علم وخبر

قانون تعليق المهل وعلاقته بالايجارات السكنية وغير السكنية/شربل شرفان

المحامي شربل شرفان:
تعليق المهل تدبير استثنائي يلجأ إليه المشرع عند قيام قوة قاهرة تحول دون تمكّن أصحاب الحقوق من ممارستها في المواعيد المحددة قانوناً أو اتفاقاً، فيوقف سريان المهل موقتاً دون أن يمحو ما انقضى منها قبل بدئه، على أن تعود إلى السريان حكماً بانقضاء مدة التعليق. وقد سبق للمشرع اللبناني أن اعتمد هذا التدبير في مناسبات عدة، أبرزها القانون رقم 2020/160 وتعديلاته اللاحقة إبان جائحة كورونا والأزمات المتعاقبة، قبل أن يعود إليه في القانون الذي أقرّه مجلس النواب في جلسته المنعقدة بتاريخ 15 و16 تموز 2026، والذي حصر نطاقه الزمني بالفترة الممتدة من 2026/3/1 ولغاية 2026/7/31.
ويقتضي التمييز في هذا المقام بين التعليق (suspension) والانقطاع (interruption)؛ فالتعليق يوقف عدّاد المهلة موقتاً ثم يستأنف سيره من حيث توقف محتسباً ما انقضى قبله، في حين أن الانقطاع يهدم ما مضى من المهلة ويفتح مهلة جديدة كاملة. والقانون الحاضر إنما اعتمد تقنية التعليق لا الانقطاع، بدليل نصه الصريح في المادة الأولى منه على أن المهل “تعود إلى السريان مجدداً بانقضاء مهلة التعليق”.
والتعليق بطبيعته يفترض مهلة حيّة جارية عند بدئه؛ فهو يقي المهل السارية من السقوط، ولا يحيي مهلة انقضت قبله، إذ ما سقط باستيفاء أجله كاملاً يكون قد أنشأ مركزاً قانونياً مكتملاً وحقاً مكتسباً لمن تقرر السقوط لمصلحته، ولا يقوم هذا الساقط بقانون لاحق ما لم ينص المشرع صراحةً على إعطائه مفعولاً رجعياً، عملاً بالمبدأ العام القاضي بعدم رجعية القوانين، وهو ما خلا منه القانون الحاضر خلواً تاماً.
وأنه بالنسبة للإيجارات السكنية فقد أخضع القانون رقم 2017/2 عقود الإيجار السكنية المعقودة قبل نفاذه لتمديد قانوني تدريجي، فحدد أمده بتسع سنوات لغير المستفيدين من حساب الصندوق المنشأ بموجبه، وباثنتي عشرة سنة للمستفيدين منه، تحتسبان اعتباراً من تاريخ نفاذ القانون في 2017/2/28.
وعليه، فإن مهلة السنوات التسع العائدة لغير المستفيدين من الصندوق انقضت حكماً بتاريخ 2026/2/27، أي قبل انطلاق التعليق في 2026/3/1؛ فتكون هذه المهلة قد استنفدت مفاعيلها واكتمل سقوطها قبل نفاذ التعليق بأيام، وتحررت العلاقة التأجيرية تبعاً لذلك، ونشأ للمالك مركز قانوني مكتمل لا يملك قانون التعليق المساس به، إذ لا سبيل إلى إعادة مهلة منقضية إلى السريان، لأن التعليق يوقف مهلة جارية ولا يبعث مهلة ميتة، ولأن القول بخلاف ذلك يعني إعطاء القانون مفعولاً رجعياً لم يقرره المشرع.
أما مهلة الاثنتي عشرة سنة العائدة للمستفيدين من الصندوق، والتي تنقضي في 2029/2/27، فإن التعليق قد بدأ وانتهى في صلبها؛ فهي لم تكن مهددة بالانقضاء خلال فترته، وتعود إلى السريان اعتباراً من 2026/8/1 وأمامها ما يزيد على سنتين ونصف السنة. والغاية من التعليق — وهي علة تشريعه كما تفصح عنها أسبابه الموجبة — إنما هي درء خطر سقوط الحق عمّن حالت القوة القاهرة دون ممارسته إياه أثناء قيامها، لا إطالة أمد مهل لم يكن يتهددها أي خطر. يضاف إلى ذلك أن مدة الاثنتي عشرة سنة ليست في حقيقتها مهلة ممنوحة للمستأجر لممارسة حق يخشى سقوطه بفواتها، بل هي أمد تمديد قانوني للعلاقة التأجيرية يستمر انتاج مفاعيله بقوة القانون دون حاجة إلى أي مبادرة من المستأجر خلال فترة التعليق؛ فلا يستقيم القول بأن القوة القاهرة حالت دون ممارسة حق ما، ويبقى انقضاء هذه المدة على موعدها الأصلي في 2029/2/27 دون أن يرتّب التعليق عليها أي مفعول عملي.
اما في ما يتعلق بالإيجارات غير السكنية بموجب القانون رقم ٢٠٢٥/١١ والمعدل بالقانون رقم ٢٠٢٥/٢٤ فإن مهلة العشرين يوماً المقررة للتفاوض بين المالك والمستأجر تخرج بدورها عن نطاق التعليق، وذلك من وجهين. فمن جهة أولى، حصر القانون الحاضر التعليق في قوانين الإيجارات بـ”المهل المسقطة من الحق” دون سواها، وهي صيغة حاصرة لا تحتمل التوسع، إذ المعلوم أن النصوص الاستثنائية تفسر تفسيراً ضيقاً ولا يقاس عليها. ومن جهة ثانية، فإن الفقه يميز في تصنيف المهل بين مهل الإسقاط (délais de forclusion) التي يترتب على فواتها زوال الحق ذاته، ومهل مرور الزمن (délais de prescription)، ومهل الحثّ والتحفيز (délai de motivation) التي لا يقترن تجاوزها بأي جزاء مسقط، وإنما أرادها المشرع دفعاً للفرقاء إلى المبادرة والتلاقي.
ومهلة العشرين يوماً المذكورة تندرج في هذا الصنف الأخير؛ فهي مهلة تنظيمية تحفيزية أراد بها المشرع حثّ المالك والمستأجر على التفاوض والتفاهم الرضائي قبل الانتقال إلى المراحل اللاحقة، ولم يرتب على انقضائها دون تفاوض سقوط أي حق لأي من الفريقين، بل يبقى لكل منهما ما له من حقوق ومسارات رسمها القانون. وإذ تنتفي عنها صفة المهلة المسقطة من الحق، فإنها تخرج حكماً من عداد المهل المشمولة بالتعليق، وتبقى خاضعة لأحكامها الأصلية كأن قانون التعليق لم يكن.
“محكمة” – الثلاثاء في 2026/7/21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!