في حق التمديد القانوني الحكمي لمدة اثنتي عشرة سنة لجميع المستأجرين الخاضعين لأحكام القانون 2017/2/فرانسوا ضاهر
القاضي السابق والمحامي فرانسوا ضاهر:
المسألة المطروحة تدور حول معرفة ما إذا كان يحق للمستأجرين الخاضعين لأحكام القانون رقم 2017/2 الإفادة حكماً من حقّي التمديد لإيجاراتهم الأصلي والإضافي معاً المنصوص عليهما بالمادتين ١٥ و ١٦ من القانون المذكور، في ضوء ما هو معمول به من أحكامه؟
أما الجواب فهو يستند الى التالي :
1- إن قانون الإيجارات للأماكن السكنية الصادر تحت رقم 2017/2 والنافذ حكماً بتاريخ 2017/2/28 قد “مدّد لغاية تسع سنوات وللمستفيدين من تقديمات الصندوق لغاية 12 سنة، من تاريخ نفاذ هذا القانون، عقود ايجار الأماكن السكنية على أن يدفع المستأجر قيمة بدل المثل تدريجياً … ” (مادة 15)
2- وقد استقرّ الإجتهاد في لبنان على صواب، بعد طول انقسام في وجهات النظر، على إحتساب السنوات التمديدية سارية من تاريخ نفاذ القانون المذكور، وليس من تاريخ القانون الصادر بتاريخ 2014/5/9 والمنشور في 2014/6/26 والنافذ بتاريخ 2014/12/26، وذلك إستناداً الى حكم المادة 60 منه، التي تقول : ” يُعمل بهذا القانون فور نشره في الجريدة الرسمية.”
3- غير أن المادة 15 منه قد ربطت حق التمديد للمستأجر لغاية تسع (9) سنوات كما لغاية اثنتي عشرة (12) سنة، بدفعه للمؤجر بدل مثل مأجوره، الذي تحدّد قيمته ” بنسبة اربعة بالماية (4%) من القيمة البيعيّة للمأجور في حالته القائمة في ما لو كان خالياً ” (مادة 20)، إما رضاءً وإما قضاءً وفق نص المادة 18 من القانون نفسه، وذلك عن طريق ” اللجنة ذات الطابع القضائي” المنصوص عنها بالمادة 7.
4- كما وإن المادة 16 من القانون نفسه قد أجازت ” للمستأجر الذي يستوفي شروط الإستفادة من تقديمات الصندوق ان يطلب من المالك خطياً قبل حلول أجل العقد (عقد الإيجار الأساسي) في السنة التاسعة الممدّدة بثلاثة أشهر تحرير عقد إيجار جديد له لمدةٍ أقصاها ثلاث سنوات ببدل مساوٍ لبدل المثل شرط أن يثبت خلال المهلة ذاتها حصوله على قرار من اللجنة بأنه يستوفي شروط الإستفادة من تقديمات الصندوق”. بحيث يعود له أن يمارس خياره بطلب التمديد الإضافي هذا، ويتعيّن بالمقابل على المؤجر الرضوخ لهذا الخيار والإلتزام به فيما إذا توافرت شروط ممارسته القانونية الملحوظة في تلك المادة.
5- غير أن السلطة في لبنان لم تنشىء “الصندوق” الذي نصّت عليه المادة 3 من القانون المذكور، والذي ” يهدف الى مساعدة جميع المستأجرين المعنيين بهذا القانون الذين لا يتجاوز معدّل دخلهم الشهري خمسة أضعاف الحدّ الأدنى الرسمي للأجور، وذلك عن طريق المساهمة في دفع الزيادات كليّاً أو جزئياً حسب الحالة، التي تطرأ على بدلات إيجاراتهم تنفيذاً لأحكام هذا القانون. ”
كما لم تنشىء “اللجنة ذات الطابع القضائي” المنصوص عنها بالمادة 7 من القانون، والتي تُعنى بالفصل بالزيادات على بدلات الإيجار (وفق المادة 7)وتحديد بدل مثل المأجور وفق المادة 18)، والبتّ بطلب المستأجر الحصول على مساهمة من الصندوق (وفق المادة 8) أو على مساهمة مالية يدفعها له الصندوق (وفق الفقرة 3 مادة 16).
6- أمام هذه الوضعية إجتهد القضاء في لبنان على إعمال قانون الإيجارات على النحو التالي:
أ- أجاز للمستأجر الإستفادة من حق التمديد القانوني لتسع سنوات، تُحتسب بدءاً من تاريخ إنفاذ القانون 2017/2، وذلك دونما إمكانية إخضاع إيجارته لبدل المثل الذي تحدّده “اللجنة” المنصوص عنها بالمادة 7 من القانون المذكور، في حال لم يصر الى التوافق عليه رضاءً. ودونما إمكانية إفادة المستأجر من مساهمة الصندوق في بدل تلك الإيجارة، الذي نُصّ على إنشائه بالمادة 3 من ذات القانون.
ب- كما أسقط المستأجر من حقّه بالتمديد الإضافي لثلاث سنوات، المنصوص عنه بالمادة 16 من ذات القانون، بحجة عدم ثبوت إستفادته من تقديمات الصندوق التي تكون قد أقرّتها له اللجنة المنصوص عنها بالمادة 7، وعدم قيامه بالطلب من المالك خطّياً، وقبل حلول أجل العقد (الأساسي) في السنة التاسعة الممدّدة بثلاثة أشهر، بتحرير عقد إيجار جديد له لمدةٍ أقصاها ثلاث سنوات، ودونما التوقّف عند عدم تحديد بدل مثل المأجور أو تثبيته بواسطة اللجنة ذاتها عملاً بالمادة 18 معطوفة على المادة 7 من ذات القانون.
7- غير أن هذا المنحى الإجتهادي لا يبدو عادلاً ولا سليماً، لناحية أنه أفاد المستأجرين في لبنان من حق التمديد لتسع سنوات، وحرمهم من السنوات التمديدية الثلاث الإضافية، في ظلّ ذات الوضعية التي تمثّلت: – بعدم وجود صندوق المساعدات المالية – وبعدم وجود اللجنة التي تفصل بقيمة بدل مثل المأجور – وبعدم إمكانية إستفادة هؤلاء المستأجرين من المساعدة المالية التي يقدّمها الصندوق ولا من مساهمته في بدل مثل إيجارتهم. وذلك بفعل تقاعس السلطة عن تكوين هاتين الهيئتين التنفيذيتين اللتين تجيزان حِسِن إعمال وتطبيق أحكام قانون الإيجارات.
بحيث لا يصحّ ولا يجوز حرمان المستأجرين من حق التمديد الإضافي لثلاث سنوات بعد التمديد الأصلي لتسعة، في ظلّ التقاعس والتلكّوء المتأتين عن فعل السلطة (fait du prince) سيما وأن حق التمديد بحدّ ذاته، بشقيه الأصلي والإضافي، قد نصّ عليه بالمادة 15، وقد تمّ ربطه بدفع المستأجر للمؤجر بدل مثل مأجوره نسبةً الى التمديد الأصلي وباستفادة المستأجر من تقديمات الصندوق، الى جانب دفعه للمؤجر بدل مثل مأجوره نسبةً الى التمديد الإضافي.
8- كما وإن الحق الذي منحه القانون للمستأجر بطلب تمديد إيجارته لمدة ثلاث سنوات إضافية، بعد إنقضاء سنوات التمديد التسع الأولى، ببدل مساوٍ لبدل المثل وتوافر شرط حصوله على قرار من اللجنة بأنه يستوفي شروط الإستفادة من تقديمات الصندوق، على ما نصّت عليه المادة 16 من القانون 2017/2، إنما هو حق ملزم بحكم القانون للمؤجر إذا ما وفّر المستأجر شروط ممارسته له.
وإنه إذا ما تعذّر بفعل السلطة، تحديد بدل مثل المأجور والفصل بحق المستأجر بالإستفادة من تقديمات الصندوق لعدم تكوّن “اللجنة” ولعدم إنشاء “الصندوق” الذي يوفّر تلك التقديمات، فإنه لا يمكن إسقاط حق المستأجر بالتمديد الإضافي لثلاث سنوات إذا ما مارسه، على أي وجهٍ كان، بوجه مؤجره.
على غرار ما هي عليه الحال بالنسبة للمستأجر الذي يستفيد من حق التمديد الأصلي لتسع سنوات، المنصوص عنه بالمادة 15 من القانون ذاته، دون ان تكون “اللجنة” قد فصلت قضاءً بتحديد بدل مثل مأجوره، على أساس القاعدة التي نصّت عليها المادة 20 من ذات القانون، ووفق الآلية التي نصّت عليها المادة 18 من القانون إيّاه، لعدم تكوّن تلك اللجنة بفعل السلطة.
9- ولا يرد على ما تقدّم بأن المستأجر لم يراعِ بمعرض ممارسته حقّه بالتمديد الإضافي الصيغة الخطّية والمهلة اللتين نصّت عليهما المادة 16 من القانون، ما يؤدي الى سقوط حقّه هذا. ذلك أنه بعدم توافر شرطيْ بدل المثل وثبوت الإستفادة من تقديمات الصندوق لم يعد من الجائز إشتراط تحقّق الشرط الثالث بمفرده حتى لا يُعتبر الحق بالتمديد الإضافي ساقطاً.
ذلك أن المشترع قد لحظ، من حيث المبدأ، أن حق التمديد القانوني قد يمتدّ الى إثنتي عشرة (12) سنة (مادة 15)، وأنه بفعل السلطة وانتفاء تكوّن “اللجنة”
و”الصندوق” لم يعد بالإمكان التمييز بين فئات المستأجرين، بحيث يقتضي إخضاعهم لذات النظام القانوني عدلاً وإنصافاً. بخاصةٍ عندما يعبّر أحدهم، ولو بأية وسيلة، عن رغبته بالإستفادة من أقصى فترة التمديد القانونية.
10- وإنه، ما دام ذهب القضاء بإجتهاده، الى إمكانية أن يستفيد المستأجر من حق التمديد الأصلي لتسع سنوات من دون أن يتوافر تحقّق شرط بدل مثل مأجوره قضاءً، فيكون عليه أن يفتيَ بالتوازي انه يعود للمستأجر أن يستفيد من حق التمديد الإضافي لثلاث سنوات إضافية في حال لم يتحقّق أي من الشروط الثلاث المتكاملة (conditions complémentaires) المنصوص عنها بالمادة 16. لا سيما، بدل المثل المُثَبَّت قضاءً، ثبوت إستفادة المستأجر من تقديمات الصندوق قضاءً، كتاب المستأجر بالمطالبة بالتمديد، وذلك كله ضمن المهلة الواردة في متنها.
ذلك أنه لا يصحّ أن يجتهد القضاء عند فصله بذات الوضعية القانونية التي تختصّ بفئتيْ المستأجرين، على نحو يتّسم بالتمييز والتفرقة وإنزال العقاب المدني (الإسقاط من الحق) بفئة دون أخرى. ما دام ثابتاً أن جميعهم هم من فئة المستأجرين، الذين مُدِّدت إيجارتهم دونما تحديد قضائي لبدل مثل مأجورهم، ودونما تمكينهم من الإستفادة من تقديمات الصندوق المالية ومساهماته، بفعل السلطة. الأمر الذي يخرج عن إرادتهم، كما عن دائرة خطئهم أو تلكئهم.
11- بحيث يمكن الإستنتاج، في ضوء ما تقدّم، بأنه على القضاء أن يُخضع التمديد الأصلي كما التمديد الإضافي لذات النظام القانوني، من زاوية أن أدوات إعمالهما التي نصّ عليها قانون الإيجارات، لا سيما إنشاء “الصندوق” و”اللجنة”، هي غير متكوّنة بفعل السلطة. وإنه لا يمكنه أن يبتدع نظاماً قانونياً خاصاً بكلّ من التمديدين، فيُجيز الأول ويُسقط الثاني.
وكأنما يكون قد أجاز للمستأجر حق التمديد الأصلي وحصره به. وأسقطه، على وجهٍ مطلق، من حق التمديد الإضافي الذي منحه القانون حق ممارسته منفرداً. فيكون بذلك قد وضع حكمه بصيغة النظام القانوني الذي إبتدعه، وهو أمرٌ نهاه عنه القانون بقوله: ” لا يجوز للقاضي أن يضع أحكامه في صيغة الأنظمة ” (مادة 3 أ.م.م.).
كما يكون بفعله هذا، قد طبّق القانون على نحوٍ حرم فيه المستأجر من حق التمديد الإضافي، دون سبب مشروع، وذلك لمصلحة المؤجر، مكتفياً بإرهاق مأجوره بحق التمديد الأصلي حصراً.
وإن مثل هذا المنحى التطبيقي لأحكام قانون الإيجارات ينطوي على إخلال بموجب العدالة والإنصاف الذي يُؤتمن عليه القاضي عند فصله بالنزاعات المعروضة عليه.
12- لذا، يكون حق التمديد القانوني الذي نصّت عليه المادة 15 في حدّه الأقصى بإثنتي عشرة (12) سنة هو حق قانوني مُكتسب حكماً لجميع المستأجرين دونما تمييز أو تفرقة أو مفاضلة في ما بينهم، لأنه ليس لهذا التمييز أو التفرقة او المفاضلة أي مرتكز قانوني وضعي.
بحيث لا بدّ للقضاء، أن يُعدِّل في إجتهاده ويصحّحه لناحية أن يُخضِع المستأجرين على إختلاف أوضاعهم لذات النظام القانوني الذي يُجيز لهم الإستفادة حكماً من حقيْ التمديد الأصلي والإضافي معاً لإيجاراتهم الخاضعة لأحكام القانون 2017/2 ما دام ثابتاً أن السلطة في لبنان لم تقدم على تكوين الهيئتين، أي “اللجنة” و”الصندوق”، اللتان تشكّلان أداتَيِ (organes) التمييز بين هؤلاء المستأجرين، لجهة الفئة التي تستفيد من حق التمديد الأصلي حصراً، والفئة التي تستفيد من حقيْ التمديد الأصلي والإضافي معاً، فيتمّ عندئذٍ إخضاع كلّ فئة على حدة للنظام القانوني الخاص بها والمنصوص عنه بالقانون 2017/2.
“محكمة” – الخميس في 2026/5/14



