“أناديكم لتعلو البيارق ونغني للوطن”: المواطنية موجب أخلاقي ملزم في زمن الحرب/جاد طعمه
المحامي د. جاد طعمه:
إذا غاب زياد الرحباني وأحمد قعبور بالجسد، فالنداءات التي وجهاها باقية. برحيلهما ودّع لبنان حملة راية عنوانها “الفن رسالة”. بغياب أحمد نقف أمام وداع جديد لوعيٍ جمعي كان يختبئ خلف كلمات قد تبدو بسيطة ومن السهل حفظها وتردادها، لكنها كانت تحمل من العمق ما يجعلها “سهلاً ممتنعاً” يصعب على أي إنسان ألّا يشعر بأنها تعبّر عن شيء في صميم كينونته، لأنّ الكلام النابع من القلب لا بدّ من أن يصل لكلّ القلوب.
الفنانون الكبار حين يرحلون يتركون للذاكرة اللبنانية إرثاً عظيماً لا بل منهاجاً وطنياً. بعض الأغاني ليست مجرد كلمات وألحان عابرة، هي وثائق وطنية بامتياز، تدّون باللحن والكلمات لتعكس تعلقاً بالأرض وتشجيعاً على الانتصار للكرامة واستصراخاً للضمائر من أجل الرفض المطلق للإنكسار.
زياد وأحمد بأعمالهما الفنية شكّلا تجسيداً واقعياً للعناق الانساني بين الكنيسة والمئذنة تحت راية الوطن. رحلا في زمن اختلّت فيه الموازين وضاعت فيه القدرة على التمييز بين الصديق والعدو، بين المواطنية والارتهان للخارج، بين الحق والباطل. زمن تنهال فيه حمم البارود الحاقد على كل لبنان، ويُهدد فيه بالاجتياح العسكري، الأمر الذي يستدعي حدًا أدنى من وحدة الموقف الوطني المفقود. زمن ينبئ كل يوم بوجود الكثير من الفتن المشتعلة ناراً تحت رماد النفاق الذي يمزق الوطن، زمن يُنحر فيه القانون الدولي والقانون الدولي الانساني على أيدي معتوهين ومجرمين يتحكمون بالعالم، لنقف جميعاً أمام مشهد مهول يجعل من العدالة الدولية مجرد عنوان فارغ، ومن القانون الدولي أداة انتقائية لا تُستخدم إلا لخدمة مصالح الأقوياء.
المواطنية كفعل لا كشعار
حين غنى أحمد قعبور: “أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض من تحت نعالكم، وأقول أفديكم” وحين غنى زياد الرحباني: “يا زمان الطائفية”.
لم تكن الكلمات والألحان تعبيرًا عن مشاعر جياشة فحسب، بل كان غناء لمبادئ دستورية في العلاقة بين الفرد والجماعة، خلاصته أن الانتماء الحقيقي هو أن تضع ذاتك في خدمة الوطن كل الوطن وأهله، وأن تكون مأساتك الشخصية جزءاً من مأساة مجتمعك، “فمأساتي التي أحياها نصيبي من مآسيكم” وهذا أبلغ تعبير عن التعاضد المجتمعي والانساني.
هي قواعد قانونية أخلاقية: لا خلاص للفرد بمعزل عن الجماعة، ولا معنى للعدالة إن لم تكن شاملة. أليست هذه هي روح القانون ذاته؟ أليس هدف التشريع هو تحقيق التوازن بين المصالح الفردية والمصلحة العامة؟
لكن المواطنية في قاموس أصحاب رسالة الفن الراقي، ليست مفهوماً نظرياً تتم المحاضرة فيه في قاعات المحاضرات الجامعية أو النقابية، بل هي فعل حياة، هي أن تكون حاضرًا بالموقف والكلمة حيث يجب أن تكون حين يُحرق الوطن بأعقاب سجائر تجار الأوطان المتربعين على عروش العمل السياسي. وفي هذا السياق، لا يمكننا أن نتجاهل أن الجنوب اللبناني، ومنطقة جبل عامل تحديدًا، كانا ولا يزالان مدرسة المواطنية بامتياز سواء أعجب هذا الكلام كثر أم لم يعجبهم. هناك، في قرى الليطاني والنبطية والخيام، ليست الوطنية شعاراً يُرفع في المناسبات، بل دماء تسيل على تراب يحوّل إلى وطن، ومن افتدوا الوطن بدمائهم يجب ألا يطعنوا ولا يطعن أهلهم من الخلف.
“يا رايح صوب الليطاني، دخلك وصلّي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطل شوية ع الخيام”. هل تمر اليوم في أذهاننا مروراً عابراً ونحن على أبواب مرحلة قد نحرم فيها من زيارتهم. هذه الكلمات ليست مجرد حنين إلى جغرافية، بل هي اعتراف بأن الجنوب هو الوجه الآخر للوطن، هو ذاكرة المقاومة، هو الجرح الذي لا يندمل طالما أن ثمة محتل جاثم على الأرض وطامع بالأرض وبناء المنازل فيها. حين نغفل عن ذلك، وحين يُطعن أبناء الجنوب مرة من العدو التاريخي، ومرة أخرى من أبناء الوطن الذين انشغلوا بالتنظير بعيدًا عن دماء الحقيقة، فإننا لا نكون فقط ظالمين بحقهم، بل نكون ظالمين بحق أنفسنا وغفلتنا أدت إلى فقداننا البوصلة الأخلاقية التي تحدد لنا معنى الوطنية.
إن أهل الجنوب، أبناء جبل عامل، قدّموا للبنان قرابين لا تُحصى، بالمال والأنفس والدماء. ومهما قلنا إننا نحب لبنان بالتنظير، فإنهم يثبتون حبهم للأرض والتراب بالأفعال. لقد حملوا دماءهم على أكفهم وما نكسوا أعلامهم، صانوا العشب الأخضر فوق قبور أسلافهم، ووقفوا بوجه الظلام يتامى عراة حفاة، ولم يهونوا في وطنهم ولم تصغر أكتافهم، “أنا ما هنت في وطني وما صغرت أكتافي، وقفت بوجه ظلامي يتيمًا عاريًا حافي”.
إنها شهادة ميلاد وطنية لكل من يظن أن الوطنية يمكن اختزالها في تصريحات إعلامية أو مواقف آنية. الوطنية عند هؤلاء هي أن تكون حيث تخونك القوى، حيث تتخلى عنك الأنظمة، حيث لا يبقى لك إلا تراب الأرض الذي تحتضنه وتحتضنك.
جريمتان في آن واحد
ما يحدث اليوم في الجنوب اللبناني، وفي غزة، وحتى في ايران واوكرانيا وقبلها في العراق وأفغانستان، وفي كل بقاع الأرض التي تُذبح تحت مسمّيات زائفة، هو جريمتان في آن واحد: جريمة العدوان الخارجي، وجريمة التخلي الداخلي. حين يُقتل الناس على حدودهم، وحين تُسوّى بيوتهم بالأرض، وحين تُقطع أشجار الرمان التي كانت تحيط ببيوتهم. “كان في عندنا ساحة نلعب فيها من زمان، وكان حول بيوتن حلوة أشجار الرمان، قطعوها وبقيت واحدة، اسقوها شوية حرام”. هذه لم تكن صورة ابداعية أو مجرد لوعَة حنين، بل هي وثيقة على جريمة اغتيال للحياة اليومية، للذاكرة، للأمكنة التي تشكل هوية الناس.
لكن الأشد إيلاماً هو أن بعض أبناء الوطن يضيفون جريمة ثانية: جريمة الابتزاز واستغلال المأساة. محزنة أخبار من يستغلون النازحين والمنكوبين، من يحولون الدماء إلى صفقات، من يتاجرون بالجراح. ولكي لا نستطرد في التعميم، لا بدّ من الاعتراف بوجود حالات وضّاءة قليلة تحاول ترقيع بعض ما تمزق. وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والقانوني معاً: كيف يمكن لنا أن نقبل أن يُطعن أهل الجنوب مرتين؟ مرة من عدو يريد أرضهم، ومرة من “أبناء وطن” يريدون مكاسب آنية على حساب دمائهم؟
إنّ المواطنية الحقيقية تقتضي أن نكون مع أهلنا في الجنوب لا بالكلمات فقط، بل بالوقوف إلى جانب حقهم في الدفاع عن أنفسهم، حقهم في المقاومة، حقهم في أن يكونوا جزءًا من قرار وطني لا يُستثنى منه أحد. وهذا يقودنا إلى سؤال قانوني جوهري: ما هو حق الدفاع عن النفس في القانون الدولي؟ ولماذا يُسلب هذا الحق عن الشعوب التي تحتل أرضها، بينما يُمنح لمن يمارس العدوان؟
الخلط القاتل بين العمل المقاوم والعمل السياسي
هنا لا بد من وقفة دقيقة. وقفة تمييز بين ما هو مقدس وما هو قابل للمساءلة، بين ما هو مبدئي وما هو سياسي. فالعمل المقاوم، بوصفه دفاعاً عن الأرض والكرامة والعرض، هو فعل وطني نزيه ومقدس. إنه الاستثناء الذي يشرّف الأمة، وهو الحق الذي لا يسقط بالتقادم، والواجب الذي لا يعتريه التردد حين تغيب الدولة وتتخلى الأنظمة.
أما العمل السياسي وخاصة في لبنان، ففيه من الموبقات ما فيه. وفيه من الانحرافات والصفقات والمزايدات ما يجعل منه ساحة للتناقضات لا ساحة للثوابت. وهنا يجب ألا نضيع البوصلة، وألا نخلط بين ما هو سياسي وما هو مبدئي. فلا يجوز أن يُبرر العمل المقدس الأعمال السياسية الشنيعة، ولا يجوز أن تُختزل المقاومة في أجندات حزبية أو فئوية. المقاومة أكبر من السياسيين، وأبقى من الأحزاب، وأسمى من المصالح الضيّقة.
إننا حين ندافع عن المقاومة كمبدأ، إنما ندافع عن حق شعب في الدفاع عن أرضه، عن حق إنسان في عدم الاستسلام، عن حق أمة في الكرامة. وهذا الدفاع لا يعني بأي حال من الأحوال، التغطية على أخطاء سياسية، أو التبرير لمواقف فاسدة، أو التطبيع مع ممارسات شائنة قد تصدر عن جهات سياسية بعينها.
لكن هناك ما هو أهمّ من كل ذلك: نحن لا نحاسب المواقف السياسية مستقويين بصواريخ العدو التي تطال قبل المباني والناس وحدتنا الوطنية. فحين تنهمر القذائف على بيوتنا، وحين تهدد صواريخ العدو وجودنا، يصبح الخلاف السياسي ثانوياً، وتصبح التفاصيل التي تفرقنا هامشية، ويصبح الوطن هو الحقيقة الوحيدة.
إن صواريخ العدو لا تفرق بين شمالي وجنوبي، بين مسيحي ومسلم، بين مؤيد ومعارض. إنها تستهدف اللبنانيين جميعاً، وتضرب في عمق الوحدة الوطنية التي هي صمام الأمان الوحيد لبقاء هذا الوطن. وفي مواجهة هذا الخطر المشترك، لا يجوز لنا أن نترك الخلافات السياسية تقودنا إلى الانقسام، ولا أن نسمح للفتنة أن تنشب تحت وابل النيران.
طقوس الغفران في أيام الامتحان الكبير
ثمة ارتقاء على الجراح مطلوب. ثمة وعي وطني ضروري لوأد الفتنة في مهدها. ثمة علم لبناني، كلما نظرنا إليه، يجب أن نستشعر أننا مدينون له بالولاء، وأنه يجمعنا جميعاً تحت راية واحدة مهما تعددت انتماءاتنا.
في هذه الأيام العصيبة، أيام الامتحان الكبير الذي يمر به لبنان، لا بد أن نمارس طقوساً من الغفران تجاه إخوتنا في المواطنية. فالوطن سفينة ونحن جميعاً على متنها، وإن غرقت السفينة غرقنا جميعاً. لا منقذ لنا إلا حفظ الوطن، لا خلاص لنا إلا أن نتمسك بهذا السقف الجامع الذي اسمه لبنان.
بعد صد العدوان، بعد أن نطمئن على سلامة وطننا، سنختلف بالسياسة حتى العظم. سنتصارع على السلطة، ونتنازع على المكاسب، ونتخاصم على التفاصيل. لكن تحت وابل النيران، لا خيار لنا إلا أن ننصهر أو نتحد. وهذه ليست طوباويات يعيشها المثاليون، بل هي موجبات أخلاقية وموجبات وطنية، بل هي موجبات وجودية لمن يريد أن يبقى له وطن يعيش فيه.
إن الوحدة الوطنية في أوقات الخطر ليست خياراً، بل هي ضرورة. ليست فضيلة اختيارية بل فريضة وجودية. إنها الرحم الذي يلد النصر، والسور الذي يصد العدو، والجدار الذي تتحطم عليه مشاريع الفتنة.
حق الدفاع عن النفس بين الادعاء والحقيقة
لطالما استخدم العدو الإسرائيلي ادعاءات “حق الدفاع عن النفس” لتبرير جرائمه، متناسياً أن هذا الحق في القانون الدولي لا يمارسه المحتل ضد مقاومة الاحتلال، بل تمارسه الدول ضد العدوان الخارجي. إنه قلب للمنطق القانوني، وتلاعب بالمعايير، استطاع من خلاله تسويق جرائمه تحت عناوين براقة.
لكن الحقيقة أننا في لبنان نمارس حق الدفاع عن النفس فعلاً، ليس ادعاءً، بل واقعاً. نحن ندافع عن أرضنا، عن بيوتنا، عن كرامتنا، عن حقنا في العيش بسلام على أرضنا. ومع ذلك، نرى مؤخراً انحرافاً خطيراً نحو تجريم المدافعين، نحو اعتبارهم “خارجين عن القانون ومحاكمتهم”، نحو ممارسة ضغوط عليهم باسم “الاستقرار”، و”الهدوء”، و”السيادة”.
هنا لا بدّ من وقفة قانونية وأخلاقية جادة: هل يمكن في زمن الحروب أن نجرّم من يدافع عن ترابه؟ هل يمكن في قاموس الوطنية أن نخلط بين المعتدي والمدافع؟ هل يمكن أن نطالب من يقدمون الدماء بأن يلتزموا بقواعد لا يلتزم بها من يهددونهم بالقتل والإبادة؟
إن ما يحدث هو انحراف أخلاقي ووطني خطير وهو ذهول في المفاهيم، لا يمكن تبريره بأي منطق قانوني أو أخلاقي. فالناس كلهم قد يصطفون للباطل، لكن ستبقى فئة تقول الحق في وجه سلاطين الجور وأتباعهم، أولئك العاملين في بلاط السلاطين ويميلون كيفما مالت موازين القوى، متباهين بأنهم “يتمتعون بالسلطة ويضربون بسيف السلطان” بينما يتنازلون عن الكرامة.
ما المطلوب في زمن ينحر فيه القانون الدولي؟
نحن اليوم في زمن سيء، زمن يُنحر فيه القانون الدولي، زمن تسقط فيه المعايير، وتنتصر فيه الإرادة السياسية على العدالة، وتُستخدم المؤسسات الدولية كأدوات للضغط والإقصاء. في هذا الزمن، يصبح التمسك بالمبادئ فعل مقاومة بحد ذاته.
هنا يأتي دور العاملين في الحقل القانوني، ليقولوا بصوت عالٍ: لا يمكن أن نقبل بأن يُقتل القانون ولا المبادئ. لا يمكن أن نقبل بأن تُسقط جريمة الاحتلال تحت عناوين “حق الدفاع عن النفس” الزائفة. لا يمكن أن نقبل بأن يُعاقب المدافع عن أرضه بينما يُكافأ المعتدي.
إن الدفاع عن النفس، في مفهومه القانوني السليم، ليس مجرد حق، بل هو واجب. واجب على الدولة أن تؤمنه لمواطنيها، وواجب على المواطنين أن يمارسوه حين تعجز الدولة عن حمايتهم. وفي لبنان، حيث تتداخل المعادلات الإقليمية والدولية، يظل هذا الحق مقدساً، لأنه المرتكز الأخير لكرامة الإنسان أمام آلة القتل والتدمير.
نداء من أعماق الكلمات
“حملت دمي على كفي وما نكست أعلامي، وصنت العشب الأخضر فوق قبور أسلافي”، هذه الصورة التي يرسمها، لحمل الدم على الكف، هي صورة الإنسان الذي لم يخن، الذي لم ينكسر، الذي ظل متمسكًا بأرضه وأعلامه حتى وهو ينزف. إنها صورة الجنوبي الذي صمد في وجه الاحتلال، وصورة اللبناني الذي لم يبع وطنه بأي ثمن.
تستحضرني كلمات للمناضل نيلسون مانديلا الذي ذاق طعم الظلم في غياهب السجون قبل أن يصبح رئيسًا لجنوب أفريقيا: “لا شيء مستحيل طالما هناك من يرفض الاستسلام، وطالما هناك من يواصل المسير رغم كل الصعاب”. وهو قال أيضاً: “إن أعظم مجد في الحياة لا يكمن في عدم السقوط أبداً، بل في النهوض في كل مرة نسقط فيها”.
هذه الكلمات تنطبق تماماً على ما يعيشه الجنوبيون، وعلى ما عاشه الرحباني وقعبور في أغانيهما، وعلى ما نحتاجه اليوم كمجتمع قانوني وأخلاقي: أن ننهض في كل مرة نسقط فيها، وأن نرفض الاستسلام للباطل، وأن نعرف عن ماذا ندافع.
عن ماذا ندافع؟
في زمن يكثر فيه اللغط، وتتعدد فيه الأصوات، يبقى السؤال الأهم: عن ماذا ندافع؟
اقتباس أخير لنيلسون مانديلا: “لا يدافع عن الفاسد إلا فاسد، ولا يدافع عن الساقط إلا ساقط، ولا يدافع عن الحرية إلا الأحرار، ولا يدافع عن الثورة إلا الأبطال”.
نحن لا بد من أن ندافع عن وطن لا يستقيم إلا بالعدالة، عن قانون لا يكون أداة غطرسة بيد القوي، عن كرامة لا تُباع ولا تُشترى، عن أرض لا نرضى أن تُدنس، عن حق لا يمكن أن يسقط بالتقادم.
ندافع عن الجنوب، “يا رايح صوب بلادي، دخلك وصلّي السلام، بلغ أهلي وولادي، مشتقلن رف الحمام”، ندافع عن النبطية والخيام والليطاني وكفر متا، عن كل قرية قدمت دماءها ليبقى لبنان. ندافع عن لينا، “لينا كانت طفلة تصنع غدها، لينا سقطت لكن دمها كان يغني”، ندافع عن كل طفل سقط ودمه يغني للحياة، وعن كل أم بقيت ممنوعة الأحلام، وعن كل أب ينتظر العودة إلى بيته الذي هدم. ونفهم أن الناس متى اختلفت بالرأي فانها يجب ألا تكفر بالوطن كل الوطن، “أنا مش كافر .. بس الفقر كافر .. والظلم كافر .. أنا مش كافر لكن شو بعملك اذا اجتمعوا فيي كل الإشيا الكافرين”.
الوحدة تحت النيران… ليس طوباوية بل موجب أخلاقي ووطني
ما نطالب به اليوم ليس تنازلًا عن المبادئ، ولا تذويباً للهويات، ولا غضاً عن الحقوق، ولا تشجيعاً على الارتهان للخارج أياً من كان هذا الخارج. ما نطالب به هو أن ندرك أن هناك أوقاتاً للسياسة وتصاريحها النارية من المنابر وللتهريج على وسائل التواصل الاجتماعي عبر أبواق الفتنة وأوقاتاً للوطن الذي يجب أن تسمو مصلحته فوق الجميع، وأنه تحت وابل النيران لا يمكن أن نكون إلا صفاً واحداً، كي لا نذهب “عهدير البوسطة لتكون نقلتنا من حالة الاستقرار الى حالة الانقسام الداخلي المريض فنشتاق للوطن الجامع”.
بعد صد العدوان، بعد أن تهدأ المدافع، سنعود إلى ساحتنا السياسية بكل تناقضاتها، سنختلف، سنتصارع، سنتنازع، سيهلل أحدنا لبوق طائفي من هنا ويهلل الآخر لبوق طائفي من هناك. وهذا حق بل هو جوهر الحياة الديمقراطية. لكن في خضم المعركة الوجودية، لا مكان للخلافات الجانبية، ولا مجال للمزايدات السياسية، ولا وقت لتصفية الحسابات.
لذلك، الجميع مطالب في السلطة السياسية والاعلام وفي مختلف المواقع الدستورية والوطنية بأن يكونوا عند مستوى المسؤولية التاريخية، أن يعرفوا أن ما يحدث ليس معركة سياسية عابرة، بل هو عدوان وجودي يستهدف لبنان كله، بجنوبه وشماله، بسهوله وجباله، بكل أبنائه بغض النظر عن انتماءاتهم.
الوحدة الوطنية في مواجهة الخطر المشترك ليست شعاراً نرفعه في المناسبات، بل هي ضرورة نعيشها في أصعب اللحظات. هذه هي الضمانة الوحيدة لبقاء هذا الوطن الذي نختلف عليه كثيراً، لكننا لا نختلف على حبه كل على طريقته ومن منظوره ومقاربته.
علوا البيارق
“علوا البيارق علوها وغنوا للعيد، ضووا الشوارع خلوها تغني من جديد”، هي صورة مختصرة للبنان الذي نريده، لبنان العيد، لبنان الشوارع المضيئة، لبنان البيارق المرفوعة. بوحدتنا يكون مركز القرار في العاصمة “بيروت قصة بصندوق فرجة كبير”. لكن هذا العيد لا يمكن أن يأتي دون أن نعترف أولاً بالجراح، ودون أن نقف مع المدافعين، ودون أن نعيد الاعتبار لكل من حمل دمه على كفه ليحافظ على تراب هذا الوطن.
“نحن الناس، نحن شجر الشوارع، نحن حكايا الرصيف”، صناع القانون من الناس والمدافعين عنه، يعرفون كيف تصان العدالة وكيف تعود هيبة الدولة التي لا تتحقق بالنكد السياسي ولا بالشعارات، بل بالأفعال المقرونة بالنوايا الصادقة. علينا أن نجعل فكرنا جسرا للعودة إلى جادة الصواب، وأن ندرك أن لبنان الذي غنى له زياد وأحمد ورددنا تلك الأغاني وحفظناها عن ظهر قلب، لن ينهض إلا إذا أصبحنا نحن أيضاً جزءاً من تلك الصورة: شجراً في شوارعنا تمنع التصحر والجفاف الفكري، وحكايات على أرصفة مدننا لنقول إننا أدينا الرسالة المطلوبة منا وانتفع الناس بعلمنا، وبيارق مرفوعة تدلل على مصلحة لبنان وتغني لعيد البشرية، وتنشر السلام العادل في ربوع كل هذه المنطقة لتعود بيروت منارة العالم العربي ولؤلؤة الشرق.
في زمن يُنحر فيه القانون الدولي، نتمسك أكثر من أي وقت مضى بالقانون الوطني، نعمل على ترسيخه، نطالب بتطبيقه بلا انتقائية، لأنه الضمانة الوحيدة لاستقرار الدول والمجتمعات. أدواتنا في تحقيق ذلك: ترشيد العقل وتغليب المنطق، صب الأفكار لبناء الدولة على أسس من العدالة. وهذا هو واجبنا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان. “فليمسي وطني حراً، فليرحل محتلي، فليرحل…”
ختام هذه الكلمات المكتوبة بحبر من الدموع الصادقة والنابعة من القلب عساها تلامس ضمير كل لبناني على امتداد هذا الوطن الجريح، في زمن تتنازع فيه الفتن، سيبقى الإرث الثقافي والفني لكل من زياد الرحباني وأحمد قعبور بمثابة وثيقة وطنية جامعة، تذكرنا بأن الوطنية ليست شعاراً، وليست ألحانًا في مرابع ليلية تهتز لها الخواصر وتصدح بها الحناجر، بل هي فعل أخلاقي وإنساني يومي، مثل ترتيلة الصباح أو دعاء في جوف الليل، وأن السلام الحقيقي في لبنان والعالم لا يمكن أن يقوم إلا على أسس العدالة والقانون. مسؤولية أهل القانون مضاعفة في هذه المرحلة التأسيسية لأن علينا أن نكون حماة للقانون، وأن نكون صوتًا للحق، وأن نعرف عن ماذا ندافع، وأن نكون دائماً مع المدافعين لا مع المعتدين، وأن نميّز بين العمل المقاوم المقدس والعمل السياسي الذي قد تشوبه الموبقات، وألا نضيع البوصلة في زمن تحتاج فيه الأمة إلى صف واحد تحت العلم اللبناني الذي يجمعنا جميعاً.
“محكمة” – الجمعة في 2026/3/27



