أبحاث ودراسات
بين بريق الثروة وهيبة الكيان نبوءة الرئيس فؤاد شهاب النفطية في مرآة الحاضر: ” قراءة في فلسفة الدرج المقفل ” /وليد أبو دية
المحامي وليد جميل أبو دية (أمين السرّ السابق لمؤسسة فؤاد شهاب):
مقدّمة
ثمة رجال لا تنتهي سيرتهم بإنتهاء ولايتهم، لأنهم لا يتركون وراءهم قرارات فحسب، بل يتركون أسئلة تظل الأجيال اللاحقة مطالبة بالإجابة عنها.
ولعلّ الرئيس فؤاد شهاب واحدٌ من أولئك الرجال الذين تجاوز حضورهم حدود المرحلة التي حكموا بها، ليصبح مشروعهم في بناء الدولة سؤالاً مفتوحاً في وجه كل زمن لبناني جديد.
ومن بين الأسئلة التي تستعيد اليوم شيئاً من وهجها، ذلك السؤال الذي إتصل بالثروة النفطية الكامنة في الأرض والبحر اللبنانيين؛ ثروة لم تكن، في نظر ” اللـواء “، مجرد إحتمال إقتصادي، بل كانت تستدعي، قبل كل شيء، دولة تعرف كيف تصون ما قد تمنحه الطبيعة، وكيف تحوّل الثروة من إغراء عابر، إلى رصيد وطني مُستدام.
ولعـلّ إختياري أن أعود اليوم إلى نبوءة فؤاد شهاب النفطية، ليس وليد مصادفة عابرة؛ فقد أتاح لي إنخراطي في مؤسسة فؤاد شهاب، وتحمّلي أمانة سرها في مرحلة من المراحل، أن أقترب أكثر من ذلك الإرث الذي لم يكن يرى الدولة إدارةً لشؤون الناس فحسب، بل مشروعاً أخلاقياً لحماية الكيان من نزوات السلطة، ومن هشاشة المؤسسات، ومن إغراء المصالح الآنيّة.
ومن هذه المسافة، التي تجمع بين الذاكرة والتجربة والحاضر، تبدو نبوءة شهاب اليوم أكثر من مجرّد واقعة تاريخية تُستعاد؛ إنها مرآة نضع أمامها لبنان المعاصر، لنسأل: ماذا فعلنا بالثروة التي حلمنا بها؟ وهل بنينا المؤسسات التي تستطيع أن تحميها إذا جاءت؟
وهل تعلّمنا، قبل أن نفتح أبواب الأرض والبحر، كيف نحمي المفتاح؟ ألمشكلة، في نهاية المطاف، قد لا تكون في أن نجد النفط، وإنما في أن نجد الدولة التي تستحقه.
ثمّة أشياء لا يمكن أن تُقاس بقيمتها المادية، بل باليد التي تمتد إليها. فالدرج في ظاهره، قطعة من خشب أو معدن، يخفي أوراقاً، أو أسراراً، أو أموالاً، أو خرائط. غير أن بعض الأدراج تتحوّل، في لحظة من لحظات التاريخ، إلى ما يشبه ضمير الدولة، قد لا تكون أهميتها في ما تحتويه، بل في القرار الأخلاقي الذي يجعلها مُغلقة. ومن هنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُروى، لا بوصفها حكاية عن النفط فحسب، بل بوصفها سؤالاً عن لبنان.
يُروى أن مِلفاً أُعدّ في شأن ما يمكن أن يختزنه لبنان من ثروات نفطية ومعدنية عُرض في مطلع الستينيات من القرن الماضي على الرئيس فؤاد شهاب، وقيل له أن ما فيه من معلومات قد يجعل لبنان بلداً ثرياً.
فوفق الرواية المتداولة، لم يندفع الرجل إلى فتح أبواب الثروة، بل أعاد الملف إلى صاحبه طالباً منه أن يحفظه في درج مكتبه، ثم علّل موقفه هذا، بحسب الرواية نفسها، بأن فتح هذا الباب قد يجعل للبنان أعداءً كثر، لا عدواً واحداً هو إسرائيل.
جدير بالذكر أننا لا نملك، في حدود المصادر التي أمكن التحقق منها، وثيقة أصلية بخط يد الرئيس شهاب تثبت هذه العبارة حرفياً؛ لكن قيمة الحكاية الفكرية لا تتوقف على ثبوت كل كلمة فيها؛ فهي، حتى بوصفها رواية متداولة، تكشف صورة رجلٍ كان يرى في الثروة سؤالاً سياسياً وأخلاقياً قبل أن يراها رقماً في دفتر الحساب.
نعود الى نحو مئة عام الى الوراء لنروي هذه القصة.
ففي صيف عام 1960 من القرن الماضي، وفي وقت كانت فيه جراح أزمة 1958 الدامية تلملم خُطاها في أروقة السياسة اللبنانية، شهد القصر الجمهوري لقاءً لم يكن كغيره من المواعيد البروتوكولية. فقد دخل وزير الاشغال العامة والنقل في حكومة الرئيس أحمد الداعوق، السياسي والصحافي المخضرم جورج نقاش، حاملاً في يده ملفاً كان قد أخرجه للتو من أدراج مكتبه في الوزارة ممهوراً بأختام الانتداب الفرنسي، يخفي في طياته خرائط ومسوحات جيولوجية تقطع الشك باليقين، وفيه أن لبنان ينام على بحر من النفط والمعادن براً وبحراً. يُذكر أن حكومة الرئيس أحمد الداعوق، وهي الحكومة اللبنانية الثلاثون بعد الاستقلال، والثانية في عهد الرئيس فؤاد شهاب، وهي الحكومة الوحيدة التي ترأسها أحمد الداعوق بعد الاستقلال، وترأس الحكومة قبلها في عهد الإنتداب. وقد شُكّلت الحكومة هذه بموجب المرسوم 4256 بتاريخ 14 أيار 1960 ولم تمثل امام المجلس النيابي بسبب حلّ البرلمان من أجل إجراء انتخابات نيابية. واستقالت بتاريخ 1 آب 1960 بعد إجراء الانتخابات النيابية اي بعد شهرين وثمانية عشر يوماً من تشكيلها.
إلا أن المفاجأة التي صدمت حماس الوزير نقاش في حينه، لم تكن في تكذيب الأرقام وما تضمنته الخرائط في هذا الملف، بل في سلوك الرجل الجالس خلف مكتب الرئاسة. فبملامحه الصارمة وزهده المعهود، طلب الرئيس فؤاد شهاب إعادة الملف إلى مكانه وإغلاق الدرج، ناطقاً بنبرته الجيوسياسية التي إختصرت عقوداً من الصراع: “إذا علموا بوجود النفط، فلن يتركونا نعيش بسلام، وستأتي الدول الكبرى لتأخذه منا وتُدمّر صيغتنا اللبنانية”.
لم يكن هذا الموقف، ومن رئيس زاهد، مجرد خوف عابر، بل كان تعبيراً عن فلسفة حكم، ترى في تحصين الكيان وبناء مؤسسات “الكتـاب” أولوية تسبق بريق الثروات الدفينة.
هذا البحث التاريخي، يفتح الستار عن الشقين الغائبين في تلك الحقبة: العمق التقني والجيولوجي الموثّق للدراسات النفطية والآبار السبع البرّية، والخلفية السياسية والأمنية لعهد “النهـج” الذي آثر حماية الدولة على بريق الذهب الأسود، مستشرفين إنعكاس نبوءة اللواء فؤاد شهاب على مرآة الحاضر اللبناني المعقّد.
فمنذ أن طافت رائحة النفط والغاز في الأجواء اللبنانية لسنوات خلت، حلّت الويلات على هذا البلد. وبدل أن تكون نعمة على لبنان، فقد تحوّلت بفعل الغرب الخاضع للإملاءات الاميركية إلى نقمة. ومذ إنطلق الحديث الجاد على قرار حرّ يمكّن اللبنانيين من الإستفادة من ثروة كبرى طال إنتظارها، حتى إنكبّ الغرب بكل قواه على حدودنا البحرية ليناقشنا في حقوقنا ويخلق الأزمات، من المشكلة الحدودية مع الكيان المغتصب لفلسطين براً وبحراً وسماءً، إلى خلق أزمة مالية واقتصادية كبيرة وخانقة تدفع بالمجتمع الداخلي نحو الهاوية، كي يتمكن بشركاته من السيطرة على ذهب لبنان الأسود، فينال هو حصّة الأسد، ولن ننعم بعد ذلك إلاّ بالفتات.
من أبحاث دوبرتريه إلى زهد اللواء:
رحلة من إكتشاف الثروة إلى إكتشاف معنى الدولة.
لم يكن النفط في لبنان وليد اللحظة التي بدأت فيها منصات الحفر تدق باطن أعماق الأرض، ولا وليد التقارير الحديثة التي أعادت إلى اللبنانيين، بعد عقود من الغفلة، سؤال الثروة الكامنة تحت أقدامهم وفي مياههم. فقبل أن يصبح النفط إحتمالاً إقتصادياً، كان أولاً سؤالاً جيولوجياً. وقبل أن يتحول إلى رقم في دفاتر الموازنات، كان أثراً صامتاً تقرؤه طبقات الأرض.
تبدأ الحكاية، من رجل لم يكن يعرف لبنان بوصفه وطناً سياسياً، وإنما قرأه بوصفه كتاباً جيولوجياً مفتوحاً: الجيولوجي الفرنسي “لويس دوبرتريه”.
فالدراسة التي اكتشفها وأماط اللثام عنها الوزير جورج نقاش لم تكن وليد الصدفة، وإنما إستندت إلى مسار إستكشافي فرنسي طويل مرّ بمحطات عديدة ملخّصها كالآتي:
– عام 1926 أصدر المفوض السامي الفرنسي في ذلك الحين هنري دو جوفنيل أول مرسوم تشريعي يجيز رسمياً التنقيب عن النفط والمعادن واستخراجها في أراضي دولة لبنان الكبير. وعلى أثر صدور هذا المرسوم أُسند إلى الجيولوجي الفرنسي دوبرتريه مشروع المسح الجيولوجي للبنان، ضمن جهدٍ علمي إستمر سنوات طويلة، أسهم في رسم صورة أكثر إنتظاماً لبنية الأرض اللبنانية.
ويُعتبر دوبرتريه الأب الروحي للإستكشافات النفطية في لبنان، بحيث أجرى مسحاً جيولوجياً شاملاً، ورسم الخرائط الأساسية لطبقات الأرض اللبنانية، محدداً مكامن محتملة لوجود الهيدروكاربونات والغاز، موفداً من إدارة المناجم والمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس.
عاش دوبرتريه في بيروت بين عامي 1926 و1956 وقام برسم أول خريطة جيولوجية وطبقاتية للبنان وسوريا بمقياس 1,200,000 stratigraphic. وأثبت في دراسته عام 1932 أن طبيعة إلتواءات الأرض اللبناية وهندسة صخورها تحتجز مخزونات هيدروكاربونية مؤكدة.
– دراسة جورج رونوارد 1947 – 1955:
إلى جانب الأبحاث التي قام بها دوبرتريه، قد دأب الخبير الفرنسي جورج رونوارد على إجراء الأبحاث الميدانية السطحية بإشراف الشركة اللبنانية للزيوت، غطّت مساحات شاسعة بلغت
حـدود ثلاثة آلاف وثلاثماية كيلومتر مربع، مؤكدة توقعات دوبرتريه بوجود كميات هائلة من مخزون النفط والغاز. كما وأجرى أبحاثاً مُكمِّلة، ونشر دراسة في مجلة ” الجمعية الأميركية لجيولوجيي البترول ” أكّد فيها أن المسوحات السطحية تدعم بقوة وجود مخزونات نفطية ضخمة براً وبحراً.
– عمليات الحفر البرّية وقصة الآبار السبع البرية المحفورة تاريخياً في لبنان:
حرّكت التقارير الفرنسية والأميركية فضول شركات أجنبية ولبنانية عديدة. وبناءً على الدراسات الفرنسية جرت محاولات حفر فعلية لآبار، شهد لبنان على أثرها حفر سبع آبار برية إستكشافية بين عامي 1946 و1967. وقد جاءت نتائج عمليات الحفر هذه، كالآتي:
– بئر تربل (شمال لبنان) 1947: حفرتها شركة نفط العراق (IPC) بعمق تجاوز 2000 متر، وظهرت فيه مؤشرات غاز خفيفة في طبقات عميقة، ما استدعى ردمه لعدم الجدوى منه، ولضعف التكنولوجيا في حينه.
– بئر يُحمر (البقاع الغربي) 1953: بدأ الإهتمام بالبئر على أثر عثور خبراء على صخور مشبعة بالبيتومين والحيوانات البحرية المتحجرة الشبيهة ببيئات النفط، وقد قامت بحفره شركة أجنبية لصالح “شركة الزيوت اللبنانية” إلى أن وصل لعمق 700 م، تدفقت منه غازات قابلة للإشتعال. وما زالت معالم البئر ظاهرة في منطقة “جـلّ الغزال” في البلدة.
– بئر القاع (البقاع الشمالي) 1953: إستُهلت فيها أعمال الحفر لاستكشاف الطبقات العميقة القريبة من الحدود السورية من قبل ائتلاف شركات محلية وأجنبية، أظهرت وجود غاز غير تجاري في إلتواءات قريبة من الحدود.
– بئر عبرين (قضاء البترون) 1960: جرى حفر هذه البئر من قبل شركة نفط العراق (IPC)، نجم عنه إختراق طبقات صخرية صلبة وظهور غاز طفيف.
– بئر عدلون (الجنوب) 1961: قامت بحفرها شركة ألمانية في قضاء الزهراني لمصلحة شركة نفط العراق (IPC)، وظهرت فيها مؤشرات نفطية هيدروكاربونية سائلة خفيفة، ما استدعى ردمها مبكراً.
– بئر سُحمر (البقاع الغربي) 1963: قامت بحفرها شركة أوسونيا ميرلا الإيطالية، وأظهرت أعمال الحفر وجود صخور بيتومينية مشبعة بالنفط.
– بئر تل ذنوب (البقاع الغربي) 1963: أيضاً قامت بحفرها شركة أوسونيا ميرلا الإيطالية، وتُعد هذه البئر آخر الآثار المستكشفة في الحقبة الشهابية.
* لماذا أُغلقت هذه الآبار؟
أكدت معظم التقارير الفنية ظهور النفط والغاز والبيتومين في معظم تلك الآبار، إلاّ أن الشركات الأجنبية برّرت التوقف في أعمال الحفر بأن الكلفة الإقتصادية للإستخراج كانت مرتفعة جداً مقارنةً بأسعار النفط الزهيدة في حينه، بحيث لم يكن سعر برميل النفط الخام يتخطّى ثلاث دولارات، هذا إلى جانب الضغوط السياسية الإقليمية التي فضّلت إبقاء لبنان بلداً خدماتياً وسياحياً.
لم تكن أهمية عمل لويس دوبرتريه في تلك الحقبة الهامة من التاريخ في أنه قال للبنان: “هنا نفط”.
وهذه العبارة، على بساطتها، تختزل علماً بالغ التعقيد، بل في أنه وضع تحت أقدام اللبنانيين لغةً جديدة لقراءة الأرض.
لقد كان دوبرتريه ينظر إلى ما تحت التراب بعين العالِم، بينما كان لبنان، في ذلك الزمن، لا يزال ينظر إلى نفسه بعين الجغرافيا والتاريخ والسياسة. وهنا تكمن المفارقة الأولى. فالأرض قد تحمل في جوفها ثروة، لكن الثروة لا تصبح ثروة وطنية بمجرد إستكشافها. وبين وجود الثروة وامتلاك الدولة لها مسافة لا تقطعها الجيولوجيا وحدها، بل تقطعها السياسة الرشيدة، والقانون العادل، والمؤسسات التي تستطيع أن تحمي ما تكشفه الطبيعة.
لقد كان دوبرتريه يبحث في الصخور والطبقات والتكوينات الجيولوجية. أما فؤاد شهاب، في زمن لاحق، فكان يبحث عن شيء آخر أكثر عمقاً: كيف تُبنى الدولة التي تستحق أن تكون صاحبة هذه الأرض؟
فأبحاث دوبرتريه مثّلت العقل العلمي الذي رأى الثروة قبل أن تصبح ثروة. بينما زهد “اللـواء” فقد مثّـل الوجه الآخر تماماً: الرجل الذي عرف أن إمتلاك الثروة شيء، وامتلاك الحق الأخلاقي في التصرف بها شيء آخر. هناك من يكتشف الثروة، وهناك من يكتشف خطورة هذه الثروة. هناك من يرى في باطن الأرض كنزاً، وهناك من يرى في هذا الكنز إمتحاناً لضمير الدولة.
هذه العبارات هي بمثابة جسر بين العلم والثروة، بين الثروة والأخلاق، وبين الأخلاق وفلسفة الحكم. والأجمل أن نحتفظ بلفظ “اللواء” بدل أن نقول “الرئيس”. لأن في كلمة “اللواء” شيئاً من المرحلة السابقة للرئاسة، وفي شخصية فؤاد شهاب قبل أن يصبح صاحب أعلى منصب في الدولة.
ليس المقصود أن نضع الجيولوجي والرئيس في ميزان واحد، ولا أن ننسب إلى أحدهما ما لم يقله أو يفعله الآخر. إنما المقصود أن نقرأ بينهما خيطاً رمزياً بالغ الدلالة: الأول قرأ باطن الأرض، والثاني أراد أن يقرأ باطن الدولة، وكان هذا هو الفارق بين رجلين ينتميان إلى عالمين مختلفين.
دوبرتريه كان يسأل: ماذا تُخبىء الأرض؟ أما فؤاد شهاب، فيمكن أن نضع على لسان فلسفته سؤالاً آخر:
ماذا سيفعل الإنسان بما تخبئه الأرض؟
السؤال الثاني، في الحقيقة، هو السؤال الأصعب. فالنفط لا يصنع دولة، كما أن الذهب لا يصنع حضارة.
والثروة قد تمنح الدولة قدرة، لكنها لا تمنحها بالضرورة هيبةً.
وقد تملأ الخزائن، لكنها لا تملأ بالضرورة فراغ الضمير العام.
وقد تجعل بلداً أكثر غنى، من دون أن تجعله أكثر عدلاً أو أكثر إستقلالاً أو أكثر إنسانية.
من هنا يصبح الحديث عن فؤاد شهاب حديثاً عن “الأخلاق السياسية للثروة”. لقد كان الرجل الذي خرج من المؤسسة العسكرية إلى رئاسة الجمهورية يحمل معه تصوراً للدولة يتجاوز حدود السلطة ومغانمها.
وفي التجربة الشهابية عموماً، لم يكن الإصلاح مجرد تبديل في الأشخاص، بل محاولة لإعادة بناء الإدارة والمؤسسات على أساس من التخطيط والمعرفة، فكانت الترسانة الإدارية. ومشروعه التنموي إستعان بمهمة IRFED لدراسة الإمكانات والحاجات البشرية والطبيعية والإقتصادية والإجتماعية للبنان، في محاولة لبناء السياسات العامة على معرفة علمية لا على الإنطباعات.
وهنا يلتقي الرجلان، فؤاد شهاب ولويس دوبرتريه، لا في المهنة ولا في الزمن، وإنما في احترام المعرفة. لكن شهاب أضاف إلى المعرفة شيئاً من القدسية لا تستطيع المختبرات والخرائط أن تمنحه: الزهـد في السلطة.
فالزهد الذي نعنيه ليس زهداً صوفياً بالمعنى التقليدي، ولا هو مجرد إمتناع عن المال أو المظاهر؛ وإنما هو ذلك النوع النادر جداً من الزهد السياسي الذي يجعل الحاكم يرى المنصب أمانة عابرة لا ملكية دائمة.
وثمة رحلة، في جوهرها، ليست رحلة بين رجلين، بل رحلة بين مفهومين:
من معرفة ما في الارض، الى معرفة ما ينبغي أن يفعله الإنسان بهذه الأرض.
دوبرتريه كشف شيئاً من أسرار الطبيعة. وشهاب، في المقابل، أراد أن يحمي الدولة من أن تتحوّل إلى غنيمة.
وبين الكشف والحماية، بين العلم والأخلاق، بين الجيولوجيا والسياسة، يولد المعنى الحقيقي للثروة الوطنية. ولعل أجمل ما في هذه المفارقة أن الرجل الذي كان يستطيع، بحكم موقعه، أن يجعل السلطة وسيلة للثراء، إختار أن يجعلها وسيلة لبناء الدولة بأرقى المعايير. وهنا يصبح زهـد اللواء أكثر من سيرة شخصية، إنه موقف من السلطة. إنه قول صامت بأن الدولة لا تقاس فقط بما تملك، بل أيضاً بما يرفض حاكمها أن يأخذ منها.
فالنفط، في الوعي السياسي، يمكن أن يكون بشارة، لكنه يمكن أيضاً أن يكون إمتحاناً.
قد يكون فرصة لبناء مدراس وجامعات ومستشفيات وطرقات ومؤسسات، وقد يتحوّل، إذا غاب القانون وضعُفت الدولة، إلى سبب جديد للصراع على السلطة، وإلى باب واسع للزبائنيّة والفساد وتوزيع المغانم والريوع. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يكن يوماً: هل يوجد النفط؟ بـل: هل توجد الدولة التي تستطيع أن تحمي النفط من أن يتحول إلى لعنة؟
هنا بالذات تصبح شخصية فؤاد شهاب حاضرة في مرآة الحاضر. فما قيمة أن تكتشف دولة ثروتها تحت الأرض إذا كانت قد فقدت، فوق الأرض، القدرة على حماية المال العام؟
وما قيمة أن يكون الوطن غنياً في جوفه، إذا كان فقيراً في مؤسساته؟
وما قيمة أن تهَب الطبيعة شعباً ثروةً، إذا عجزت السياسة عن تحويلها إلى حق عام؟
كل هذه الأسئلة تجعل من تاريخ النفط اللبناني أكثر من تاريخ عمليات تنقيب وآبار ومسوح جيولوجية. إنه، في جوهره، تاريخ إختبار لفكرة الدولة نفسها. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا يبدو الدرج المقفل في حكاية فؤاد شهاب فيما لو ثبتت تفاصيله تاريخياً وفق الوثائق المتاحة، أكبر من مجرد واقعة أو تفصيل شخصي.
فالدرج المقفل قد يصبح رمزاً، لا بل ربما كان رمزاً بالغ البلاغة: ثروة تعرف مكانها، ولكنها لا تجد يداً أمينة تمتد إليها. أو بصورة أكثر وضوحاً وشفافية: ثروة كانت في متناول السلطة، لكن السلطة لم تكن في متناول الثروة.
هذا هو الفارق بين الحاكم الذي ينظر إلى الدولة باعتبارها إمتداداً لذاته، والحاكم الذي ينظر إلى نفسه باعتباره عابراً في تاريخها.
فالأول يسأل: ماذا أستطيع أن آخذ من الدولة؟ والثاني يسأل: ماذا أستطيع أن أترك للدولة؟ وفي المسافة بين السؤالين تُكتب سيرة الأُمم.
لقد كان دوبرتريه يبحث عن الحقيقة في طبقات الأرض. أما اللواء، وفي أسمى صورة لهذه المقارنة، فكان يبحث عن الحقيقة في طبقات الإنسان والدولة.
الأول كان ينزل إلى أعماق الجيولوجيا، والثاني كان يحاول أن يصعد بالدولة من أعماق أزمتها. وبينهما، يقف النفط اللبناني كأنه شاهد صامت على الزمن. ظل في جوف الأرض وفي أعماق مياهه، بينما تعاقبت الحكومات والعهود، وظلت الدراسات تتراكم، وتبدّلت التقنيات، وتقدمت وسائل المسح والتنقيب. وما زال لبنان: مكانك راوح.
وتشير الدراسات اللاحقة إلى أن تاريخ الإستكشاف اللبناني شهد أعمال حفر متعددة منذ منتصف القرن المنصرم، وان عدم نجاح الآبار المبكرة لم يكن كافياً وحده لإسقاط إحتمالات وجود مكامن هيدروكربونية في لبنان.
أما السؤال الذي بقي فوق الأرض، فلم يكن جيولوجياً بل كان أخلاقياً: متى تصبح الثروة العامة ملكاً فعلياً للأجيال، لا مجرد وعد للسلطة؟ ولعل هذا هو المكان الذي يصبح فيه “زهد اللواء” أكثر إيلاماً في مرآة الحاضر، لأن الرجل الذي أصبح اسمه لقباً للتاريخ؛ هذا الرجل الذي أدرك بأن الدولة لا تُبنى بكثرة ما تملك، بل بقدرتها على إدارة ما تملك، ويبدو اليوم، في عليائه، وكأنه كان يرى أبعد من زمنه وأكثر. كان يعرف، ربما قبل أن نعرف نحن، أن الثروة التي تحرسها المؤسسات قد تصبح عبئاً على الوطن. وأن المال العام الذي يمر عبر القانون يمكن أن يتحول من نعمة إلى نقمة. ولهذا فإن المسافة من أبحاث دوبرتريه إلى زهد اللواء ليست مسافة زمنية فحسب. إنها المسافة بين الثروة والقيمة. بين أن تعرف ماذا يوجد تحت الأرض، وأن تعرف ماذا تفعل بما يوجد تحتها. بين أن تكتشف كنزاً، وأن تكون جديراً به، وبين أن تكون الدولة غنيّة بالموارد، وأن تكون غنيّة بالمؤسسات وبالضمير.
وهنا، ربما، تكمن المفارقة الأشد مرارةً: لقد احتاج لبنان إلى علماء كي يقرأوا أرضه، لكنه إحتاج، ولا يزال، إلى رجال دولة كي يقرأوا معنى ما في هذه الأرض.
فالعِلـم يكتشف الثروة، والدولة تحميها، والقانون يصونها، والأخلاق تمنع تحويلها إلى غنيمة، والتاريخ يحكم على من إمتلكها وماذا فعل بها.
من هنا، بالذات، يبدأ السؤال الذي سيقودنا إلى “فلسفة الدرج المقفل” فهل كان الدرج مقفلاً لأن الثروة لم تكن قد نضجت بعد، أم لأن رجل الدولة كان يعرف أن بعض الكنوز لا ينبغي أن تُفتح إلاّ عندما تنضج الدولة نفسها؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن نتركه مُعلّقـاً قليلاً، فربما لم يكن الدرج هو المقفل. ربما كان الزمن هو الذي لم يكن قد فتح بابه بعد.
– قراءة في فلسفة الدرج المقفل:
تنوء أشياء في حياة الأمم لا تُفهم من ظاهرها.
فقد يكون الدرج درجاً، والخريطة خريطة، والورقة ورقة، والرقم رقماً. لكن الزمن، حين يتجاوز الأشياء ويتخطاها، يمنحها طبقة أخرى من المعنى، محولاً التفاصيل الصغيرة إلى رُموزٍ هائلة. ومن هنا تبدأ حكاية الدرج المقفل بالسؤال: لماذا ثمة درج أصلاً، ولماذا أُغلق، ومن كان يملك مفتاحه، وهل كان إقفاله فعل خوف أم فعل أمانة؟
في التاريخ السياسي، كثيراً ما تكون الأشياء المخفية أكثر دلالة عن الأشياء المعلنة. وما يُقفل، لا يكون بالضرورة بلا قيمة، بل على العكس، قد يكون بالغ القيمة إلى درجة أن صاحبه يخشى أن تقع قيمته في اليد الخطأ، أو في الزمن الخطأ.
من هذا المنطلق، وفي هذا الموضع بالذات، تتجلّى القراءة التاريخية العميقة لصورة فؤاد شهاب، لا باعتباره رجلاً إمتلك سراً نفطياً فحسب، بل باعتباره رجل دولة كان شديد الحساسية تجاه السؤال الأهم: متى تكون الدولة جديرة بما تملك؟
النفط، في حدّ ذاته، لا يعرف الأخلاق. والغاز لا يعرف العدالة، والبحر لا يميّز بين فقير وغنيّ. وتحويل ما في الطبيعة إلى ثروة وطنية، يبقى شأن الإنسان والدولة والقانون. وهنا يبدأ الفرق بين إكتشاف الثروة وحسن التصرف بها، إذ قد تعثر دولة على الذهب فتزداد فساداً. وقد تعثر على النفط فتزداد إستبداداً. وقد تملك ثالثة ثروات هائلة، لكنها تفقد قدرتها على بناء الإنسان.
وفي المقابل، قد تكون دولة محددة الموارد، لكنها تمتلك من المؤسسات ما يجعل القليل كثيراً، ومن القانون ما يجعل المال العام محصّناً، ومن الإدارة ما يحوّل الموارد المحدودة إلى تنمية مستدامة. لذلك فإن السؤال عن النفط اللبناني لا يجب أن يكون سؤالاً عن كمية النفط وحدها، بل عن نوع الدولة التي ستُدير النفط. وهنا يصبح “الدرج المقفل” إستعارة سياسية عميقة. فالدرج هو المال العام حين يكون له حارس، والثروة حين تكون لها دولة، والسلطة حين تكون لها حدود، والمفتاح هو السلطة.
إلا أن السؤال الأخلاقي هو: هل يجوز لمن يملك المفتاح أن يعتبر ما وراء الدرج ملكاً له؟ هنا تبدأ فلسفة الدولة. فالحاكم ليس مالكاً لما في خزائن الدولة؛ إنه حارسٌ لها. والرئيس لا يرث الأرض التي يحكمها، ولا يملك مواردها الطبيعية، ولا يستطيع أن يحوّل المال العام إلى إمتداد لملكيته الشخصية. إنه، في أفضل تعريف للسلطة، أمينٌ على ما لا يملك.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي يمكن أن نستشفه في شخصية فؤاد شهاب. فالزهد السياسي لا يعني أن يعيش الحاكم فقيراً فحسب، بل أن الزهد السياسي الفعلي هو أن يعرف أن ما يستطيع أن يأخذه ليس بالضرورة ما يحق له أن يأخذه. وهذه المسافة كبيرة بين القدرة والحق.
فقد يستطيع الحاكم أن يفعل أشياءً كثيرة بحكم موقعه، لكن الدولة الأخلاقية تبدأ عندما يضع القانون والأمانة حدوداً لما يستطيع أن يفعله. وهنا يصبح الدرج المقفل أكثر من قصة. إنه إمتحان. إمتحان للسلطة قبل أن يكون إمتحاناً للثروة. ولعلّ أكثر ما يُلفت في فكرة الدرج أن المفتاح، في النهاية، لا يفتح خشباً، بل يفتح زمناً. فالذي يفتح درجاً يحتوي معلومات إستراتيجية عن ثروة وطنية، فهو، بذا، لا يفتح مجرد صندوق؛ إنه يفتح سلسلة من الإحتمالات: من سيعرف، من سيستثمر، من سيحمي، من سيستفيد، من سيدفع الثمن ومن سيقبض العائدات؟ في هذا الكمّ من التساؤلات يصبح إخفاء المعلومة، إن كان الإخفاء قد وقع فعلاً وللأسباب التي تُنسب إليه، مسألة لا يمكن الحكم عليها أخلاقياً إلا بمعرفة السياق والغاية والوثائق.
فقد يكون الإخفاء جريمة إذا كان الهدف منه حرمان الشعب من حقه. وقد يكون تأجيل إعلانها مسؤولية إذا كان القصد حماية الثروة من الأطماع في دولة لم تكن قد إمتلكت بعد مؤسسات الحماية الكافية. والفارق بين الإثنين ليس بسيطاً. إنه الفارق بين الكتمان لمصلحة الفرد، والكتمان لمصلحة الوطن. لذا، ينبغي أن نكون حذرين في قراءة التاريخ، إذ ليس من حق الكاتب أن يحوّل الأسطورة إلى وثيقة. ولا أن يحوّل ما هو متداول إلى حقيقة لمجرد أنه جميل. لكن من حقه، لا بل من واجبه، أن يسأل: ماذا لو كانت الحكاية تحمل معنى يتجاوز تفاصيلها؟ لعلّ المأساة التي يعيشها لبنان تكمن في ان سؤال النفط يعود إلينا في كل مرحلة تقريباً، كما يعود السؤال القديم نفسه إلى مرآةٍ جديدة.
في الماضي كان السؤال: هل في لبنان نفط؟ ثم أصبح السؤال: أين هو النفط؟ ثم: كم تبلغ قيمته؟ ثم: كيف السبيل لاستخراجه؟ لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يسبق كل هذه الأسئلة ويتقدم عليها هو: هل نحن مستعدون لإدارة ما قد نجده؟ هذا السؤال ليس تقنياً. إنه سؤال دولة. فالثروة الطبيعية لا تُدار بحسن النوايا، وإنما بالمؤسسات، بحيث لا تكفي الإرادة السياسية إذا لم تسندها الشفافية، والمحاسبة، والقضاء المستقل فعلاً لا قولاً، والرقابة البرلمانية، والإدارة الكفوءة الواضحة لإدارة الإيرادات. ولهذا فإن أعظم ثروة قد لا تكون النفط نفسه. ولا أُغالي إذا قلت إن “أعظم ثروة هي الدولة التي تستطيع أن تجعل النفط ثروة”. أما إذا كانت الدولة ضعيفة، فإن إكتشاف الثروة قد لا يكون بداية النهوض، بل بداية التنافس على الغنيمة. وهنا تتبدّل وظيفة الدرج…
فإذا كان الدرج في الماضي رمزاً لثروة لم تفتح، فإنه في الحاضر يمكن أن يصبح رمزاً لسؤال آخر: هل تعلمنا كيف نفتح الأدراج دون أن نحطّم الدولة؟
لقد علّمنا التاريخ أن الموارد الطبيعية قد تصنع دولاً قوية، لكنها قد تصنع ايضاً ما يُعرف بالأدبيات الاقتصادية والسياسية بـ “لعنة الموارد”. واللعنة لا تأتي من النفط نفسه. إنها تأتي حين تتحول الثروة إلى مركز السلطة بدل أن تكون في خدمة الدولة، وعندها يصبح الوصول إلى الحكم طريقاً إلى الثروة، بدل أن تكون الثروة طريقاً إلى رفاه المجتمع، فتنشأ شبكات المصالح، ويتحول المال العام إلى “مال سايب”، وإلى وسيلة لاسترضاء الجماعات. وتصبح الإدارة تابعاً للسياسة، ويصبح المواطن، بدل أن يكون صاحب الحق في الثروة، متلقّيـاً لمنّـة السلطة. وهنا يسقط المعنى الحقيقي للدولة. فالدولة التي تجعل المواطن ينتظر من الحاكم أن “يعطيه” من ثروة بلده، تكون قد
قلبت العلاقة رأساً على عقب، لأن الثروة ليست هبةً من الحاكم. إنها حق عام، والحاكم ليس صاحبها. إنه مدير مؤقت لها.
لذلك، فإن فؤاد شهاب، في هذه القراءة، لا يظهر في صورة الرئيس الذي ربما عرف شيئاً عن النفط، وإنما في صورة أكثر عمقاً: الرجل الذي نسأل من خلاله عن أخلاق إكتشاف الثروة. وهنا تعود إلى الواجهة عبارة: من أبحاث دوبرتريه إلى زهد اللواء.
فدوبرتريه يمثل لحظة المعرفة، واللواء يمثل لحظة المسؤولية. وبينهما يقف النفط. لكن النفط وحده لا يكفي، هناك عنصر رابع: الزمن. فالزمن هو الذي يختبر كل شيء. فهو إختبر الرجال، واختبر المؤسسات، واختبر الروايات واختبر الدولة. وها هو اليوم، وبعد عقود من الزمن، يُعيد إلينا السؤال عينه: ماذا لو كان لبنان قد امتلك في وقت مبكر فرصةً كان يمكن أن تغيّر مسارهُ؟
بكل تأكيد، نحن لا نملك، في الكتابة التاريخية الرصينة، أن نُجيب عن سؤال “مـاذا لو” باعتباره حقيقة. لكننا نستطيع أن نستعمله باعتباره سؤالاً فلسفياً. ماذا لو تحولت الثروة الى مؤسسات؟ وماذا لو تحولت المعرفة إلى سياسة؟ وماذا لو تحولت السياسة الى تخطيط؟ وماذا لو بقي المال العام محصّناً من المصالح الخاصة؟ وماذا لو أدرك لبنان، في وقت مبكر، أن النفط لا يُعالج ضعف الدولة، بل يحتاج أولاً إلى دولة قويّة تحميه؟
ربما كان التاريخ مختلفاً وربما لا، لكن المؤكد أن الحاضر لا يملك رفاهية تكرار الماضي. ولهذا، فإن الدرج المقفل لا ينبغي أن يكون رمزاً للحسرة وحدها. يمكن أن يكون أيضاً رمزاً للفرصة. فالدرج الذي لم يُفتح بالأمس، يمكن أن يُفتح اليوم، وإنما بشرط واحد: ألاّ تكون اليد التي تملك المفتاح أقوى من القانون. هذه هي فلسفة الدرج. فالمفتاح ليس ملكاً للرئيس، ولا للوزير، ولا للحزب، ولا لأي طائفة، ولا لشخص. إنه، في الدولة الحديثة، ملك المؤسسات. وأن ما في الدرج، متى كان مالاً عاماً أو سرّاً متعلقاً بثروةٍ وطنية، لا يعود إلى من إكتشفه، ولا إلى من حكم البلاد حين إكتُشِف، بل إلى الأجيال التي لم تولد بعد. وهنا تبلغ المسألة ذروتها الأخلاقية. فالجيل الحاضر ليس مالكاً مطلقاً للثروة الطبيعية، إنه في أحسن الأحوال، وصيّ مؤقت عليها. وما يتركه للأجيال القادمة ليس فقط ما استخرجه من باطن الأرض، بل ما بناه فوق الأرض: مدارس. جامعات. مستشفيات. مؤسسات. قضاء. إدارة ومواطنة.
ولعل أبلغ ما يمكن أن يُقال في نهاية هذه الرحلة أن فؤاد شهاب لم يكن أمام خيار بين فتح الدرج وإغلاقه، بل كان أمام خيار أصعب بكثير: هل نفتح الدرج قبل أن نبني الدولة التي تستطيع أن تحمي ما فيه؟ وهذا هو السؤال الذي يجعل قصة النفط اللبناني قصة تتجاوز النفط إنها قصة الأهلية الوطنيّة. إذ ليس كل من يملك ثروة يستحقها. وليس كل من يكتشف كنزاً يعرف كيف يحفظه. وليست كل دولة غنيّة دولة قويّة. القوّة الحقيقية تتجلّى حين تستطيع الدولة أن تقول: هذه الثروة ليست لي. ليست للحاكم. ليست للحكومة. ليست للحزب. ليست لأي طائفة، وليست للطبقة السياسية. إنها للشعب، ولأبنائه الذين لم يولدوا بعد. عندها فقط يصبح فتح الدرج فعلاً وطنياً، وعندها فقط يصبح النفط نعمة، لا نقمة ولا لعنة. وعندها فقط يتحول بريق الثروة إلى هيبة كيان.
لذلك، حين نقف اليوم أمام صورة فؤاد شهاب، الرئيس الذي اختزل كل الألقاب، لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا كان يعرف؟ بل يجب أن نسأل السؤال الذي هو أبعد وأعمق: ماذا كان يريد أن يحمي؟ فربما لم يكن المُقفَـلْ في ذلك الدرج سرّاً عن النفط. ربما كان السرّ الأكبر هو الخوف على الدولة من النفط. وربما كان شهاب قد أدرك مبكراً أن أخطر ما في الثروة ليس ضياعها، وإنما أن تصل إلى دولة لم تتعلّم بعد كيف تحميها. وهنا يصبح الدرج المقفل مرآةً للحاضر، لا شاهداً على الماضي فحسب. ننظر فيه اليوم، فلا نرى درجاً قديماً. نرى أنفسنا. نرى دولةً تقف اليوم أمام ثروتها المحتملة وتسأل السؤال القديم ذاته: هل نملك الثروة، أم تملكنا الثروة؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال يتحدّد كل شيء. لأن النفط، في نهاية المطاف، ليس ما يوجد تحت الأرض. بل النفط هو ما تستطيع الدولة أن تفعله بما يوجد تحت الأرض. والثروة الحقيقية هي أن يكون الوطن قادراً على أن يفتح الدرج دون أن يضيع المفتاح، ودون أن تضيع الدولة.
الفلسفة من كل ذلك تكمن في الفارق الأخلاقي بين الحفظ والإخفاء. فالحفظ يعني أن الشيء له قيمة ويحتاج إلى حماية. أما الإخفاء، فقد يعني الرغبة في منعه عن صاحبه. وبين الإثنين تقع فلسفة الرئيس شهاب.
فإذا كان قد قال: “أبقِـه في دُرج مكتبك”، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: لماذا أخفى النفط، بل: مِمَن كان يحاول أن يحمي لبنان؟
قد يكون الدرج في هذه القراءة هو المسافة التي تفصل تفصل ما بين المعرفة والإستغلال. فأن تعرف أنك ثري شيء، وأن تكون قادراً على إدارة ثروتك شيء آخر.
فالذهب لا يصنع دولة. والنفط لا يصنع دولة. والغاز لا يصنع دولة. من يصنع الدولة هو المؤسسة التي تمنع الثروة من أن تصبح دولة داخل الدولة. وما تنبأ به فؤاد شهاب لم يكن سقوط أشخاص، بل سقوط الحدود الأخلاقية بين المال الخاص والمال العام، وبين صاحب السلطة وصاحب الأمانة، وبين الدولة بوصفها كياناً وهيبة وبين السلطة حين تتحوّل الى وسيلة للثراء.
فؤاد شهاب لم يكن يتحدث عن النفط كسلعة أو كمورد إقتصادي فحسب، بل عن الثروة حين تدخل إلى بنية الدولة والمجتمع والسياسة، فتختبر صلابة الكيان وهيبة وأخلاق السلطة.
ماذا يحدث للدولة عندما تصبح الثروة اقوى من فكرة الدولة؟
لم يكن السؤال عند فؤاد شهاب: كم يملك لبنان من الثروة؟ بل: هل يملك لبنان من المناعة الأخلاقية والمؤسساتية ما يكفي كي لا تتحول الثروة إلى مالكٍ للدولة؟
لعل المفارقة هنا، أن الدُرج كان مقفلاً لأن الدولة كانت مفتوحة أمام الناس، واليوم قد تُفتح الأدراج حين تُغلق الدولة أبوابها أمام الناس.
فقد تُنشر الوثائق، وتُكشف العقود، وتُعرض الأرقام، وتُفتح الملفات، بينما يبقى المواطن خارج الدولة، لا يملك سوى أن ينظر ما في الدرج من ثقب الباب. وهنا لا يعود فتح الدرج بالضرورة مرادفاً للشفافية؛ فقد يكون أحياناً بديلاً عن الشفافية، أو ستاراً يخفي غيابها. والشفافية ليست أن نفتح الدرج فحسب، وإنما أن نفتح الدولة. وليست الديموقراطية أن تُري الناس ما في الملفات، وإنما أن نجعلهم قادرين على مُساءلة من صنع القرار، ومحاسبة من أساء إستعمال السلطة، ومعرفة لمن ذهبت الثروة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل فُتح الدُرج؟ بل: هل فُتحت الدولة؟ فقد يكون الدرج مفتوحاً، والوثيقة منشورة، والأرقام مُتاحة، لكن أبواب الدولة موصدة في وجه مواطنيها. وعندها تصبح الشفافية صورة بلا مُساءلة، والمعرفة بلا قدرة على التأثير، وفتح الدرج محاولة لإقناع الناس بأن الدولة مفتوحة، فيما هم ما زالوا يقفون خارجها. وربما كان ذلك أخطر أشكال الدرج المقفل: أن يُفتح الدرج لكي لا نلاحظ بأن الدولة قد أغلقت أبوابها.
في حديث للرئيس فؤاد شهاب مع الوزير فؤاد بطرس، سأل شهاب: ماذا يختار السياسي عندما تصطدم مصلحته الخاصة بالمصلحة العامة، ليأتي السؤال الأخطر: إذا كان السياسي سيختار مصلحته الخاصة، فكيف يمكننا بناء دولة؟
المركزية الفكرية للدرج المقفل تقوم على تحويله من مجرد صورة أدبية إلى مفهوم سياسي وأخلاقي يمكن أن يصبح فيه الدرج رمزاً للمسافة الاخلاقية بين ما يملكه الإنسان لنفسه وما لا يحق له أن يَمُدّ يده إليه لأنه ملك الدولة. وبذا تصبح كل هذه العناوين مقابلةً فلسفية بين قيمتين: بين الثروة الخاصة والدولة العامة. بين الإمتلاك والأمانة. بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة. بين بريق المال وهيبة الكيان. بين فتح الدرج واحترام حرمة الدولة.
وفي رواية فؤاد بطرس عن شهاب: أنه في أيامه الأخيرة، وقبل أن يغادر الدنيا، قال وصيته الشهيرة:
“حملو لبنان بالطول مش بالعرض”.
ففي زيارته الاخيرة الى الرئيس فؤاد شهاب يوم 25 نيسان 1973 وقبل وفاة شهاب بساعات، يروي بطرس أنهما كانا يتحدثان عن تدهور الوضع السياسي والإشتباكات مع الفلسطينيين وتشعّب الأزمة اللبنانية وتداخلها مع الأزمات الإقليمية. ولما اقتربا من السلالم، قال له شهاب مبتسماً بما يشبه الوصية: “إحملهُ بالطول مش بالعرض”.
ويشرح بطرس، أن شهاب قالها إشارةً إلى نظرته المتشائمة حيال مستقبل لبنان. وأنها كانت آخر كلمات سمعها منه، إذ توفي شهاب بعد ثلاث ساعات.
لم تكن هذه العبارة، في ظاهرها، سوى وصية رجل أنهكه العمر وظلّ يسكنه لبنان حتى اللحظة الأخيرة. لكنها، في عمقها، تبدو أشبه بخلاصة فلسفة رجل أراد أن يرى وطنه ممتداً إلى المستقبل، لا مستلقياً على ماضيه؛ وطناً يُقاس بقدر ما ينهض، لا بقدر ما يملك؛ وبقدر ما يصون ما في جوفه، لا بقدر ما يُستخرج منه. ويمكن قراءة هذه العبارة بوصفها إشارة إلى رؤية فؤاد شهاب للبنان ككيان يجب حمله بكل إمتداده وتعقيداته، لا إختزالهِ في صراعٍ عرضي أو اصطفاف سياسي آني.
فالطول، في لغة وفكر فؤاد شهاب، ليس مجرد إمتداد جغرافي، بل إمتداد في الزمن. أن نحمل لبنان من جيل إلى جيل، وأن نستقبله كما نستقبل أمانةً لم نخلقها لأنفسنا، بل تسلمناها ممّن سبقونا لنردّها إلى من سيأتون بعدنا.
ومن هنا تكتسب الوصية، اليوم، معنى آخر حين نقف أمام ثروة لبنان المحتملة من النفط والغاز وسائر موارده الطبيعية.
ولعل شهاب، لو امتد به العمر إلى يومنا هذا، إلى زمن النفط والغاز، لكان السؤال عنده أقل تعلقاً بكيفية ما سنحفظ، لأن الدولة التي لا تعرف كيف تحرس الثروة قبل أن تملكها، قد تتحوّل الثروة فيها من نعمة مؤجلة إلى لعنةٍ مستعجلة.
وهنا، يعود الدرج المقفل إلى الواجهة. فالدرج الذي أراد شهاب أن يبقى في عهدة الدولة لم يكن مجرد خشب يخفي أوراقاً، بل رمزاً للأمانة. وما في داخله ليس ملكاً لمن يملك مفتاحه، كما أن ما في باطن الأرض ليس ملكاً لمن يملك توقيعاً على عقد.
إن لبنان الذي ينبغي أن نستقبله بالطول، هو لبنان الذي لا نستهلك مستقبله في حاضرنا، ولا نحوّل ثروته إلى غنيمةٍ عابرة، ولا نترك للأجيال القادمة سوى فاتورة ما أنفقناه.
وهكذا، ربما كانت وصية فؤاد شهاب الأخيرة أعمق مما تبدو عليه للوهلة الأولى:
أن نحمل لبنان، لا أن نحمله على عاتق جيل واحد، وأن نستقبله في المستقبل كما لو أننا مؤتمنون عليه، لا مالكون له. فالوطن، مثل الثروة، لا يُقاس بما نأخذ منه، بل بما نتركه فيه.
وحين نكتشف ان المشكلة لم تكن في أن الدرج كان مقفلاً، بل في أن مفتاحه ظل دائماً في اليد الخطأ، ندرك أن الإصلاح لا يبدأ بكسر القفل، بل بإعادة تعريف صاحب المفتاح. فالدرج ليس مجرد مكان مغلق، بل صورة لعلاقة الدولة بالمعلومة والسلطة والثروة.
* حين يصبح الإصلاح توزيعاً للمفاتيح:
هو أكثر من عنوان. فالإصلاح الحقيقي ليس أن نعطي مفتاحاً جديداً للحاكم نفسه، بل أن نوزّع المفاتيح، بحيث لا يستطيع أحد أن يفتح الدرج منفرداً. وبذا، تصبح المفاتيح إستعارة للسلطات والإختصاصات.
فإذا كان النفط المحتمل قد يفتح أمام لبنان باباً جديداً، فهل نترك مفتاح هذا الباب في الجيب نفسه الذي إعتاد أن يدير أبواب الدولة؟
لم يعد المطلوب أن نعرف أين الدرج فحسب، ولا أن نطالب بفتحه. المطلوب أن نضمن، منذ الآن، ألاّ يستطيع أحد أن يحتكر مفتاحه، وأن نجعل فتحه خاضعاً للقانون والرقابة والمصلحة العامة.
والثروة الطبيعية لا تُختبر بما تخبئه أعماق الأرض، بل بما تكشفه أعماق الدولة من قدرة على صونها، فالثروة ليست إمتحاناً لما تحت الأرض، بل إمتحاناً لما فوقها: للدستور، للمؤسسات، للضمير العام، ولقدرتنا على أن نترك للأجيال المقبلة شيئاً لم نستهلكه نحن. وبذا نتجنب لعنة الثروة.
وإذا كان “الدرج المقفل” إستعارة الخوف من ثروة يمكن أن تقع في يد مؤسسة لا تخضع بما يكفي للمساءلة، فإن فتحه ليس بالحل الأوحد.
فالدرج الذي يُفتح اليوم أمام شخص واحد، قد يُغلق غداً أمام شعب بأكمله. فالمسألة، إذن، ليست في العثور على المفتاح، وإنما في السؤال عمّن يملكه، ومن يراقب إستعماله، ومن يستطيع أن يمنع صاحبه من استخدامه لمصلحة خاصة، ومن يضمن أن ما في الدرج لا يُستهلك كلّه في زمننا، لأن بعض ما فيه ليس لنا وحدنا. من هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي، لأن الإصلاح ليس فتح الدرج، بل توزيع المفاتيح.
– المفتاح الأول: مفتاح الملكية
قبل أن نسأل كمّ يحتوي البحر اللبناني من النفط والغاز، ينبغي أن نسأل سؤالاً أكثر جوهرية: لمن تعود هذه الثروة؟
فالنفط والغاز ليسا ملكاً لحكومة عابرة، ولا لحزب، ولا لطائفة، ولا لجيلٍ واحد. إنهما، متى ثبت وجودهما واستحقاق الدولة لهما، جزء من الثروة الوطنية التي يجب أن تُدار لمصلحة المجتمع بأسره، والحاضر والمستقبل معاً.
ولهذا ينبغي أن يتكرّس، على المستوى الدستوري، مبدأ واضح يعتبر الموارد الطبيعية ثروة عامة تُدار وفق قواعد الشفافية والإستدامة والمساءلة والعدالة بين الأجيال. والمسألة هنا ليست ترفاً دستورياً. فالدستور اللبناني يضع في المادة 89 قيداً جوهرياً على منح الالتزامات والامتيازات المتعلقة بالثروة الطبيعية، بحيث يُشترط: القانون والمدّة المحدّدة. لكن ما نحتاج إليه هو الذهاب خطوة أبعد: من حماية طريقة منح الإمتياز إلى حماية الغاية من استغلال الثروة.
فالمال الذي يُستخرج من باطن الأرض اليوم، قد يكون حقاً اقتصادياً لجيل لم يولد بعد.
– المفتاح الثاني: مفتاح السلطة
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في دولة غنيّة بالموارد ليس أن تكون فقيرة بالمؤسسات فحسب، بل أن تكون المؤسسة الواحدة قادرة على أن تفعل كل شيء: أن تضع القواعد. أن تختار المستثمر. أن توقّع العقد. أن تحصّل الإيرادات. أن تراقب التنفيذ ومن ثم تراجع نفسها. وهنا يتحوّل المفتاح إلى سلطة مطلقة. ولهذا ينبغي توزيع الصلاحيات بين:
من يضع السياسة، ومن ينظّم، ومن يتعاقد، ومن يحصّل، ومن يستثمر ومن يدقّق.
إن الفصل بين هذه الوظائف ليس تعقيداً إدارياً. إنه في جوهره بمثابة حاجز أخلاقي ضد تضارب المصالح.
وقد أنشأ لبنان بالفعل، بموجب قانون الموارد البترولية رقم 132/2010، إطاراً مؤسسياً لقطاع البترول وهيئة لإدارة القطاع. لكن المطلوب هو أن تتحوّل الإستقلالية من نص قانوني إلى ممارسة فعلية، وأن تكون الهيئة الناظمة محكومة بمعايير مهنية وشفافية وتضارب مصالح ومساءلة واضحة. فالمؤسسة الناظمة لا ينبغي أن تكون صاحبة الدرج، وإنما ينبغي أن تكون إحدى الجهات التي تحرسه.
– المفتاح الثالث: مفتاح المعرفة
ليس هناك من فساد أكثر راحة من الفساد الذي يعيش في الظلام. ولذلك فإن الشفافية ليست فضيلة إدارية فحسب، إنها وسيلة لمنع الفساد قبل وقوعه. فمن حق الجمهور اللبناني الوصول إلى المعلومات، وأن يعرف:
من حصل على الحق؟ وبأي شروط؟ وكم سيدفع؟ وما هي الإلتزامات التي تعهّد بها؟ وما الذي تغيّر لاحقاً، ولماذا تغيّر، ومن هم أصحاب المصلحة الحقيقيون خلف الشركات المتعاقدة؟
وهنا يصبح نشر العقود والملاحق والتعديلات، والكشف عن الملكية المستفيدة، ونشر البيانات المتعلقة بالإيرادات، جزءاً من حق المواطن في ملكية الوطنية.
لقد خطا لبنان، بالفعل، خطوات تشريعية في هذا الإتجاه، لا سيما من خلال قانون دعم الشفافية في قطاع البترول رقم 2018/84 المنشور في الجريدة الرسمية في العدد 45 تاريخ 2018/10/18، لكن التحدّي الحقيقي والمنطقي هو أن تصبح الشفافية قاعدة تلقائية، لا إستثناءً سياسياً. فالوثيقة التي لا يستطيع المواطن الوصول إليها، مهما كانت سليمة في درج الوزارة، تظل جزءاً من “الدرج المقفل”.
– المفتاح الرابع: مفتاح المساءلة
الشفافية تجيب عن سؤال: ماذا حدث؟ لكن الديموقراطية تحتاج أيضاً إلى الإجابة عن سؤال آخر: من المسؤول؟ وهنا لا بد من شبكة رقابية متعددة المستويات: رقابة برلمانية. ورقابة إدارية. ورقابة مالية. ورقابة قضائية. ورقابة مجتمعية وإعلامية وتدقيق مستقل، فلا ينبغي أن يكون المسؤول عن إدارة الثروة قادراً على أن يكون في الوقت نفسه الحكم على سلامة إدارته لها.
من هنا تبرز أهمية لجنة برلمانية متخصصة بالموارد الطبيعية، وآليات تدقيق مستقلة، وقضاء مستقل قادر على مراجعة القرارات والعقود عند توافر أسباب قانونية لذلك. كما ينبغي أن تكون حماية كاشفي الفساد جزءاً أصيلاً من المنظومة.
ففي كثير من الأحيان، لا تبدأ الحقيقة من تقرير مؤسسة كبرى، وإنما من موظف عادي يرى شيئاً لا ينبغي أن يكون موجوداً في ذلك الدرج.
– المفتاح الخامس: مفتاح المستقبل
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب: ماذا نفعل بالمال إذا جاء؟
ألنفط قد يحلّ مشكلة مالية متجذّرة، لكنه قد يخلق مشكلة سياسية وأخلاقية أكبر إذا تحوّل إلى مورد تُنفِقُهُ الدولة دون رؤية طويلة الأمد. ولهذا يصبح الصندوق السيادي ضرورة مؤسسية لا مجرد أداة مالية. وقد وضع قانون الموارد البترولية أصلاً مبدأ تخصيص الإيرادات البترولية لصندوق
سيادي. لكن الأهم هو أن تُبنى قواعد الصندوق قبل تدفق الأموال الكبيرة، لا بعدها. كما وينبغي أن تكون هناك قواعد واضحة تحدّد: كم يمكن إنفاقه، وكم يجب إستثماره، ومتى يُسمح بالسحب، ومن يقرّر، ومن يراقب، وكيف يمنع إستخدام الإيرادات المستقبلية كأنها مال حاضر؟
قد يكون الإقتراض على أساس ثروة لم تُستخرج بعد، صورة أخرى من صوَر نقل عبء حاضرنا إلى مستقبل أبنائنا. وهنا يجب أن تدخل فكرة العدالة بين الأجيال إلى صلب السياسة المالية اللبنانية. فالجيل الحالي ليس مالكاً مطلقاً للثروة. بل هو، في أحسن الأحوال، أمينٌ عليها. من هنا: إختبار الأجيال القادمة، بحيث ينبغي أن تسأل الدولة نفسها قبل إتخاذ أي قرار استراتيجي يتعلق باستغلال مورد طبيعي:
ماذا سيبقى بعد أن تنتهي الموارد؟
وماذا سيبقى بعد أن ينتهي المال؟
وماذا سيبقى بعد أن تنتهي الحكومة التي إتخذت القرار؟
كل هذه الأسئلة تستحق أن تتحوّل إلى إجراءٍ مؤسسي. ولذلك يمكن إعتماد ما يمكن تسميته: “تقرير الأثر بين الأجيال” وهو تقييم إلزامي لأي قرار إستراتيجي يتعلق باستغلال الثروة الطبيعية، يدرس آثاره الإقتصادية والمالية والبيئية والاجتماعية، ليس فقط على لبنان اليوم، بل على لبنان الذي سيأتي بعدنا. وعندها يصبح المستقبل حاضراً في غرفة القرار، وهذا هو المعنى الحقيقي للوصاية على الثروة.
وهنا يُستحضر المفتاح السادس والأخير، وهو الأهم.
– المفتاح السادس: المفتاح الأخلاقي
هل تملك الدولة نفسها، نظاماً من المفاتيح يمنع أحداً من تحويل ثروة الوطن إلى مفتاح لخزائنه الخاصة؟ وأمام ثروته المحتملة، هل يملك لبنان مؤسسات قادرة على حماية النفط قبل أن نملكه؟ وكيف تُبنى الدولة التي تستحق أن تؤتمن على الثروة؟ وما الذي يمنع السلطة، بعد تنظيمها، من إساءة إستعمال ما أوكل إليها؟
من هنا يأتي مفهوم المفتاح الأخلاقي؛ المفتاح الذي لا تصنعه القوانين، ذلك أن توزيع المفاتيح، مهما بلغ من الدقة، لا يكفي وحده، بحيث: يمكن أن نضع أفضل القوانين، وأن نبني أمتن
المؤسسات، وأن نفصل السلطات، وأن ننشىء أجهزة للرقابة والتدقيق، وأن نجعل العقود والقرارات منشورة أمام الجمهور؛ ثم نكتشف، بعد كل ذلك، أن هناك مفتاحاً لا تستطيع أي مادة قانونية أن تصنعهُ، ولا يستطيع، بالتالي، أي نص دستوري أن يضمن وجوده. إنه المفتاح الأخلاقي، هو المجال الأعمق من أي إصلاح سياسي، إذ لا تكفي القوانين والمؤسسات لضمان صلاح السلطة إذا لم يسندها ضمير يحسن استعمالها.
فالقانون يضع الحدود، والمؤسسة توزّع الصلاحيات، والرقابة تكشف الإنحراف. أما الدافع الاخلاقي للمسؤول فهو الذي يحدّد كيف يتصرف حين لا يراه القانون، أو حين يجد منفذاً للإلتفاف عليه. من هنا تتقدم مصداقية المسؤول الأخلاقية على مجرد إلتزامه الشكلي بالنص. فالمسؤول الأمين لا يحتاج إلى قفل يحول بينه وبين المال العام بقدر ما يحتاج إلى قناعة راسخة بأنه ليس مالكاً له، بل مؤتمن عليه. ولذلك يبقى الإصلاح ناقصاً ما لم يُصلح الإنسان الذي يحمل المفتاح، لأن أقوى المؤسسات قد تُفرَّغ من معناها إذا غاب الضمير، بينما يستطيع الضمير الحيّ أن يمنح القانون والمؤسسة والرقابة روحها وغايتها. وهنا تحديداً تكمن خطورة “الدرج”. فقد يكون الدرج مقفلاً بالقانون، ولكن من يحمل مفتاحه قد لا يحمل معه ضمير الدولة. وقد يكون الدرج مفتوحاً أمام الرقابة، ولكن من يملك سلطة التصرف بما فيه قد يجد ألف طريقة للإلتفاف على النص إذا غاب الرادع الأخلاقي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة ليس سرقة مفاتيحها، بل أن يصبح من يحملها مقتنعاً بأن ما يفتحه المفتاح حق له. من هنا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على إعادة توزيع المفاتيح بين المؤسسات، بل يقتضي أيضاً إعادة تعريف العلاقة بين صاحب المفتاح وما وراء الباب.
فالوزير ليس مالكاً للوزارة، والنائب ليس مالكاً للنيابة عن الأُمة، والموظف ليس مالكاً للملف، والحكومة ليست مالكة للخزينة، والدولة بذاتها ليست مالكة للثروات الطبيعية، بالمعنى الخاص، إنها، في أرقى تصوّر للدولة، أمينةً عليها. والأمانة هنا ليست مفهوماً وعظياً زائداً على القانون، بل هي أحد الشروط العميقة لوجود دولة القانون نفسها. فإذا غابت الأمانة، تحوّلت الصلاحية إلى إمتياز، وتحوّل الإختصاص إلى نفوذ، وتحوّلت المعلومة إلى سلعة، وتحولت الثروة العامة إلى ميدانٍ للمحاصصة، وتحوّل المفتاح من أداة لخدمة الصالح العام إلى أداة لفتح أبواب المصالح الخاصة. لذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل إصلاح مؤسسي ليس فقط: من يملك المفتاح؟ بل أيضاً:
أي ضمير يملك المفتاح؟ وهنا تتقدّم الأخلاق على الإجراءات، لا بمعنى أنها تحلّ محل القانون، وإنما بمعنى أنها تمنح القانون روحه. فالقانون يضع الحدود، أما الأخلاق فتُحدّد إلى أين يذهب الإنسان حين لا يكون هناك نص يراقبه. وإذا كان القانون يقول للمسؤول: “لا تسرق”، فإن الأخلاق تقول له شيئاً أعمق: “لا تعتبر ما أؤتمنت عليه ملكاً لكَ، ولو استطعت أن تأخذه دون أن يراكَ أحد”.
هذا هو الفارق بين دولة تحكمها النصوص، ودولة تحكمها ثقافة الأمانة. ولعل هذا المعنى يصبح أكثر إلحاحاً حين يتعلق الأمر بثروة طبيعية. فالنفط الذي قد يخرج في يوم من الأيام من أعماق الأرض اللبنانية لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مالاً جديداً دخل الخزينة، بل باعتباره أمانة قديمة ظهرت متأخرة. إنه حق لمن سبقونا، وحق لمن يعيشيون اليوم، وحقٌ أيضاً لمن سيأتون بعدنا. ومن ثم فإن المسؤول الذي يتخذ قراراً بشأنه لا يتصرف في مال حكومته، ولا في مال حزبه، ولا في مال جيله وحده؛ إنه يتصرف في زمن لبنان نفسه. وهنا يصبح المفتاح الأخلاقي أعلى من المفتاح الإداري. فالمفتاح الإداري يتيح لك فتح الخزينة، في حين أن المفتاح الأخلاقي يمنعك من إعتبار ما فيها غنيمة. والمفتاح القانوني يحدّد لك حدود التصرف، أما المفتاح الأخلاقي فيذكّرك بأن هناك حدوداً لا ينبغي أن تحتاج إلى نص كي تُحترم. والمفتاح المؤسسي يمنع الفرد من الإستئثار بالقرار. أما المفتاح الأخلاقي فيمنع المؤسسة من فقدان معناها.
لذلك، فإن أعظم إصلاح يمكن أن ننجزه ليس فقط توزيع المفاتيح، وإنما أن نخلق ثقافةً لا يشعر فيها حامل المفتاح أنه مالك للباب، ذلك أن الدولة العادلة ليست تلك التي لا يستطيع فيها أحد أن يفتح الدرج فحسب، بل تلك التي، حتى وإن كان بمقدوره فتحه، يعرف أن عليه أن يسأل نفسه قبل أن يمدّ يده: لمن هذا الذي وراء الدرج؟ وعندما تكون الإجابة: للناس، وللدولة، وللأجيال التي لم تأتِ بعد، يصبح المفتاح في مكانه الصحيح، حتى قبل أن يوضع في القفل. وهنا يكمن المعنى الأعمق لفلسفة الدرج المقفل: ان المشكلة ليست في القفل وحده، ولا في المفتاح وحده، وإنما في الإنسان الذي يحمل المفتاح. فإن صَلح حامل المفتاح، أصبح القانون حصناً. وإذا فسدَ، أصبح القانون نفسه باباً يمكن البحث عن مفتاحه.
* الإصلاح قبل الثروة لا بعدها
ربما قد يبدو مستغرباً بعض الشيء أن نتحدث عن كل هذه المؤسسات قبل أن نعرف حجم الثروة اللبنانية فعلاً.
فالدولة التي تنتظر إكتشاف الثروة لكي تضع قواعد إدارتها، تكون قد ارتكبت خطأً إستراتيجياً بالغ الخطورة، لأن لحظة تدفق الأموال هي أسوأ لحظة لبناء القواعد. عندها تكون المصالح قد ظهرت، والطموحات قد إشتدت، والضغوط السياسية قد بدأت.
أما الدولة الحكيمة، فتبني القفل قبل أن يصل اللصّ، وتضع قواعد الإنفاق قبل وصول الأموال، وتوزّع المفاتيح قبل أن يصبح الدرج مغرياً. فلبنـان لا يحتاج إلى مؤسسة واحدة خارقة.
ولعل أهم ما يمكن إستخلاصه، هو أن الحلّ لا يكمن في العثور على الرجل المناسب أو المؤسسة المثالية. فالدولة الرشيدة لا تبني نظامها على فضيلة الأشخاص، وإنما على توازن المؤسسات، حتى إذا جاء شخص صالح، لا يستطيع أن يفعل أكثر مما يسمح له القانون. وإذا جاء شخص سيىء، لا يستطيع أن يفعل كل ما يريد، وهذه هي قيمة المؤسسات بأن تجعل صلاح الدولة أقل إعتماداً على أخلاق الحاكم، وأكثر إعتماداً على أخلاق النظام.
وهكذا يتغير معنى الدرج. ففي بداية الحكاية، كان “الدرج المقفل” رمزاً للخوف: خوف من السرّ. خوف من إحتكار المعرفة. خوف من السلطة حين تنفرد بالمفتاح.
أما بعد الإصلاح، فينبغي أن يصبح الدرج نفسه رمزاً مختلفاً. ليس درجاً يخفي الثروة، بل درجاً محفوظاً بالقانون. له أكثر من مفتاح، ومفاتيحه موزّعة، وكل عملية فتح موثّقة. وكل عملية سحب معلنة. وكل مسؤول يعرف أن وراءه مؤسسة أخرى تراقبه. وعلى مسافة من الجميع، يقف المواطن، ليس متطفلاً على ثروته، بل صاحب حق فيها.
صفوة القول، قبل أن نملك النفط، علينا أن نملك الدولة.
وربما تكون هذه هي المفارقة اللبنانية الكبرى: إننا أمضينا سنوات طويلة نسأل: هل يوجد نفط؟ بينما كان السؤال الذي ينبغي أن يسبق ذلك هو: هل توجد الدولة القادرة على حماية ما قد نجده؟ فالثروة الطبيعية لا تختبر فقط قدرة الجيولوجيا على اكتشاف ما تحت الأرض، وإنما تختبر
قدرة السياسة على ضبط نفسها. وتختبر قدرة القانون على الوقوف فوق المصالح. وتختبر قدرة المؤسسات على منع إحتكار المفتاح. وتختبر أخلاق الجيل الحاضر في التعامل مع حقوق الأجيال الغائبة. ولهذا فإن المعركة الحقيقية لا تبدأ يوم يُستخرج أول برميل. بل تبدأ اليوم. تبدأ من الدستور. ومن القانون. ومن المؤسسة. ومن الشفافية. ومن القضاء. ومن البرلمان، ومن الصندوق الذي يجب أن يعرف كيف يقول ” لا ” للإنفاق حين يكون الإنفاق ظلماً للمستقبل.
ألنفط، إن وُجد، قد يمنح لبنان ثروة، لكن الثروة وحدها لا يمكن أن تصنع دولة. فالدولة هي التي تحوّل الثروة إلى مستقبل. ولذلك فإن لبنان لا يحتاج، قبل أن يملك النفط، إلى أن يعرف فقط كم من البراميل تختبىء في أعماقه. لبنان يحتاج إلى أن يعرف: كم من الحكمة يختبىء في مؤسساته. فالثروة الطبيعية ليست إمتحاناً لما تحت الأرض فحسب؛ إنها إمتحان لما فوقها: للدستور، للقانون، للمؤسسات وللضمير الوطني.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال التاريخي الذي سيحكم على تجربتنا: كم وجدَ لبنان من النفط؟ بل: ماذا فعلَ لبنان عندما وجد الثروة؟ وإذ ذاك، سيُفتح الدرج. لكن الفرق بين دولة واخرى لن يكون وجود المفتاح. بل في: من يملكه، ومن يراقبه، ولمن يُفتح، وماذا يترك بعد أن يُغلق الدرج من جديد؟
بعد حلم الثروة، والدرج المقفل، هل أصبح لبنان، بعد كل هذه العقود، جديراً بالثروة التي ربما كانت تنتظره؟
ربما لا يكفي، في دولة تبحث عن ثروتها تحت الأرض، أن تنشىء هيئة لإدارة قطاع البترول وتمنحها صفة الإستقلال. فالإستقلال الذي لا يحمي التعيين من السياسة، ولا يحمي القرار من تضارب المصالح، ولا يلزم المؤسسة بتسبيب قراراتها ونشرها، ولا يضع ماليتها تحت التدقيق، ولا يفتح أعمالها أمام القضاء والبرلمان، ليس إستقلالاً، إنه مجرد صفة على الورق. والهيئة المستقلة حقاً هي تلك التي لا يستطيع الوزير أن يأمرها، ولا الشركة أن تشتريها، ولا السياسي أن يعزل أيّ من أعضائها إنتقاماً، ولا الموظف أن يخشى قول الحقيقة، ولا المواطن أن يُحرم من معرفة ما قررتهً.
فإذا كان النفط درجاً في ذاكرة الدولة، فإن هيئة إدارة قطاع البترول يجب ألاّ تكون صاحبة المفتاح، بل أمينةً عليه، ولا تكون مهمتها أن تعرف متى تفتح الدرج فحسب، بل أن تضمن أن أحداً لا يستطيع أن يفتحه لوحده.
* من بيـان الزهد إلى بيـان المستقبل:
هو بيان العزوف عن الترشّح للرئاسة في 4 آب 1970.
يسجّل للتاريخ أن الرئيس فؤاد شهاب قدم استقالته عام 1960 مبرراً أنه أدى مهامه، لكن السياسيين أثنوه عنها. وعند انتهاء ولايته عام 1964، أجمعت القوى السياسية على تعديل الدستور بغية التمديد له، إلاّ أنه رفض هذا الأمر رفضاً قاطعاً، إيماناً منه بالتداول السلمي للسلطة، مفسحاً المجال لانتخاب شارل حلو رئيساً جديداً للجمهورية.
ومع إقتراب ولاية الرئيس حلو على الإنتهاء، وكانت البلاد تعيش إستقطاباً حاداً، عادت غالبية القوى السياسية والشعبية مدفوعة برغبة عارمة في استعادة الإستقرار الإداري، على ضرورة عودة المنقذ “اللواء فؤاد شهاب” إلى سدّة الرئاسة، وقد ظنّ الجميع أن الرئيس شهاب سيقبل مجدداً بالمنصب إنقاذاً للنهج، لكنه فاجأ الطبقة السياسية برمتها والشعب اللبناني في 4 آب 1970 بإصدار بيان تاريخي مكتوب، أعلن فيه رفضه القاطع للترشح، مؤكداً من خلاله ان المؤسسات اللبنانية والطبقة السياسية ما زالت غير جاهزة لبناء دولة حقيقية، ومُشخّصاً فيه علل النظام اللبناني بدقة متناهية تشبه واقع اليوم، جاء فيه:
“إن المؤسسات اللبنانية والآليات السياسية السائدة لم تعد صالحة لبناء دولة حديثة. إن المقاييس الإنتخابية المعتمدة، والأعراف والتقاليد تجعل العمل الإصلاحي مستحيلاً في ظل البنية الحالية. لقد حاولت في عهدي بناء دولة المؤسسات والقانون. ولكنني إصطدمت مراراً بعقبات النظام الإقطاعي والسياسي والطائفي الذي يُـقدّم المصالح الخاصة على مصلحة الوطن.
إنني لا أرى جدوى من العودة إلى الحكم إذا كانت أدوات الحكم عاجزة عن تحقيق التغيير الجذري الذي يحتاجه لبنان ليتماشى مع العصر.
ولذلك، فإنني أرفض رفضاً قاطعاً ترشيحي لرئاسة الجمهورية”….
بيان العزوف هذا لم يكن إنسحاباً من لبنان، بل كان رفضاً لحكم لا يستطيع أن يحقق الإصلاح. وفي ضوء مضمونه، هو بمثابة بيان الزهد السياسي.
لقد زهد فؤاد شهاب في المنصب حين لم يعد المنصب قادراً، في نظره ، على خدمة الدولة. ونحن اليوم، إذا أردنا أن نعيد الإعتبار إلى ذلك الزهد، لا ينبغي أن نعيد فؤاد شهاب إلى الرئاسة في الذاكرة، بل أن نعيد فلسفته إلى الدولة في المستقبل.
هذه الوثيقة، قدمت تشخيصاً لنظام سياسي واقتصادي رأى شهاب أنه لم يعد صالحاً للنهوض بلبنان.
بيان الزهد لم يكن رفضاً للثروة، بل رفضاً لتحويل الدولة إلى غنيمة. وفؤاد شهاب كان يقول في جوهر فلسفته السياسية: لا تجعل الثروة غاية الدولة، ولا تجعل الدولة وسيلة للثروة.
ربما آن الأوان، بعد أكثر من نصف قرن ألاّ نقرأ بيـان الزهد الذي أعلنه الرئيس شهاب في 4 آب 1970 بوصفه صفحة من الماضي، بل بوصفه سؤالاً تركه رجل الدولة مفتوحاً أمام دولة لم تكتمل بعد.
فالزهد الذي دعا إليه شهاب لم يكن زهد دولة في ثروتها، ولا دعوة الى الفقر، ولا رفضاً لمقومات القوة والإزدهار. كان في جوهره، زهد السلطة في الإستئثار، وزهد المسؤول في الإمتياز، وزهد الدولة في تحويل المال العام إلى غنيمة، والثروة الوطنية إلى ملكية خاصة لمن يتناوبون على الحكم.
من هنا، فإن النفط والغاز، إذا تحولا يوماً إلى ثروة فعلية، لن يكونا نقيضاً لفلسفة الرئيس شهاب، بل قد يكونان إمتحانها الأخير، والسؤال لن يكون يومها: كم نملك؟ بل: هل نملك ما يكفي من الدولة كي لا تملكنا الثروة؟ ذلك أن لبنان لا يحتاج فقط إلى قانون نفطي جيد، ولا الى صندوق سيادي مُحكم، ولا الى مؤسسات رقابية مستقلة، ولا الى شفافية في العقود والعائدات، وإن كانت كلها ضرورية. إنه يحتاج قبل كل ذلك إلى استعادة الفكرة التي تجعل كل هذه المؤسسات ممكنة. فالسلطة أمانة. والمال العام ليس مال الحاكم. والثروة الطبيعية ليست ملك جيل واحد. وأن الدولة ليست خزينة لمن يصل إليها أولاً.
وهنا تلتقي حكاية الدرج المقفل مع بيان الزهد.
فالدرج يمكن أن يُفتح بالقانون. والمفتاح يمكن أن يُوزّع بين المؤسسات. والصندوق يمكن أن يُراقب. والعقود يمكن أن تُنشر؛ لكن كل ذلك يبقى منقوصاً إذا لم يبقَ في يد الدولة مفتاح أخلاقي يمنعها من نسيان لمن تعود الأمانة.
ربما كانت هذه هي الرسالة التي يمكن أن نستعيدها من شهاب اليوم: الإصلاح ليس في تغيير الأقفال وحدها، بل في تغيير علاقة الإنسان بالسلطة، وعلاقة السلطة بالمال، وعلاقة الحاضر بالمستقبل.
الرئيس شهاب كان ينظر إلى لبنان لا باعتباره غنيمة ينبغي إقتسامها، بل أمانة ينبغي أن تُسلَّم.
واليوم، ونحن نقف أمام إحتمال ثروة تختبىء تحت أرضه وفي قاع مياهه، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ماذا سنفعل حين يُفتح الدرج؟ هل سنجد دولة تعرف لمن تعود الثروة؟ أم سنجد ثروة تبحث عن دولة؟
لعل الإختبار الحقيقي للبنان لا يبدأ يوم يُستخرج النفط، بل يبدأ قبل ذلك بكثير: يوم نقرّر، ونحن لا نزال نملك فرصة الإختيار، من سيكون صاحب المفتاح، ولمن سيُفتح الدرج، ومن سيملك حق القول: هذا ليس لنا وحدنا. فالثروة التي تُستخرج من الأرض قد تنفذ. أما الدولة التي تُبنى على الأمانة، فيمكن أن تبقى. ولذلك، ربما لا يكون المطلوب اليوم أن نُعيد فتح “الدرج المقفل” فحسب، بل أن نُعيد فتح الدولة نفسها أمام مواطنيها، وأن نعيد إلى “بيـان الزهد” معناه الذي لم يفقد صلاحيته: إن لبنان لا يحتاج إلى من يملك ثروته، بل إلى من يعرف كيف يؤتمن عليها. وهكذا، فإن أعظم ما يمكن أن نتركه للأجيال القادمة ليس فقط مقداراً أكبر في الصندوق، ولا رقماً أعلى في حساب الدولة، بل دولة لا يحتاج فيها أحد إلى أن يسأل: أين المفتاح؟ لأنه يعرف أن المفتاح، في الدولة التي تستحق أن تسمى دولة، ليس ملكاً لأحد.
* من زهـد الحاكم إلى أخلاق الدولة:
قراءة في بيان فؤاد شهاب وسؤال الثروة المقبلة
– لماذا نعود إلى 4 آب 1970؟
ليس الرجوع إلى فؤاد شهاب، بعد كل ما قيل فيه، إستدعاء لزمنٍ مضى، ولا محاولة لإعادة إنتاج تجربة تاريخية في ظرف مختلف. إنما هو “بحث عن فكرة ضاعت بين السياسة والسلطة: هل
يمكن للحاكم أن ينظر إلى السلطة باعتبارها أمانة لا ملكية، وإلى الدولة باعتبارها مؤسسة لا غنيمة، وإلى المال العام باعتباره حقاً للأجيال لا مورداً للمنتفعين؟
ففي الرابع من آب عام 1970 لم يكن فؤاد شهاب يعلن برنامجاً إنتخابياً، ولم يكن يطلب سلطة جديدة، بل كان يجيب عن سؤال مختلف تماماً: هل يستطيع أن يعود إلى السلطة في دولة لم تعد مؤسساتها، في نظره، صالحة لحمل المشروع الذي يؤمن به؟
فؤاد شهاب لم يقل، في جوهر موقفه: لا أريد السلطة. بل كان سؤاله أعمق: ما قيمة أن أمتلك السلطة إذا كانت الأدوات التي يُفترض أن تجعلها أداةً للإصلاح قد فقدت صلاحيتها؟
هذا السؤال، يستحق أن يُطرح من جديد على لبنان، بعد أكثر من نصف قرن، ولكن هذه المرة أمام إحتمال الثروة النفطية والغازية.
أولاً: بيان الزهد لم يكن بيان إعتزال، بل بياناً في معنى السلطة.
القراءة السطحية لبيان 4 آب 1970 تُختزل في قرار فؤاد شهاب عدم الترشّح للرئاسة. لكن القراءة الأعمق تكشف أنه كان، في الحقيقة، بياناً في فلسفة الحكم.
فالبيان يبدأ من الضغوط التي تعرّض لها شهاب للترشح، ثم يشرح أنه أراد ان يتفحّص بهدوء معطيات الوضع العام، وإنعكاساتها على مختلف الصعد، وأن يقيس إمكاناته لخدمة بلده وفق مفهومه الشخصي للواجب، وما يتطلبه مستقبل البلاد ومستقبل أبنائها.
فالحاكم في هذه الرؤية، لا يقيس قراره بمصلحة اللحظة، ولا بمقدار ما يستطيع أن يفعله خلال ولاية جديدة، وإنما بمقياس أوسع:
ما الذي يبقى للدولة ولأبنائها بعد انتهاء الولاية؟
فالنفط والثروة الطبيعية ليسا ملكاً للحكومة القائمة، ولا للرئيس، ولا للبرلمان، ولا لجيل واحد. إنهما في جوهرهما، أمانة ممتدة عبر الزمن.
ومن هنا يصبح سؤال شهاب عن “مستقبل البلاد ومستقبل أبنائها” مدخلاً طبيعياً الى “مفهوم العدالة بين الاجيال” الذي يجب أن يحكم اي سياسة لبنانية للموارد الطبيعية.
ثانياً: الزهد الشهابي ليس زهداً في السلطة، بل زهدٌ في إمتلاكها.
الزهد السياسي الذي يمثله فؤاد شهاب لا ينبغي أن يُفهم على أنه نُفورٌ من السلطة لذاتها. فالدولة تحتاج إلى سلطة. والإصلاح يحتاج إلى سلطة. والمؤسسات تحتاج إلى سلطة قانونية تحميها. لكن الخطر يبدأ عندما تنتقل السلطة من كونها وظيفة عامة الى كونها ملكية شخصية او حزبية.
والزهد في الحكم ليس أن يعزف الحاكم عن السلطة، بل أن يعزف عن امتلاكها. وهذا ربما هو أدق تعريف للزهد الشهابي.
فالحاكم الزاهد لا يسأل: ماذا سأحصل عليه من الدولة؟ بل: ماذا أستطيع أن اترك فيها بعد خروجي منها؟ ولا يسأل: كيف أبقى؟ بل: كيف تبقى المؤسسة؟ ولا يسأل: كيف أحمي نفوذي؟ بل: كيف أحمي قواعد اللعبة من أن تتحول إلى ملكية خاصة؟ وهنا يتحول الزهد من فضيلة شخصية إلى نظرية في الحكم.
ثالثاً: من أخلاق الشخص إلى أخلاق المؤسسة.
المشروع الشهابي لم يتوقف عند السلوك الشخصي.
لقد إتجه، في جانب أساسي منه، إلى بناء مؤسسات قادرة على أن تستمر بعد صاحبها.
وقد أنشئت في عهد الرئيس شهاب ترسانة من أجهزة الرقابة والإدارة الحديثة؛ منها التفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية وديوان المحاسبة، في إطار اعادة تنظيم الدولة والإدارة العامة.
وتوضح المصادر الرسمية للتفتيش المركزي أن إنشاءه يعود إلى المرسوم الاشتراعي رقم 115 تاريخ 12 حزيران 1959، وأن مهمته شملت مراقبة الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات وتحسين اساليب العمل الإداري.
كما يصف مجلس الخدمة المدنية نفسه هذه المؤسسات بأنها جزء من الرؤية التي ارادها شهاب لإرساء إدارة تقوم على الكفاءة والإستقلالية والحياد، ويؤكد أن إنشاء هيئات الرقابة الإدارية كان من عناصر مشروعة لبناء الدولة.
يبقى أن الزهد الحقيقي لا يكفي إذا بقي خلقاً في شخص الحاكم. فالحاكم النزيه قد يرحل. أما المؤسسات النزيهة فيجب أن تبقى. ولهذا كان التحدي الشهابي في أعمق معانيه، هو الإنتقال: من نزاهة الرجل الى نزاهة النظام. هذا ما يحتاجه لبنان اليوم في مسألة النفط، إذ ليس المطلوب أن نعثر على مسؤول زاهد ثم نعهد اليه بإدارة الثروة. هذه ليست دولة. الدولة التي تستحق ثروة طبيعية هي التي تبني نظاماً يجعل النزاهة قاعدة حتى عندما لا يكون المسؤول زاهداً.
رابعاً: الدرس الأهم في بيان 4 آب 1970 ان المشكلة ليست دائماً في الاشخاص
في عرضه لأسباب عزوفه عن الترشح للرئاسة مجدداً، ذهب الرئيس شهاب إلى نقد صلاحية المؤسسات السياسية والأصول التقليدية للعمل السياسي، معتبراً أنها لم تعد أداةً صالحة للنهوض بلبنان وفق متطلبات المرحلة. كما انتقد النظام الإنتخابي والنظام الاقتصادي بما يسمح بقيام الإحتكارات.
الوثيقة التاريخية هذه تتجاوز شخص شهاب لتطرح مسألة ما برحت قائمة: “هل يستطيع أفضل رجل في الدولة أن يصنع دولة حديثة اذا كانت القواعد التي تحكم الدولة غير حديثة؟
قد نقرّ أجمل القوانين المتعلقة بالشفافية. وقد نُنشىء هيئة لإدارة قطاع البترول. وقد نؤسّس صندوقاً سيادياً. وقد نعلن أن النفط ملك الشعب. ولكن، اذا بقيت قواعد التعيين والمحاصصة وتضارب المصالح والرقابة غير فعّالة، فإن أفضل النصوص يمكن أن تتحوّل إلى زينة تشريعية.
المشكلة إذاً ليست فقط في العثور على اشخاص صالحين، بل في القدرة على بناء مؤسسات تجعل الصلاح أقل إعتماداً على الاشخاص.
خامساً: شهاب والمؤسسة: من الرجل القوي إلى الدولة القوية.
غنيّ عن القول بأن القيمة التاريخية لتجربة شهاب لا تكمن في أن لبنان كان يملك آنذاك رئيساً إستثنائياً، ثم انتهى كل شيء بانتهاء ولايته، بل تكمن في المحاولة التي بذلها لتحويل الدولة في مجموعة إدارات وأجهزة إلى بنية مؤسساتية حديثة. وقد ظهرت هذه الفكرة في خطاب القسَم الذي ألقاه عند توليه الرئاسة عـــــام 1958، حيث ربط بناء الدولة بثقة المواطن، وتجرّد الحاكم، وعدل
القاضي، وأمانة الموظف، وجعل الدولة للمواطن وللكلّ على السواء، وربط النهوض بالدولة بالمسؤولية والحساب والنظر إلى الغد.
في خطاب القسَم، كان شهاب يتحدث عن أمانة الموظف وتجرّد الحاكم.
وفي بيان 4 آب 1970، كان يتحدث عن عجز المؤسسات عن مواكبة المستقبل.
وبين الوثيقتين يمتد مشروع كامل ومتكامل: دولة لا تقوم على اخلاق الأشخاص وحدها، بل على مؤسسات تُجسِّد تلك الأخلاق.
سادساً: من بيان الزهد إلى الثروة
هنا يبدأ الإمتحان اللبناني الحقيقي. فشهاب لم يكن أمام ثروة نفطية مكتشفة. ولم يكن أمام دولة تمتلك مورداً طبيعياً هائلاً يمكن أن يعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة معاً. لكن لينان اليوم يطرح إحتمالاً مختلفاً يفرض سؤالاً لم يكن مطروحاً بالحدّة ذاتها في زمن فؤاد شهاب: إذا كان الزهد قد إختبر الإنسان عندما امتلك السلطة، فكيف نختبر الدولة عندما تمتلك الثروة؟
قد تُفسد السلطة صاحبها عندما يشعر أنها ملكه. والثروة قد تفسد الدولة عندما يشعر القائمون عليها انها غنيمتهم. ولهذا فإن النفط ليس مجرد مسألة جيولوجية أو اقتصادية. إنه إختبار اخلاقي للدولة.
سابعاً: النفط قد يكون إمتحاناً لما بعد الشهابية.
إذا كانت تجربة شهاب قد حاولت أن تجعل الدولة أقوى من الأشخاص، فإن النفط يضع أمام لبنان إمتحاناً جديداً: هل تستطيع الدولة أن تكون أقوى من الثروة؟ فالبلد الذي يدخل عصر الموارد الطبيعية من دون مؤسسات قوية، قد يجد نفسه أمام تناقض خطير: الثروة التي كان يفترض أن تموّل الدولة، قد تبدأ بتمويل شبكات النفوذ. والمال الذي كان يفترض أن يبني المؤسسات قد يصبح سبباً في إضعافها. والصندوق السيادي الذي يُفترض أن يحمي حقوق الأجيال، قد يتحوّل إلى باب للإنفاق السياسي إذا لم تُحط به قواعد صارمة. والعقود التي يفترض أن تكون شفافة قد تتحوّل إلى منطقة نفوذ مغلقة إذا غابت الرقابة.
فالدرج المقفل ليس مجرد درج يحتوي أوراقاً لا يراها أحد. إنه رمز لدولة لا يستطيع المواطن أن يعرف: من قــرّر؟ ولماذا قرّر؟ ولمصلحة من؟ وبأي ثمن؟ وأين ذهبت الأموال؟
ولهذا فإن فتح الدرج ليس فضولاً سياسياً. إنه شرط من شروط الدولة الحديثة.
ثامناً: من زهد شهاب الى زهد الثروة.
إذا كان شهاب قد زهد في السلطة، فإن لبنان يحتاج اليوم الى شيء أوسع: زهد الدولة في الثروة. وهذا لا يعني رفض الدولة ثروتها، بل أن ترفض أن تستولي عليها. أن تعرف أن النفط ليس مال الحكومة، بل مال الشعب. وان الحكومة ليست مالكة للثروة، بل وكيلة عليها. وان الجيل الحالي لا يملك حق إستنزاف مورد طبيعي غير متجدّد على حساب أجيال لم تولد بعد. وهنا يصبح مفهوم الأمانة الذي ارتبط بشهاب قابلاً للإمتداد إلى ما بعد القرن الحادي والعشرين. فالأمانة لم تعد فقط أمانة المنصب، بل أمانة المورد. ولم يعد السؤال: هل المسؤول نزيه؟ بل: هل النظام الذي يدير الثروة يمنع تضارب المصالح حتى عندما لا يكون المسؤول نزيهاً؟ هل نملك الثروة أم تملكنا؟
إن لبنان لا يحتاج قبل النفط الى قانون نفط فحسب، بل الى أخلاق تحمي القانون من أن يتحوّل الى غطاء للنفط، ولا يحتاج قبل الثروة الى صندوق سيادي فحسب، بل الى ضمير سيادي يعرف ان المال الذي يدخل الخزينة ليس مال سلطة، بل مال اجيال لم تصل بعد.
لقد أدرك فؤاد شهاب، لا بل كان مدركاً، قبل أن ينسحب من سباق الرئاسة عام 1970، أن مشكلة لبنان لا تُحل بمجرّد تبديل الرجال إذا بقيت الادوات على حالها. واليوم، قد يقف لبنان أمام ثروة هائلة، فإن السؤال لم يعد من يحكم النفط، بل أي دولة ستحكمه.
فإذا كان شهاب قد ترك لنا درس الزهد في السلطة، فإن النفط يترك لنا درساً أشد قسوة: أن نزهد في تحويل الثروة إلى سلطة، وفي تحويل السلطة إلى غنيمة، وفي تحويل الدولة الى درج مقفل لا يملك مفتاحه إلاّ أصحاب النفوذ.
ولعلّ أعظم وفاء لبيان الزهد ليس بأن نعيد ترداد كلماته، بل أن نحوّل معناه إلى مؤسسات. فالثروة التي لا تحرسها الأخلاق تصبح لعنة، والمؤسسة التي لا تحرسها الشفافية تصبح واجهة، والقانون الذي لا يحرسه الضمير يصبح باباً آخر للدرج. أما المفتاح الحقيقي، فليس في يد رجل واحد. إنه في دولة تعرف أن ما تحت الأرض ليس ملكاً لمن يحكم اليوم، بل أمانةً لمن سيأتي غداً.
* من بيان الزهد إلى بيان لمستقبل: حين تصبح الثروة إمتحاناً للأخلاق:
أن تأتي الثروة إلى دولة لم تُحسم بعد علاقتها بالسلطة والمال والقانون، فهذا من أخطر الأمور. فحين تدخل الثروة دولةً قوية بمؤسساتها، يمكن أن تكون رافعة للتنمية؛ أما حين تدخل دولة ما زالت تتنازعها المصالح، فقد تتحوّل حتماً من نعمةٍ اقتصادية إلى إمتحانٍ أخلاقي وسياسي لا ينجح فيه إلاّ من إمتلك قبل النفط مؤسسات قادرة على حمايته.
والسؤال الأعمق الذي يواجه لبنان: هل نملك الدولة التي تستطيع أن تملك النفط دون أن يستولي النفط على الدولة؟
لقد كان فؤاد شهاب، في موقفه الزاهد من السلطة، يضع أمام الحياة السياسية اللبنانية معياراً يتجاوز الأشخاص والمواقع: أن تكون السلطة وسيلة لخدمة الدولة، لا وسيلة لامتلاكها. وأن تكون الوظيفة العامة أمانةً لا إمتيازاً. وأن يبقى مستقبل البلاد وأبنائها هو المقياس الأخير للقرار.
ولعل، ربما، قيمة بيان الزهد اليوم لا تكمن في أن نستعيد عباراته بوصفها ذكرى من زمنٍ مضى، بل في أن نقرأ روحه بوصفها سؤالاً حاضراً: ماذا يفعل الحاكم حين توضع بين يديه ثروة لا تخصُّه، وموردٌ لا يحق له أن يستهلكه، ومستقبلٌ ليس ملكاً لجيله؟
فإذا كان الرئيس شهاب قد قدّم أنموذج: الزهد في السلطة، فإن لبنان أمام إمتحان جديد يمكن أن نسميه، مجازاً، زهد الدولة في الثروة. والمقصود بزهد الدولة أن تتخلى عن وهم إمتلاكها لثروتها لا أن تتخلى عنها. وأن تعرف الحكومة أنها لا تملك النفط، وإنما تُدير أمانة عامة؛ وأن تعرف السلطة أن الخزينة ليست صندوقاً إنتخابياً؛ وأن تعرف المؤسسات أن المال المتأتي من مورد طبيعي غير مُتجدّد، ليس ريعاً حاضراً يجوز تبديده، بل حقٌ ممتد بين أجيالٍ لم تولد بعد.
فاستقلال هيئة إدارة قطاع البترول ليس مسألة تقنية، إنه حصانة للقرار العام من المصالح الخاصة.
والشفافية ليست ترفاً إدارياً، إنها حق المواطن في أن يعرف ماذا جرى بإسم ثروته.
والرقابة البرلمانية والقضائية ليست عائقاً أمام الإستثمار، إنها الضمانة بأن الإستثمار لن يتحوّل إلى استئثار.
والصندوق السيادي ليس مجرد حساب مالي. إنه وعدٌ للأجيال المقبلة بأن ثروة اليوم لن تكون على حساب الغد. وتضارب المصالح ليس تفصيلاً قانونياً. إنه اللحظة التي يمكن أن ينتقل فيها المسؤول من موقع المؤتمن إلى موقع المستفيد.
من كل هذا وذاك، فإن لبنان لا يحتاج، قبل النفط، إلى قوانين فحسب، بل الى ثقافة دولة تجعل القانون أقوى من النفوذ، والمؤسسة أقوى من الشخص، والمصلحة العامة أقوى من الغنيمة. ومفتاح الدرج المقفل يجب أن يكون في القانون، وفي الشفافية، وفي استقلال المؤسسات، وفي الرقابة، وفي قضاءٍ حرّ منزّه ومستقل يسأل ولا يُسأل، وفي مجتمع يستطيع أن يعرف كل شيء.
ولذلك، قد يكون النجاح الأكبر للبنان، إذا تحولت الثروة المحتملة إلى ثروة فعلية، ألاّ يتغيّر شيء في أخلاق الدولة:
أن تبقى الثروة مالاً عاماً لا مالاً سائباً. وأن تبقى السلطة وظيفة عامة. وأن تبقى المؤسسة فوق الشخص. وأن يبقى المستقبل حاضراً في كل قرار يتعلق بالحاضر، ذلك أن النفط، في نهاية المطاف، لن يكون الإختبار الحقيقي لثروة لبنان، بل الإختبار الحقيقي لضميره المؤسسي. فقد تستطيع الدولة أن تستخرج النفط من أعماق البحر، لكنها لا تستطيع أن تستخرج العدالة من باطن الأرض. وقد تستطيع أن تضخ الغاز إلى الاسواق، لكنها لا تستطيع أن تضخ الثقة في عروق الدولة ما لم تكن الثقة قد تأسست وتجذّرت في مؤسساتها. وقد تستطيع أن تملأ الخزينة بالمال، لكنها لا تستطيع أن تملأها بالشرعية إذا غاب الحساب والشفافية.
من هنا، فإن أعظم وفاء يمكن أن نترجمه لفؤاد شهاب ليس أن نعلّق صورته على جدران الدولة، ولا أن نكرر مقولات عن نزاهته، بل أن نفهم الدرس الذي يتجاوز شخصه: أن الدولة لا تُبنى برجالٍ صالحين فقط، وإنما بمؤسساتٍ تجعل الصلاحَ قاعدة، والإنحراف إستثناءً، والمال العام أمانةً لا غنيمة.
لقد كان إمتحان فؤاد شهاب أن يملك السلطة فلا تستولي عليه. أما إمتحان لبنان المقبل فقد يكون ربما أشد تعقيداً: أن يملك الثروة دون أن تستولي عليه الثروة.
وهنا، ربما يلتقي بيان الزهد مع بيان المستقبل.
فالأول قال، في جوهره: ليست كل سلطة تستحق أن تُطلب.
أما الثاني، الذي ينبغي أن يقوله لبنان اليوم، فيقول: ليست كل ثروة تستحق أن تُستغل، إذا كان ثمن استغلالها ضياع الدولة.
ولعل لبنان، بعد كل ما مرّ به من مِحن، لا يحتاج إلى نبوءةٍ جديدة بقدر ما يحتاج إلى شجاعة أخلاقية تُعيد تعريف معنى الثروة. والزهد الشهابي هو المعيار الذي نقيس به قدرتنا على إجتياز الإمتحان. فاكتشاف النفط، ليس هو الحدث الأكبر. بل الحدث الأكبر، هو أن نكتشف معه، دولة قادرة على حمايته. فإذا فتحنا الدرج، فلا ينبغي أن نفتحه بحثاً عن الغنيمة، بل بحثاً عن الحقيقة.
وإذا وجدنا المفتاح، فلا ينبغي أن نعطيه لأحد، بل أن نضعه في يد القانون. وإذا دخلت الثروة إلى لبنان، فلا ينبغي أن نسأل أولاً: كم سنربح؟ بل أن نسأل: أي لبنانٍ نريد أن نتركه لمن سيأتي بعدنا؟
ذلك هو السؤال الذي يجعل من النفط ثروة، ومن الثروة مسؤولية، ومن المسؤولية أخلاقاً، ومن الأخلاق دولة. وربما كان هذا هو المعنى الأبعد، لا بل الأكثر قدسية، لبيان الزهد: أن السلطة تنتهي، والثروة تنضبّ، والرجال يرحلون، أما الدولة التي تُبنى على الأمانة فتبقى. فأي لبنان نريد أن نتركه لمن سيأتي بعدنا؟
المهم أن نعرف من يملك المفتاح، ولأي غدٍ سيفتحهُ.
فالثروة إمتحان للدولة، والدولة إمتحان للأخلاق، والأخلاق هي المفتاح الذي لا يستطيع أي قانون أن يضعه نيابةً عن الإنسان.
لم يكن قرار الرئيس فؤاد شهاب بإعادة ملف النفط إلى أدراج وزارة الاشغال العامة عام 1960 مجرد موقف سياسي عابر، فهو بذا، إلتقط مبكراً بعض جوهر الجغرافيا السياسية اللبنانية مستشرفاً منطقها، بلدٌ صغير في موقع كبير، تتقاطع على أرضه المصالح الإقليمية والدولية، وتتداخل فيه الجغرافيا مع السياسة، والثروة مع النفوذ، والداخل مع الخارج. فالجغرافيا، في لبنان، ليست قدراً سياسياً مكتوباً إلى الأبد، لكنها تصبح كذلك حين تعجز الدولة عن تحويل موقعها إلى مصلحة وطنية، وتتحول الثروة من مورد للتنمية إلى موردٍ للصراع.
ولذلك، فإن الإمتحان النفطي، إن تحقّق، لن يكون إمتحاناً للإقتصاد اللبناني فحسب، بل إمتحاناً لقدرة لبنان على أن يكون دولة في جغرافيته، لا ساحةً في جغرافيا الآخرين.
وربما هنا، تكمن إحدى أكثر قراءات فؤاد شهاب إستشرافاً:
إن بناء الدولة لم يكن بالنسبة إليه مشروعاً إدارياً محضاً، بل كان، في عمقه، مشروعاً لحماية لبنان من هشاشة موقعه ومن قابلية ثروته وقراره لأن يصبحا موضعاً للتجاذب.
ومن هذه الزاوية، يصبح “بيـان الزهد” أبعد من دعوة إلى نزاهة المسؤول، إنه دعوة إلى تحرير الدولة من إغراءاتها الداخلية، حتى تستطيع أن تواجه ضغوطها الخارجية.
لقد كان “فخامة اللواء” مدركاً، بحسّه العسكري ورؤيته الدستورية، أن الثروة في بلد يفتقر إلى التحصين المؤسساتي والوحدة الداخلية، لن تكون رافعة للإزدهار، بل ستتحوّل حتماً إلى فتيل تفجير خارجي يمزّق صيغة العيش المشترك، ويسيّل لعاب القوى العظمى والإقليمية على حساب سيادة الوطن.
واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود من ذلك اللقاء التاريخي بين الرئيس شهاب والوزير نقاش، يجد لبنان نفسه مجدداً أمام إختبار الثروات في بحره وبرّه، وتثبت التحولات الإقليمية المتسارعة، بأن قراءة “اللواء” تفكك بدقة أزمات الحاضر. فالتنقيب عن الغاز والنفط واستخراجها لا يتطلبان تقنيات حديثة وعقوداً استثمارية بقدر ما يحتاجان، وقبل أي أمر آخر، إلى دولة المؤسسات والكتاب، التي ناضل الرئيس شهاب لإرسائها. دولة تحمي الثروة من المحاصصة الطائفية والفساد الإداري والأطماع الخارجية.
فالرئيس الذي رأى أن البنية السياسية اللبنانية عاجزة عن حماية الإصلاح الإداري، هو نفسه الرجل الذي رأى عام 1960 أن هذه البنية عاجزة عن حماية واستيعاب الثروة النفطية براً وبحراً في ظل التكالب الخارجي والمحاصصة الداخلية.
سيبقى التاريخ شاهداً على أن فؤاد شهاب، بحكمته المعهودة، وبحسّه الوطني، ورؤيته الثاقبة، آثر حماية الكيان على بريق الذهب الأسود، مؤمناً إيماناً مطلقاً بأن بناء الإنسان اللبناني وتحصين الإدارة هما الثروة الحقيقية المستدامة.
وإذا كان لبنان يستشرف اليوم عصراً نفطياً جديداً، فإن التحدي الأكبر لا يكمن في عمق البحار ولا في طيات الصخور والجبال، بل في مدى قدرة الطبقة السياسية على إستلهام “النهج الشهابي” لإدارة هذه “الثروة الحلم” بزهدٍ وطني، وترفّع سيادي، وعقلية مؤسساتية، كي لا تصح توقعات “اللواء” وتتحوّل النعمة إلى لعنة تطمس ما تبقى من معالم الصيغة اللبنانية.
وهنا لا يعود فؤاد شهاب مجرد ذكرى تاريخية تُستعاد، بل يصبح سؤالاً أخلاقياً يواجه لبنان اليوم:
“حين تُفتح أبواب الثروة، هل يكون لبنان قد بنى الدولة التي تستحق أن تحمل مفتاحها؟”.
الهوامش والمراجع التاريخية الموثقة علمياً وتاريخياً:
المراجع الأجنبية والتقنية:
1 – Dubertret, Louis (1932)
Les formes Structurales de la Syrie et du Liban: leur évolution au cours du Crétacé et du Tertiaire
La revue de Géorgraphie physique et de Géologie Dynamique, Paris
– دراسة تأسيسية رسم من خلالها دوبرتريه الخرائط الطبقاتية الأولى وأشار فيها إلى إلتواءات الصخور المحتجزة للهيدروكاربونات.
2 – Renouard, Georges (1955)
Oil prospects of Lebanon. Bulletin of the American Association of Petroleum Geologists (AAPG), Volume 39, No. 11, pp. 2125 – 2169.
– التقرير الأميركي الأشهر الذي إستند إليه الوزير والصحافي المخضرم جورج نقاش وفيه مسح شامل لثلاثة آلاف وثلاثماية كلم مربع /3300/ كلم مربع من الأراضي اللبنانية وتحليل لنتائج بئري تربل ويحمر.
3 – Dubertret, L. (1955)
Carte Géologique du Liban au 1.200.000 Ministère des Travaux Pubics, Beyrouth.
– الخريطة الجيولوجية الرسمية الصادرة عن وزارة الأشغال العامة اللبنانية بإشراف فرنسي، وقد بقيت المرجع الأول للتنقيب.
المراجع التاريخية والسياسية الخاصة بالعهد الشهابي:
1 – تقرير بعثة إيرفد (IRFED 1961): الإحتياجات الإنمائية للبنان: دراسة علمية شاملة. وزارة التصميم العام، الجمهورية اللبنانية. الوثيقة التي اعتمد عليها الرئيس شهاب لإطلاق الإنماء المتوازن.
2 – فؤاد بطرس (المذكرات): دار النهار للنشر. الطبعة الأولى 2009.
3 – بيان العزوف عن الترشح لرئاسة الجمهورية : 4 آب 1970 (الوثيقة الأصلية المحفوظة في أرشيف مؤسسة فؤاد شهاب، بيروت، ومحفوظات وزارة الإعلام اللبنانية).
“محكمة” – الخميس في 2026/10/8



