أبحاث ودراسات

الإطار القانوني للعملات المشفّرة في دبي ومتطلبات الامتثال/ريتا الخوري

المحامية المتدرّجة ريتا الخوري(من فريق عمل SALAMAS International Law Firm):
شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تطوّراً متسارعاً في مجال التكنولوجيا الماليّة، ممّا أدّى إلى ظهور الأصول الافتراضيّة والعملات الرقميّة كأحد أهمّ الأدوات الماليّة الحديثة التي تُسْتَخْدَمُ في الاستثمار والتبادل الماليّ عبر المنصّات الرقميّة. وقد دفع هذا التطوّر دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، وعلى وجه الخصوص إمارة دبي، إلى وضع إطارٍ قانوني متكامل لتنظيم الأصول الافتراضيّة، وذلك من خلال إصدار القانون رقم (٤) لسنة ٢٠٢٢ بشأن تنظيم الأصول الافتراضيّة في إمارة دبي، الذي عرّف الأصول الافتراضيّة في مادة الثانية بأنها “تمثيلٌ رقميّ للقيمة التي يمكن تداولها رقميّاً أو تحويلها أو استخدامها كأداةٍ للمبادلة أو الدفع أو لأغراض الاستثمار، وتشمل الرموز المميّزة الافتراضيّة، وأيّ تمثيلٍ رقميّ لأيّ قيمةٍ أخرى تحدّدها السلطة في هذا الشأن”.
يُفْهَمُ من هذا التعريف أن الأصل الافتراضيّ لا يقتصر على العملات الرقميّة المشهورة فحسب، بل يشمل أيضاً الرموز المميّزة الرقميّة وغيرها من الأصول التي تعتمد على التقنيّات الرقميّة، كمثل تقنيّة سلسلة الكتل (Blockchain).
إضافةً إلى اللّوائح التنظيميّة الصادرة عن سلطة دبي لتنظيم الأصول الافتراضيّة (Virtual Assets Regulatory Authority) (VARA) لعام ٢٠٢٣، هناك أيضاً قرار مجلس الوزراء رقم (١١١) لسنة ٢٠٢٢ بشأن تنظيم الأصول الافتراضيّة ومزوّدي خدماتها Virtual Asset Service Providers) (VASPs)).
ويهدف هذا الإطار القانونيّ إلى:
– دعم الابتكار التكنولوجيّ في مجال التكنولوجيا الماليّة.
– تنظيم قطاع الأصول الافتراضيّة في الإمارة.
– تعزيز مكانة دبي كمركزٍ عالميّ في مجال الاقتصاد الرقميّ.
وكلّ ذلك مع ضمان الامتثال للتشريعات المتعلّقة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وحماية النظام الماليّ.
المبحث الأوّل: الإطار المؤسّسيّ لتنظيم الأصول الافتراضيّة في إمارة دبي
تنصّ المادة الرابعة من قانون دبي رقم (٤) لسنة ٢٠٢٢ على إنشاء مؤسّسةٍ عامّة تسمّى “سلطة دبي لتنظيم الأصول الافتراضيّة”، وتتولّى الإشراف على قطاع الأصول الافتراضيّة وتنظيمه. كما منحها القانون مجموعةً واسعة من الاختصاصات التنظيميّة والرقابيّة، وذلك لضمان حسن إدارة قطاع الأصول الافتراضيّة في الإمارة.
ومن أبرز هذه الاختصاصات:
– إعداد السياسة العامة والخطط الاستراتيجيّة لتنظيم خدمات الأصول الافتراضيّة والتعاملات المرتبطة بها.
– تنظيم عمليّات إصدار وطرح الأصول الافتراضيّة والرموز المميّزة والإفصاحات المتعلّقة بها.
– تنظيم وترخيص مقدّمي خدمات الأصول الافتراضيّة والإشراف عليهم للتأكّد من التزامهم بأحكام القانون واللّوائح الصادرة بموجبه.
إلى جانب دور “سلطة دبي لتنظيم الأصول الافتراضيّة” على مستوى الإمارة، يكتسب الإطار الاتّحاديّ أهميّةً كبيرة من خلال الدور الذي تقوم به «هيئة الأوراق الماليّة والسلع» في تنظيم ومراقبة أنشطة الأصول الافتراضيّة ومزوّدي خدماتها على مستوى دولة الإمارات بالكامل، وذلك وفقاً لما ينصّ عليه قرار مجلس الوزراء رقم (١١١) لسنة ٢٠٢٢.
فقد منح هذا القرار الهيئة المذكورة صلاحيّة الإشراف والرقابة على أنشطة الأصول الافتراضيّة ومزوّدي خدماتها والتعاملات التي تتمّ بها داخل الدولة، بما في ذلك المناطق الحرّة. كما تختص الهيئة بإصدار القرارات المنظِّمة لتعاملات الأصول الافتراضيّة، وترخيص مزوّدي الخدمات وتحديد آليّة عملهم، إضافةً إلى التحقّق من التزامهم بالتشريعات السارية في الدولة، ولا سيّما تلك المتعلّقة بحماية البيانات الشخصيّة للمستثمرين.
المبحث الثاني: النظام القانونيّ لمزاولة أنشطة الأصول الافتراضيّة في دبي
يقوم التنظيم القانونيّ للأصول الافتراضيّة في إمارة دبي على قاعدةٍ أساسيّة، وهي ضرورة الحصول على تصريحٍ مسبق من الجهة المختصّة قبل ممارسة أيّ نشاطٍ مرتبط بهذه الأصول.
فقد نصّت المادة ١٥ من قانون دبي رقم (٤) لسنة ٢٠٢٢ على حظر مزاولة أيّ نشاطٍ يتعلّق بالأصول الافتراضيّة في الإمارة، ما لم يكن الشخص مصرّحاً له بذلك من سلطة دبي لتنظيم الأصول الافتراضيّة. كما أوجب القانون على الشخص الراغب في مزاولة النشاط أن يتّخذ من الإمارة مقرّاً له لممارسة أعماله، وأن يتّخذ أحد الأشكال القانونيّة المعتمدة لدى سلطة الترخيص التجاريّ المختصّة.
وحدّدت أيضاً المادة ١٦ من القانون ذاته مجموعةً من الأنشطة التي تخضع لتصريح ورقابة سلطة دبي لتنظيم الأصول الافتراضيّة. وتشمل هذه الأنشطة:
– تشغيل منصّات الأصول الافتراضيّة وإدارتها.
– تقديم خدمات المبادلة بين الأصول الافتراضيّة والعملات الوطنيّة أو الأجنبيّة.
– تقديم خدمات المبادلة بين شكلٍ أو أكثر من الأصول الافتراضيّة.
– خدمات تحويل الأصول الافتراضيّة وحفظها وإدارتها أو السيطرة عليها.
– الخدمات المتعلّقة بالمحافظة على الأصول الافتراضيّة.
– الخدمات المرتبطة بطرح الرموز المميّزة الافتراضيّة وتداولها.
وفي الإطار الاتّحاديّ، جاء قرار مجلس الوزراء رقم (١١١) لسنة ٢٠٢٢ ليؤكّد على حظر ممارسة أنشطة الأصول الافتراضيّة في الدولة من دون الحصول على ترخيصٍ من الجهات المختصّة، كما حدّد هو الآخر مجموعةً من الأنشطة التي تخضع للترخيص.
تضمّنت لوائح الأصول الافتراضيّة والأنشطة المرتبطة بها لسنة ٢٠٢٣ بعض الاستثناءات، بحيث لا يُطْلَبُ الترخيص من بعض المهنيّين كمثل المحامين أو المحاسبين أو المستشارين المهنيّين، وذلك إذا كانت الأنشطة المرتبطة بالأصول الافتراضيّة التي يقومون بها عرضيّة ومرتبطة بممارستهم المهنيّة فقط.
أما بالنسبة للمتطلّبات الواجب توافرها لمنح الترخيص، فقد نصّت المادة السابعة من قرار مجلس الوزراء رقم (١١١) لسنة ٢٠٢٢ على مجموعةٍ من الشروط والمتطلّبات الأساسيّة التي يجب توافرها لدى الجهات الراغبة في الحصول على ترخيصٍ لمزاولة أنشطة الأصول الافتراضيّة. ومن أهمّ هذه المتطلّبات:
– أن تتحقّق الهيئة من عدم إدراج مقدّم طلب الترخيص أو أحد شركائه ضمن قوائم العقوبات أو قوائم الإرهاب الصادرة عن الجهات الرسميّة في الدولة أو عن المنظّمات الدوليّة المعترف بها، ولا سيّما تلك المعنيّة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والتنظيمات غير المشروعة.
– المتطلّبات التقنيّة التي تضمن سلامة العمليّات الماليّة وحماية بيانات المستثمرين.
– بعض المتطلبات الماليّة، ومننها توافر الحدّ الأدنى من رأس المال والضمانات الائتمانيّة والتأمينات اللّازمة لمزاولة النشاط.
كما أكّد كلٌّ من القرار المذكور ولوائح تنظيم الأصول الافتراضيّة والأنشطة المرتبطة بها لسنة ٢٠٢٣، الصادرة عن سلطة دبي لتنظيم الأصول الافتراضيّة، على ضرورة التزام جميع مزوّدي خدمات الأصول الافتراضيّة بقواعد مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
“محكمة” – الجمعة في 2026/4/17

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!