أبحاث ودراسات

قراءة قانونية في الجدل الدائر حول مدى أحقية النيابة العامة المالية بتحريك الدعوى العامة مباشرة/ هيثم عزو

المحامي د. هيثم عدنان عزُّو (رئيس الدائرة القانونية لروَّاد العدالة):
إنّ الرأي القائل بعدم جواز تحريك النيابة العامة المالية للدعوى العامة من تلقاء نفسها، ووجوب أن تطلب ذلك بواسطة النيابات العامة الاستئنافية عبر النيابة التمييزية، لا يصمد أمام المنطق التشريعي السليم ولا أمام القراءة المتكاملة للنصوص الناظمة لعمل تلك المؤسسة القضائية الهامة، وأقلَّهُ للأسباب الموجبة والمبرِّرة الآتية:
أولًا – في بيان المقصد التشريعي لأحكام المادة ٢١ من قانون أصول المحاكمات الجزائية:
إنّ المادة المذكورة لم تُلزم النيابة العامة المالية بطلب تحريك الدعوى العامة بواسطة النيابات العامة الاستئنافية، بل منحتها إمكانية هذا الطلب كخيار لا كواجب، إذ ورد في متنها أن للنائب العام المالي “أن يطلب” من النيابات العامة الاستئنافية تحريك الدعوى العامة، ولم يأتِ النص بصيغة الإلزام أو الوجوب.
وعليه، فإنّ المشرّع اللبناني منح النيابة العامة المالية صلاحية التحريك المباشر للدعوى العامة متى شاءت، وتركَ لها حرية الاستعانة بالنيابات العامة الاستئنافية في تقرير ذلك في حال ارتأت هذا الأمر ملائمًا وفق معطيات وظروف الملف، باعتبار أنّ المشرّع الإجرائي أراد أن يُبقي- من خلال تكريس هذا الخيار- باب التنسيق بينها وبين النيابات الاستئنافية مفتوحًا عندما تتقاطع او تتلازم الجريمة المالية الداخلة في اختصاصها النوعي مع جرائم عادية داخلة نطاق اختصاص النيابة الاستئنافية وذلكَ لتوحيد الملاحقة حينها، عبرَ اعطاء النيابة المالية غطاءً شاملاً ميدانيًا وتنفيذيًا عندما تنطوي القضية على جرائم متعددة، لا تتوافر في بعضها صلاحية لها، بحكم اختصاصها النوعي أو حينما يكون الادعاء في المناطق خارج بيروت الواقع فيها مركز النيابة المالية، حيث تتقلص عملياً قدرة هذه الأخيرة في مواكبة سير اجراءات الدعوى بسرعة ضمن آجالها، بما في ذلك مهل استئناف قرارات قاضي التحقيق وحضور جلسات الجنايات…
كما أنَّ منطوق المادة ٢١، حينما أعطاها صلاحية شاملة لجميع الأراضي اللبنانية، أقرّ صراحةً بولايتها العامة في مجال اختصاصها، فلا يعقل بالتالي ن تُمنَح صلاحية مكانية واسعة لكامل الإقليم الوطني، ثم تُقيّد في أساس وظيفتها النوعية -المتفرِّدة بها وحدها- في حق الملاحقة والادعاء.
ثانيًا – في وحدة التفسير التشريعي لمواد القانون الناظم للنيابة العامة المالية:
إنّ أي تفسير للنصوص القانونية يجب أن يكون تفسيرًا تكامليًا ومنسجمًا مع باقي الأحكام التي ترعى وتنظّم المؤسسة القضائية موضوع البحث، لا أن يكون تفسيراً مجتزأً أو مبتورًا بسبب مبنى حرفي متعارض مع مبنى حرفي آخر وعلى نحو يعطل او يحدّ من فعاليتها والغرض المقصود منها وخاصةً ان العِبرة تفسيراً تكمن قانوناً في المقاصد والمعاني وليس في الألفاظ والمباني.
وفي هذا السياق، فإنّ المادة ١٩ من القانون عيّنهُ قد نصّت بوضوح على أنّ النيابة العامة المالية تتولى (مهام الملاحقة) في الجرائم الداخلة ضمن (اختصاصها النوعي).
وغنيٌّ عن البيان، أنَّ إسناد مهمة الملاحقة إليها، يعني وفق المنطق القانوني منحها صلاحية تحريك الدعوى العمومية والادعاء فيها، إذ لا تكون مهمة الملاحقة ذات معنى قانوني، إن لم تقترن فعلاً بحق تحريك الدعوى العامة وممارستها.
ولعلّ الدليل التشريعي الأوضح على ذلك، هو المقارنة والمقاربة في هذا الصدد بين المادة ١٧ المتعلقة بالنيابة العامة التمييزية، والتي لم ترد فيها عبارة “تتولى مهام الملاحقة”، بل عددت أعمالها على سبيل الحصر، ومنها فقط الادعاء -أي الملاحقة- في جرائم القضاة أو الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي.
في حين انّهُ بالنسبة للنيابة العامة المالية، فقد أفرد لها المشرّع نصًّا خاصًّا منحها بمقتضاه صراحةً صلاحية الملاحقة بكافة الجرائم المندرجة في عداد اختصاصها النوعي، ما يقطع الجدل في أنها تملك أصل الحق في تحريك الدعوى العامة في هذا الشأن دون وساطة او طلب.
ثالثًا – في التلازم بين حق الادعاء وحق حفظ الملفات:
إنّ القول بعدم تمتع النيابة العامة المالية بحق الادعاء في الملفات التي باشرت التحقيق فيها، يؤدي بالضرورة، وبمنطق التفسير العكسي، إلى نزع صلاحيتها في حفظ هذه الملفات أيضًا، وإن كان قرار الحفظ بطبيعته قرارًا إداريًا، وهو ما لا ينسجم مع الأصول العامة ولا مع منطق توزيع الاختصاصات في النيابات العامة.
ذلك أن السلطتين – سلطة الادعاء وسلطة الحفظ – تتفرعان عن أصلٍ واحدٍ هو سلطة النيابة العامة في تقدير المصلحة العامة في الملاحقة أو صرف النظر عنها. فحيث تُمنح النيابة صلاحية التقدير في أحد الجانبين، تُفترض ضمناً صلاحيتها في الجانب المقابل، لأنّ الحق في الملاحقة يستتبع بالضرورة الحق في الحفظ، والعكس صحيح.
وعليه، فإنّ إنكار إحدى الصلاحيتين يعني عمليًا تعطيل الأخرى وشلّ إرادة النيابة العامة المالية في ممارسة دورها القضائي الكامل، الأمر الذي يُفرغ هذه المؤسسة من مضمونها القانوني وجوهر وظيفتها القضائية، ويحوّلها إلى مجرّد جهاز تحقيق صوري يفتقر إلى مقومات الملاحقة الحقيقية التي أُنشئت لأجلها.
رابعًا – في العلاقة بين النيابة العامة المالية والنيابة التمييزية:
إنّ النيابة العامة المالية، وإن كانت تعمل تحت إشراف النائب العام التمييزي، شأنها في ذلك شأن النيابات العامة الاستئنافية، فإنّ هذا الإشراف يبقى إشرافًا رئاسيًا تنظيميًا وإداريًا، لا يحدّ من استقلالها الوظيفي في ممارسة مهام الملاحقة والتحقيق ضمن نطاق اختصاصها النوعي.
فالإشراف هنا لا يُفهم على أنه وصاية أو تبعية في القرار القضائي، بل هو أداة لتوحيد السياسة الجزائية وضمان انسجام أداء النيابات العامة كافة تحت مظلة النيابة العامة التمييزية التي تشكّل رأس الهرم القضائي لجميع النيابات العامة ككل، مهما كانَ نوعها أو ماهيتها.
وعليه، فإنّ النيابة العامة المالية تمارس صلاحياتها القانونية في تحريك الدعوى العامة بصورة مستقلة، مستندةً إلى اختصاصها النوعي الذي يشمل الجرائم ذات الطابع المالي، مع بقائها خاضعة لرقابة النيابة التمييزية لا في تفاصيل تقديرها الإجرائي أو قراراتها القضائيّة وإنما في حدود التوجيه العام من أجل ضمان تنسيق أعمال الملاحقات الجزائية، وبما يحفظ انسجام عمل جميع النيابات العامة تحت مظلة واحدة.
وبذلك، يتحقق التوازن الدقيق بين الاستقلال الوظيفي والرقابة الهرمية، بحيث تبقى النيابة العامة المالية جزءًا لا يتجزأ من الجسم الواحد للنيابة العامة اللبنانية، من دون أن تتحول إلى سلطة استثنائية أو مستقلة استقلالًا تامًا يخلّ بمبدأ وحدة النيابة العامة.
ولذا، يستوي في هذا الإطار أن تباشر النيابة العامة المالية التحقيقات الابتدائية بنفسها، أو أن تتخذ قرارات الادعاء أمام المراجع القضائية المختصة، تمامًا كما هو الحال بالنسبة للنيابات العامة الاستئنافية في دوائرها، إذ لا تمايز بين هذه الأخيرة والنيابة العامة المالية إلا من حيث الاختصاص النوعي لا من حيث الصلاحية الجوهرية في الاستقصاء عن الجرائم والادعاء بشأنها.
بناءً على ما تقدّم،
فإن أي تفسير يُنكر للنيابة العامة المالية حقها الأصيل في اتخاذ قرارات الادعاء أمام المراجع القضائية المختصة بشأن التحقيقات التي باشرتها، لا يكون مجرد تأويل قانوني خاطئ فحسب، بل يُعَد إفراغاً عملياً لمضمون سلطة اختصاصها النوعي، ويناقض روح النصوص القانونية ومقاصد المشرع في منحها أوسع الصلاحيات المستقلة لملاحقة الجرائم الواقعة على المال العام.
“محكمة” – السبت في 2025/11/15

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
مجلة محكمة
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.