دستورية الإقتراح لتنظيم الإيجارات غير السكنية/جورج بطرس
جورج إيلي بطرس:
إنّ دستورية اقتراح تعديل قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية تُقاس على ضوء أحكام الدستور اللبناني الذي حدّد بوضوح الإطار الذي تُمارَس ضمنه الحقوق، وفي مقدّمها حق الملكية، كما رسم في الوقت نفسه دور السلطة التشريعية في تنظيم هذه الحقوق بما يحقق العدالة ويحفظ التوازن بين أفراد المجتمع.
فالدستور، في مقدمته، ولا سيما في الفقرة (و)، يكرّس النظام الاقتصادي الحر الذي يقوم على حماية الملكية الخاصة والمبادرة الفردية، كما يؤكد في الفقرة (ج) على العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين. ويأتي ذلك متكاملاً مع المادة 15 التي تنص صراحة على أنّ الملكية في حمى القانون، ما يعني أنّها حق دستوري أساسي لا يجوز المساس بجوهره أو إفراغه من مضمونه.
وانطلاقًا من ذلك، فإنّ أي تعديل تشريعي في مجال الإيجارات غير السكنية يجب أن يُبنى على قاعدة أساسية، وهي حماية حق المالك في ملكه وضمان الاستفادة منه بصورة عادلة، دون إغفال تنظيم العلاقة مع المستأجر ضمن حدود العدالة الاجتماعية. فالتشريع لا يهدف إلى تفضيل طرف على آخر، بل إلى إقامة توازن قانوني يحفظ الحقوق ويمنع الإضرار بأي من الأطراف.
وعليه، فإنّ اقتراح تعديل قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية، متى جاء محافظًا على جوهر حق الملكية، ومحققًا لتوازن عادل بين المالك والمستأجر، ومندرجًا ضمن الأصول الدستورية في إقراره، يُعدّ متوافقًا مع أحكام الدستور اللبناني، ويشكّل تطبيقًا سليمًا لمبادئه، لا سيما تلك المتعلقة بحماية الملكية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
في حماية الملكية الخاصة (المادة 15 ومقدمة الدستور):
إنّ نقطة الانطلاق في تقييم دستورية اقتراح تعديل قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية تكمن في مبدأ حماية الملكية الخاصة، الذي كرّسه الدستور اللبناني بشكل صريح. فقد نصّت الفقرة (و) من مقدمة الدستور على أنّ النظام الاقتصادي حر ويكفل الملكية الخاصة، كما أكدت المادة 15 أنّ الملكية في حمى القانون، ولا يجوز المساس بها إلا ضمن الشروط المحددة قانونًا.
وبناءً عليه، فإنّ أي تشريع يتناول الإيجارات يجب أن يُبنى أولًا على احترام هذا الحق وعدم المساس بجوهره، أي عدم حرمان المالك من ملكه أو من الانتفاع المشروع به. وهذا ما يتحقق في اقتراح تعديل قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية، إذ إنّه لا يهدف إلى إلغاء حق الملكية أو تقييده بصورة تؤدي إلى إفراغه من مضمونه، بل إلى تنظيم العلاقة القانونية بما يحفظ حق المالك ويمنع الإضرار به.
فالتنظيم التشريعي الذي يحدّد بدلات الإيجار أو يضبط شروط الإشغال لا يُعتبر اعتداءً على الملكية، بل وسيلة لحمايتها ضمن إطار قانوني واضح، لأنّ الحماية الدستورية لا تعني إطلاق الحق دون تنظيم، بل تعني ضمان ممارسته بصورة عادلة ومتوازنة. وبالتالي، فإنّ اقتراح القانون، من خلال حفاظه على جوهر حق الملكية، ينسجم مع المادة 15 من الدستور ومع المبادئ الاقتصادية التي أرساها.
وعليه، فإنّ هذا الاقتراح لا يشكّل أي مخالفة دستورية من زاوية حماية الملكية، بل على العكس، يُعدّ تطبيقًا فعليًا لهذا المبدأ، لأنه يضمن للمالك حقه ضمن إطار قانوني منظم، ويمنع أي انتقاص غير مشروع منه.
في تحقيق التوازن بين المالك والمستأجر ضمن العدالة الاجتماعية (مقدمة الدستور – الفقرة ج):
إنّ الدستور اللبناني لم يكتفِ بحماية الملكية الخاصة، بل قرنها بمبدأ أساسي آخر هو العدالة الاجتماعية، حيث نصّت الفقرة (ج) من مقدمة الدستور على أنّ النظام يقوم على المساواة في الحقوق والواجبات وعلى تحقيق العدالة بين المواطنين. وهذا يعني أنّ ممارسة الحقوق، ومنها حق الملكية، يجب أن تتم ضمن إطار يراعي التوازن بين مختلف الأطراف في المجتمع.
وفي هذا السياق، فإنّ العلاقة الإيجارية/التأجيرية في الأماكن غير السكنية تفرض بطبيعتها وجود طرفين: مالك يملك حق الاستفادة من ملكه، ومستأجر يمارس نشاطًا اقتصاديًا مشروعًا ضمن هذا الملك. وبالتالي، فإنّ أي تشريع ينظّم هذه العلاقة يجب أن يحقق توازنًا فعليًا بين هذين الحقين، دون أن يؤدي إلى ترجيح أحدهما بشكل يلغي أو يضرّ بالآخر.
ومن هنا، فإنّ اقتراح تعديل قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية يندرج ضمن هذا الإطار الدستوري، لأنه لا يسعى إلى الانتقاص من حق المالك، بل إلى تنظيم العلاقة بشكل يمنع الظلم أو الاختلال، ويؤمّن نوعًا من الاستقرار القانوني الذي يخدم الطرفين معًا. فهو يحقق عدالة متوازنة: يحفظ للمالك حقه، ويمنح المستأجر إطارًا قانونيًا واضحًا لممارسة نشاطه.
وعليه، فإنّ هذا الاقتراح يُعدّ منسجمًا مع الفقرة (ج) من مقدمة الدستور، لأنه يجسّد مفهوم العدالة الاجتماعية في بعدها الحقيقي، أي التوازن بين الحقوق لا إلغاء أحدها، مما يعزّز دستوريته ويؤكّد مشروعيته.
في انسجام الاقتراح مع النظام الاقتصادي الحر (مقدمة الدستور – الفقرة و):
تنصّ الفقرة (و) من مقدمة الدستور اللبناني على أنّ النظام الاقتصادي حر ويكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة، وهو ما يشكّل أحد الأسس الجوهرية للنظام الدستوري في لبنان. ويُفهم من هذا المبدأ أنّ النشاط الاقتصادي، بما فيه الاستفادة من الملكية الخاصة، يجب أن يتم ضمن إطار قانوني يضمن حمايته واستمراريته.
وفي هذا السياق، فإنّ العلاقة الإيجارية في الأماكن غير السكنية تُعدّ جزءًا أساسيًا من الحركة الاقتصادية، إذ ترتبط بالمؤسسات التجارية والمهن الحرة والاستثمارات الخاصة. وبالتالي، فإنّ تنظيم هذه العلاقة لا يُعدّ خروجًا عن مبدأ الاقتصاد الحر، بل يُشكّل عنصرًا ضروريًا لضمان استقراره ومنع الفوضى أو الاستغلال غير المتوازن.
كما أنّ اقتراح تعديل قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية، من خلال سعيه إلى تحديد إطار واضح للعلاقة بين المالك والمستأجر، يساهم في تعزيز الثقة القانونية وتشجيع الاستثمار، لأنّ وضوح القواعد واستقرارها يُعدّان من أهم عناصر الاقتصاد الحر. فهو لا يقيّد المبادرة الفردية، بل يؤمّن لها بيئة قانونية متوازنة تضمن استمراريتها.
وعليه، فإنّ هذا الاقتراح ينسجم مع الفقرة (و) من مقدمة الدستور، لأنه يحافظ على جوهر النظام الاقتصادي الحر، ويعزّزه من خلال تنظيم قانوني يضمن حماية الملكية وتشجيع النشاط الاقتصادي ضمن إطار عادل ومستقر.
الخاتمة
بناءً على ما تقدّم، يتبيّن أنّ اقتراح تعديل قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية ينسجم مع أحكام الدستور اللبناني في مختلف جوانبه، إذ يحترم مبدأ حماية الملكية المنصوص عليه في المادة 15، ويحقق العدالة الاجتماعية وفق ما ورد في الفقرة (ج) من مقدمة الدستور، كما يلتزم بمبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في المادة 7، ويندرج ضمن إطار النظام الاقتصادي الحر الذي يكفله الدستور في الفقرة (و).
فهذا الاقتراح لا يمسّ بجوهر الحقوق، بل ينظّمها ضمن إطار قانوني متوازن، يحفظ حق المالك في ملكه، ويؤمّن في الوقت نفسه استقرار العلاقة الإيجارية للمستأجر، بما يحقق توازنًا فعليًا بين الطرفين دون إلحاق الضرر بأي منهما.
وعليه، فإنّ هذا الاقتراح، في حال إقراره وفق الأصول الدستورية، يُعدّ قانونًا متوافقًا مع الدستور اللبناني، ويشكّل تطبيقًا مباشرًا لمبادئه الأساسية، ولا سيما تلك المتعلقة بحماية الملكية وتحقيق العدالة والمساواة، مما يؤكد دستوريته وسلامته القانونية.
“محكمة” – الجمعة في 2026/3/20



