مغالطات في تفسير الخيانة العظمى/ جهاد اسماعيل
الدكتور جهاد إسماعيل (كاتب واستاذ جامعي متخصّص في القانون الدستوري):
أمّا وقد ذهب بعض القانونيين إلى إدراج القسم المتعلّق بالخيانة في قانون العقوبات، وتحديدًا المادة 273 وما يليها، من ضمن ما يقوم به رئيس الجمهورية، في الحالة المثارة راهنًا، بدعوى “الخيانة العظمى” الوارد ذكرها في المادة 60 من الدستور اللبناني، فلا نميل إلى هذا الرأي، بحيث يمكن اعتبار هذا التوصيف، برأينا، ليس في مكانه لسببين:
أولاً: مصطلح “الخيانة العظمى” مستوحى من دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة الذي جاء خاليًا من أيّ تعريف للخيانة العظمى، تمامًا كما فعل الدستور اللبناني، مما يُوجب العودة إلى الفقه ومن بينه ما قاله العلّامة أوجين بيار حرفيًا: “ان القانون الدستوري لم يحدد الحالة التي يمكن معها نسبة جريمة الخيانة العظمى الى رئيس الجمهورية… ويعود لمجلس الشيوخ وحده لدى اتخاذه صفة المجلس الأعلى توصيف الافعال المعتبرة جريمة، وتحديد العقوبات وفقًا للقوانين السارية”، وهذا يعني أن الخيانة العظمى لا تدخل في دائرة النصوص التشريعية، حيث يعود تقدير وجودها من عدمه إلى كلّ من مجلس النواب في حالة الإتهام، وإلى المجلس الأعلى لمحاسبة الرؤساء في حالة المحاكمة، وبالتالي كلّ مَن يعتبر مخالفة الدستور هي خيانة عظمى يُدحض هذا الاعتقاد من المادة 60 من الدستور اللبناني التي أناطت أمر مساءلة رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته الا عند خرقه للدستور أو في حال الخيانة العظمى، مما يفيد أن النص يميّز بين خرق الدستور والخيانة العظمى، وهما منفصلان تمامًا.
ثانيًا: يُستفاد من أحكام المادة 42 من قانون رقم 1990/13 بأن الأفعال المدرجة في المادتين 60 و 70 من الدستور، وتحديدًا حالتي الخيانة العظمى وخرق الدستور، تخرج عن دائرة التوصيف الجرمي في قانون العقوبات بنصها : “باستثناء خرق الدستور والخيانة العظمى والإخلال بالموجبات المترتبة على رئيس الحكومة والوزير، يكون المجلس الاعلى مقيدًا بالقانون في وصف الجنايات والجنح وفي العقوبات الممكن فرضها، ويحق له تعديل الوصف القانوني الوارد في قرار الإتهام”، مما يعني أن وصف هذه الأفعال، ومن بينها الخيانة العظمى، يتخذ شكلًا استثنائيًا يخرج عن ميدان قانون العقوبات، بدليل أن المادة 29 من القانون نفسه، أيّ قانون رقم 1990/13، ألزمت إحالة الأشخاص غير المنصوص عليهم في المادتين 60 و 70 من الدستور الذين يظهر التحقيق تدخلهم أو اشتراكهم في الجرم إلى المرجع المختص، وهو نصٌ يؤكد إزدواجية المحاكمة أمام المراجع القضائية من جهة، وإلى خصوصية الوصف القانوني للأفعال التي يرتكبها الرؤساء ومن بينها الخيانة العظمى من جهة ثانية، وما يعزّز هذا الإعتقاد هو أن أحكام الدستور الفرنسي الحالي، والقوانين الخاصة بمسؤولية رئيس الجمهورية، ما زالت تستثني الخيانة العظمى من مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.
جرّاء ما تقدّم، يتبيّن لنا أن فعل الخيانة الوارد في قانون العقوبات لا يعني الخيانة العظمى الّتي يرتكبها الرؤساء، إن لم يكن بلزوم خصوصية النصوص والأوصاف الجرمية، فهو بحكم طبيعة الجريمة، في حين أن تحديد توصيفها يعود إلى مرجع الإتهام والمحاكمة، بينما أوصاف الخيانة الوطنية أو شروطها حددتها مواد قانون العقوبات سلفًا.
“محكمة” – الخميس في 2026/4/30


