناصر الفريق القائم بأعمال الشركة، ممّا يؤدّي إلى خسارة رؤوس الأموال وإضعاف نيّة المشاركة وفقدان الثقة من قِبل المساهمين.
من هنا، يجب القول بأنّ الحوكمة الرشيدة في الشركات أضحت ضرورة ملحّة للنهوض بالإقتصاد وإنعاشه. والحوكمة هي نهج إداري يهدف إلى تطهير الإدارة من الفساد من خلال فصل السلطات ما بين رقابية وتنفيذية لأجل تحديد المسؤوليات وكبح لجام المديرين العابثين بذمّة الشركة وإدارتها.
إنّ تطبيق مبادئ الحوكمة هو الحجر الأساس باتجاه إدارة سليمة في الشركة، الأمر الذي يؤدّي إلى الحدّ من استئثار مجلس الإدارة، بمركزية القرار، وبالتالي منع انتشار الفساد الإداري والمالي في الإدارات.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الحوكمة الرشيدة، تكرّس مبدأ الرقابة الفعّالة على مجلس الإدارة ضمن نظام وأُطر المساءلة، المحاسبة على أساس التزام الشركة بسياسة الإفصاح والشفافية عن المعلومات المتعلّقة بحسابات الشركة، الأمر الذي يؤدّي إلى كشف التلاعب والإختلاس، وكلّ تجاوز من قِبل المدراء على مقدّرات الشركة.
ومن هنا يكون للحوكمة دور أساسي في حماية حقوق المساهمين والمموّلين وتشجيع على توظيف رؤوس أموال المستثمرين الجدد.
طبعاً، كلّ هذه المبادئ في طبيعتها هي مبادئ سلوكية وأخلاقية، والتفلّت منها يستوجب العقوبة، لكن كيف يمكن إثبات عدم تطبيق هذه المبادئ؟؟
للإجابة على ذلك، نقول إنّ تطبيق مفهوم جرم إساءة استعمال أموال الشركة يكمن بالكشف عن التجاوزات والمناورات الإحتيالية والتدليس والإستعمال غير المشروع لأموال الشركة، حيث إنّ اتخاذ القرارات في مجلس الإدارة يجب أن يتمّ بحسب الجدوى الإقتصادية التي تبرّر حصوله وتنفيذه، وبالتالي يجب الإفصاح عن النتائج التي توصّل إليها هذا القرار،
وبعد أن تبنّى المشترع اللبناني جريمة إساءة ستعمال أموال الشركة على غرار المشترع الفرنسي، كان لا بدّ من التوقّف عند مفهوم هذا الجرم ومدى ارتباطه بمفهوم حوكمة الشركات؟؟؟
وبمقتضى المادة 253 مكرّر1، التي أضافها المشرّع في الباب الثامن من الكتاب الثاني من قانون 2019/126 والمتعلّق بالتعديلات على قانون التجارة، يكون المشرّع قد أتاح تطبيق مفهوم الحوكمة الرشيدة للشركة دون أن يشير إلى هذا المصطلح بشكل مباشر; والمثير للدهشة هو رغبة المشرّع بفرض عقوبات زجرية ضمن القواعد المتعلّقة بقانون الشركات، وليس ضمن قانون العقوبات الذي يتضمّن الأحكام العامة والخاصة للجرائم، وكأنّه آثر أن تبقى لصيقة للأحكام التي تنظّم وترعى الشركات التجارية التي تـُطبّق عليها بهدف حماية ذمّة الشركة المالية ومصلحتها العليا وتعزيز الشفافية واستبعاد الشخصانية والهيمنة على قرارات الشركة من قِبل القيّمين على إدارتها.
إنّ تطبيق مفهوم جرم إساءة استعمال أموال الشركة يكمن بالكشف عن التجاوزات والمناورات الإحتيالية والتدليس والإستعمال غير المشروع لأموال الشركة كما سبق وذكرنا. فالعلاقة وثيقة ما بين مفهوم الحوكمة الرشيدة وجرم إساءة الإستعمال، لأنّ من أهمّ مبادئ الحوكمة هو إدارة المخاطر والذي يعمل على الكشف المبكر للتدهور أو للثغرات التي تزعزع الوضع المالي والإداري للشركة الذي يمكن أن يؤدّي إلى تعثّرها.
وتؤدّي إدارة المخاطر أو مركزية المخاطر من خلال فريق أو جهاز رقابي يعمل على الفحص الدوري للإستراتيجية الحالية والتي تسلّط الضوء على حجم المديونيّة وعلى القيمة الإسمية للسهم ، ممّا يتيح إزالة الستار عن الأزمات والمشاكل التي قد تطرأ على عمل الشركة وذلك على غرار مركزية المخاطر في مصرف لبنان والتي تسهّل حصول المصارف على معلومات قبل اتخاذ قرار بتسليف طالب القرض.
إنّ الممارسات غير المشروعة، على غرار إساءة إستعمال السلطة أو التعسّف باستعمال الحقّ هما وجهان لعملة واحدة لأنّ الأوّل هو تطبيق للثاني ولا يشكّلان جرماً جزائياً يعاقب عليه القانون خلافاً لما هو عليه الحال في إساءة استعمال أموال الشركة، إنّما هذه الممارسات هي مرتبطة بالتصرّفات المتعلّقة بالحقوق والإمتيازات المهيمن عليها من أصحاب القرار في إدارة الشركة والتي يُراد من خلالها تحقيق مصلحة أكثرية معيّنة على حساب مصلحة الشركة.
وعليه، فإنّ هذه الممارسات غير المشروعة تهدف إلى استغلال السلطة والمركز لأجل تحقيق غاية شخصية معيّنة لا يمكن الحصول عليها بدون تبوّء الشخص لهذا المركز، والغاية منها الإستفادة من مقدّرات ذمّة الشركة ، ممّا يعني أنّ كلّ إساءة في استعمال السلطة سوف يؤدّي حتماً إلى إساءة استعمال أموال الشركة، والعكس صحيح أيّ أنّ الشخص الذي يسيئ إستعمال أموال الشركة، هو حتماً يسيئ إستعمال سلطته.
ما هو المقصود بالمصلحة العليا للشركة وجرم إساءة الإستعمال؟
إنّ جرم إساءة استعمال أموال الشركة يتجسّد بقيام المسؤول أو القيّم على مقدّرات الشركة بالإنجرار وراء غايات شخصية بعيدة كلّ البعد عن الغاية التي عيّن لأجل تحقيقها والسعي للإستئثار بأموال الشركة لإشباع حاجاته عن سوء نيّة وبشكل يتعارض مع مصلحة الشركة.
ولا بدّ لنا من التوقّف عند مفهوم مصلحة الشركة الذي أتت على ذكره المادة 253 مكرّر1 عندما نصّت على أنّه ” يُعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة تتراوح من خمسة وعشرين إلى مئة ضعف الحدّ الأدنى الرسمي للأجور أو بإحدى هاتين العقوبتين ، رئيس وأعضاء مجلس الإدارة والمديرون والمفوّضون بالتوقيع الذين يُقْدمون على الإضرار بالشركة عن سوء نيّة:
أولّاً: باستعمال أموال الشركة أو إمكانياتها الإئتمانية بما يضرّ بمصالحها وذلك لغايات شخصية.
ثانياً: من خلال العمل لمصلحة شركة أخرى أو مؤسّسة أو فرد يكون لأيّ منهم مع أيّ من هؤلاء مصلحة مباشرة أو غير مباشرة.
نستشفّ من قراءة هذا النصّ أنّ المشرّع ذهب إلى التشدّد في حماية مصلحة الشركة من أيّ تصرّف يضرّ بها عن سوء نيّة ولا يصبّ في مصلحتها.
إذاً للقول بوجود جرم إساءة استعمال أموال الشركة يجب أن يكون هذا الجرم متعارضاً مع مصلحة الشركة، لكنّ المشرع اللبناني لم يعرّف مفهوم مصلحة الشركة. ولا يوجد تعريف دقيق لمفهوم مصلحة الشركة بالرغم من تعدّد التعاريف:
منهم من يرى بأنّ مصلحة الشركة هي مصلحة المشروع أيّ المصلحة الإقتصادية والمالية وأنّها لا تقتصر على مصلحة الشركاء فحسب، بل تشمل مصالح الغير الذي ارتبط بعلاقة أو بصلة مع الشركة كالعمّال والدائنين وحتّى الدولة.
ويرى البعض الآخر أنّ مصلحة الشركة مرتبطة بمصلحة الشركاء، وأنّ هلاك أحدهما يؤدّي إلى هلاك الآخر ، وأنّ المعيار الضابط الذي يرعى ويحافظ عل هذه المصلحة هو القضاء الذي يعود له الحكم في ما إذا كانت القرارات المتخذة من قِبل أعضاء مجلس الإدارة أو المديرين تصبّ في مصالحهم الشخصية وتضرّ بمصلحة المساهمين ومصلحة الشركة وتشكّل بالتالي جرم إساءة استعمال أموال الشركة: من هنا نستنتج بأنّ أصحاب هذا الرأي يعرّفون مفهوم مصلحة الشركة من خلال المعيار الرقابي لأعمال القيّمين على إدارتها.
والصعوبة تكمن عندما يُقدم المدير أو رئيس مجلس الإدارة أو المخوّلين بإدارة الشركة على القيام باستخدام أموال الشركة بطريقة غير مشروعة كتقديم الرِشى لخدمة المصلحة الإقتصادية للشركة ومن أجل الحصول على منفعة لها كالحصول على امتياز أو شقّ طريق أو التهرّب من دفع الضريبة. هل تشكّل جرم إساءة إستعمال لأموال الشركة أم لا؟؟؟
إنّ الفقه والإجتهاد في فرنسا منقسمان، والإجابة على هذا التساؤل إختلفت الآراء فيه، حتّى أنّ قسماً من الإجتهاد يرى بأنّ استعمال أموال الشركة بطريقة غير مشروعة ولأجل مصلحة الشركة فإنّه لا يتعارض مع هذه الأخيرة، وقسم آخر من الإجتهاد إعتبر أنّ هكذا تصرّفاً يتعارض مع مصلحة الشركة وبالتالي يشكّل جرم إساءة استعمال أموال الشركة.
ما هي العلاقة بين جرم إساءة الإستعمال والمسؤولية الإجتماعية للشركة؟
يمكننا القول بأنّ جرم إساءة استعمال أموال الشركة يقوم في كلّ مرّة تتعارض المصلحة الإقتصادية للشركة مع كلّ استعمال غير مشروع لأموالها حتّى لو كان يهدف إلى تحقيق مصلحة الشركة لأنّه وبحسب رأينا فإنّ غرض الشركة بشكل عام يهدف إلى تعظيم أرباحها والسعي لاستمراريتها مع الحفاظ على مصالح الغير الذي ارتبط بها بشكل مباشر أو غير مباشر ، وحيث إنّ الدور الإجتماعي والإلتزام الأخلاقي للشركات هو استثمار بحدّ ذاته لأنّه يعود على الشركات بزيادة الأرباح والإنتاج وتقليل النزاعات والإختلافات بين الإدارة وبين العاملين فيها والمجتمعات المتعاملة معها.
ولا يفوتنا الحديث هنا عن أنّ فكرة الشركة في يومنا هذا أصبحت مرتبطة كثيراً بالمجتمع والبيئة حيث أصبحت قضية المساءلة القانونية للشركات في نطاق التزاماتها الإجتماعية أكثر حضوراً وأكثر انتشاراً على صعيد القانون الدولي.
وهنا نقول بأنّ مفهوم المصلحة العليا للشركة يرتكز من جهة على مفهوم المصلحة الإجتماعية المنبثقة عن عقد الشراكة أو الرابطة القانونية كمصدر للإلتزام والمصلحة الإقتصادية ، من جهة أخرى ، التي تعتبر هدفاً أساسياً يدفع بالمساهمين إلى إنشاء تلك الرابطة القانونية في ما بينهم لتحقيق الربح والتي يجب أن تصبّ في مصلحة الشركة وليس فقط مصلحة الشركاء، وإنّما ايضاً مصلحة الدائنين والأجراء والمموّلين وجميع المشاركين لتحقيق هدف الشركة وحمايتها.
ويبقى أن نقول بأنّ المشكلة لا تكمن في تحديد إطار هذا المصطلح (أيّ مصلحة الشركة) إنّما في تحديد وتوصيف الفعل أو العمل الذي يتعارض مع مصلحة الشركة والذي يعود الأمر في ضبطه وتحديده إلى القضاء، خاصة وأنّ جرم إساءة استعمال أموال الشركة لا يزال مجهول الهويّة لدى القيّمين على إدارة الشركة، ولذلك مصطلح حوكمة الإدارة الذي يُعتبر لغزاً يصعب تفكيكه بالنسبة إلى الكثير من رؤساء المجالس والأعضاء والمديرين في الشركات.
ولا بدّ من إضافة مصطلح جديد تمّ إدخاله من المشرّع ضمن التعديلات بموجب القانون رقم 2019/126 وهو على صلة بمفهوم الحوكمة من جهة وجرم إساءة استعمال الأموال من جهة أخرى وهو صاحب الحقّ الإقتصادي.
ما هو الرابط بين جرم إساءة استعمال الأموال ومفهوم صاحب الحقّ الإقتصادي؟
يمكن للفساد الإداري أن يتخذ العديد من الأشكال والأنواع في كلّ مرّة يهدف القائم به إلى تحقيق الإنتفاع المادي أو المعنوي بطرق غير مشروعة من خلال استخدام ذمّة الشركة ” كمغارة علي بابا” أو كواجهة من أجل إخفاء حقيقة معيّنة أو التستّر بالشخص المعنوي أو التمويه من خلال إستخدام مقوّمات الشركة وقدراتها الإئتمانية لارتكاب عمليات مالية غير مشروعة تشكّل جرائم إجرائية تُصنّف ضمن خانة الجرائم المالية: التهرّب الضريبي ، غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وغيرها.
كلّ هذه الإنتهاكات تحصل تحت ستار الشركة كشخص معنوي لإخفاء هويّة المنتفع أيّ صاحب الحقّ الإقتصادي… وتشكّل هذه الإنتهاكات صورة من صور إساءة استعمال أموال الشركة وأنّ مفهوم الإستعمال المنصوص عليه في المادة 253 مكرّر1 لا ينحصر فقط بالإستعمال المادي لأموال الشركة، إنّما أيضاً يشتمل على مقدّراتها الإئتمانية، لأنّ المشترع لم يحدّد طبيعة أو ماهية الأموال، ولا كيفية طرق الإستعمال.
وعليه، يمكن أن تطال إساءة الإستعمال نشاط الشركة وسمعتها والثقة التجارية العائدة لها ، لذلك نرى بأنّ هنالك قاسماً مشتركاً أو صلة وصل بين جرم إساءة استعمال أموال الشركة ومصطلح صاحب الحقّ الإقتصادي الذي أشار إليه المشترع اللبناني في ذات التعديلات.
ونشير في هذا المجال إلى أنّ المشرّع الفرنسي قد ربط بين جريمة إساءة استعمال أموال الشركة والإنتهاكات المتعلّقة بالتهرّب الضريبي، حيث إنّ القانون الفرنسي رقم 2013/1117 فرض عقوبة الحبس حتّى سبع سنوات وغرامة 500 ألف يورو لكلّ من أقدم على إساءة استعمال أموال الشركة في حال القيام بأعمال لها علاقة بالتهرّب الضريبي تحت أيّ ستار كان.
أمّا المشرّع اللبناني وتطبيقاً لمبادئ الحوكمة وتعزيزاً لمبدأ الشفافية والإفصاح ومنعاً لأيّ تهرّب أو صورية أو استغلال أو سيطرة على قرارات الشركة دون الإفصاح عن هويّة القائم أو المستفيد قد فرض بموجب المادة 26 من قانون رقم 2019/126 على الشركات التي لها مركز رئيسي في لبنان أن تسجّل في السجّل التجاري مع تبيان هويّة صاحب الحقّ الإقتصادي، إلّا أنّ المشرّع لم يتطرّق إلى تعريف مصلحة صاحب الحقّ الإقتصادي.
في الواقع، إنّ هذا المصطلح يشير إلى تحديد هويّة الشخص الحقيقي أو مجموعة الأشخاص الذين يملكون أو يتحكّمون في الكيان القانوني للشركة. ويشتمل التعريف بصاحب الحقّ الإقتصادي على الأشخاص الذين يمارسون سيطرة فعّالة على الشخص المعنوي بما فيهم أيضاً الأشخاص الطبيعيين الذين يملكون 20 % من رأسمال الشركة بشكل مباشر أو غير مباشر، ولهم تأثير على عملية صنع القرار في الشركة.
لا شكّ بأنّ هدف المشرّع من تحديد هويّة صاحب الحقّ الإقتصادي هو تأمين سلامة الأمن الإقتصادي وتوفير الحماية لذمّة الشركة من أيّ صورية أو اختلاس أو تلاعب بمقدّراتها، رغبةً منه في المحافظة على مصلحة الشركة وعلى الإقتصاد الوطني.
ونختم بالقول بأنّ المحامي يلعب دوراً أساسياً كمستشار قانوني متخصّص في حوكمة الشركات من أجل استدامة نجاحها واستمراريتها بوجود الشركات الأخرى المنافسة لها، خاصة في مجال تقديم دراسات الجدوى القانونية قبل التعاقد وأثناء التعاقد إنطلاقاً من المهارات الشخصية التي تعكس جدارته مثل مهارة التخصّص والتكوين القانوني السليم ومهارة الذكاء والإنصات والإستماع ومهارة الإقناع .
تبقى مصلحة الشركة الهدف الأساسي لاستمراريتها، وهي الغطاء والوعاء الذي يجمع مصالح كلّ الأطراف الذين تربطهم علاقة مع الكيان القانوني.
ولا يسعنا سوى القول بأنّ البيئة القانونية للأعمال التجارية تستوجب إلتفاتة تشريعية تتلاءم مع المستجدّات والتطورات الإقتصادية إنْ على الساحة الوطنية أو على الساحة الدولية.
*الدكتورة صفاء مغربل هي أستاذة مادة القانون التجاري في كلّية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية – الفرع الأوّل. ومن مؤلّفاتها التي تعتبر مرجعًا في القانون التجاري لخبرتها الواسعة ومراسها الطويل وأبحاثها المعمّقة، نذكر:”القانون التجاري اللبناني – النظرية العامة للشركات التجارية”، و”القانون التجاري اللبناني- الأعمال التجارية والتجّار والمؤسّسة التجارية”، و”القانون التجاري اللبناني- الشركات التجارية – شركات الأموال”. وقد ألقت الدكتورة صفاء مغربل هذا البحث أمام حشد من المحامين في الاستئناف والتدرّج، ضمن محاضرات التدرّج في نقابة المحامين في بيروت وذلك يوم الإثنين الواقع فيه 19 كانون الأوّل 2022 في “بيت المحامي”، وقدّم لها رئيس محاضرات التدرّج في النقابة المحامي الدكتور الكسندر نجّار، وألقت القاضي غادة شمس الدين بحثًا عن الموضوع نفسه.
“محكمة” – الجمعة في 2023/1/6

الدكتورة صفاء مغربل والمحامي الدكتور الكسندر نجار والقاضي غادة شمس الدين

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!