مفعول العفو العام وآثاره على الأحكام الوجاهية والغيابية والملاحقات الجزائية مع توضيح للإجتهاد حول التنفيذ/مهدي عاصي
المحامي مهدي عاصي:
1- العفو العام: تعريفه
العفو العام هو تجريد الفعل من الصفة الجرمية، بحيث يصير له حكم الأفعال التي لم يجرّمها الشارع أصلاً. والعفو العام بذلك يُخرج الفعل من نطاق النموذج الجرمي على الرغم من مطابقته له، ومن ثم يتخذ صورة الاستثناء الوارد في نص التجريم، إذ إن أثره يعني عدم تطبيق ذلك النص على الفعل الذي صدر عنه العفو، وهو يزيل عن الفعل وصفه الجرمي وينفي الركن القانوني للجريمة.
2- الهدف من العفو العام
إن العفو العام يهدف إلى التهدئة العامة وبدء صفحة جديدة في حياة الأمة، وقلب الصفحة السابقة المضطربة والمظلمة التي اتسمت بالمشاكل الاجتماعية والسياسية الخطيرة، ويكون للوطن مصلحة حيوية في تجاوز هذه المرحلة ومحو آثارها بجميع الوسائل، ولا سيما منها إسدال الستار من النسيان على ما حصل، والحث على إشاعة جو من التسامح بين المواطنين.
3- الأساس الدستوري
إن الدستور اللبناني نص في المادة 53 منه، الفقرة 9، على أن العفو الشامل يُمنح بموجب قانون، وهو يعطي السلطة التشريعية حق إزالة الآثار الجزائية لبعض الأفعال أو محو بعض الإدانات، الأمر الذي يدخل في صلب العمل القضائي أي السلطة القضائية.
4- صدور العفو العام
بما أن العفو العام يصدر عن السلطة التشريعية، وفقاً لما نصت عليه المادة 150 فقرة أولى التي تنص على أن العفو العام يصدر عن السلطة الاشتراعية ويسقط كل عقوبة أصلية كانت أو فرعية أو إضافية، عندما يصدر العفو العام عن المجلس النيابي، فهذا يعني أن المجتمع محا عن الفعل الصفة الجرمية، بحيث يأخذ هذا الفعل حكم الفعل الذي لم يجرّمه المشرّع أصلاً، ومن آثاره أنه يزيل ويبدد العنصر المادي للجريمة، وبالتالي يمحو ويُسقط الحكم بالإدانة.
• يراجع جورج فيدال وجوزف مانيول: دروس في القانون الجنائي، الجزء الأول، صفحة 828، رقم 597.
• محكمة التمييز الجزائية، الغرفة الرابعة، القرار رقم 886 الصادر في 1966/12/22، العدل، سنة 78، صفحة 439.
• محكمة التمييز الجزائية، الغرفة الرابعة، القرار رقم 9 الصادر في 1967/5/12، العدل 68/441، العدل 69/560.
الطابع الموضوعي للعفو
للعفو طابع موضوعي، إذ يزيل العنصر القانوني للجريمة، الأمر الذي ينعكس على الجميع ممن أسهم فيها من شركاء ومتدخلين ومحرّضين. والعفو متعلق بالانتظام العام، وهو بالتالي إلزامي، ويشمل كل الجرائم التي يتناولها وكل المسؤولين عنها، وليس لأحد أن يرفض الاستفادة من أحكامه. ويجب على المحكمة أن تطبّقه عفواً، أي من تلقاء نفسها، وحتى لو لم يُطلب منها ذلك، وتطبقه النيابة العامة، وكل نزاع معها حول ذلك تختص به المحكمة التي أصدرت الحكم.
• يراجع استئناساً: محكمة التمييز الفرنسية، الغرفة الجنائية، قرار تاريخ 12 أيار سنة 1870، سيراي 1870-1-324.
• يراجع تمييز جزائية، قرار رقم 3، تاريخ 8-1-1951، موسوعة د. عاليه، ص 489، رقم 1851.
• يراجع تمييز، قرار رقم 200، تاريخ 16-7-1959، موسوعة د. عاليه، ص490، رقم 1854.
• يراجع تمييز، الغرفة الخامسة، رقم 43، تاريخ 1970/12/26 ، موسوعة د. عاليه، ص490، رقم 1855.
مفاعيل العفو العام
أ- محو الصفة الجرمية
يمحو العفو، بمفعول رجعي، الصفة الجرمية عن الأفعال التي شملها في أحكامه عندما يكون شاملاً، ومما يفضي إلى توقف الملاحقة الجزائية وإلى سقوط الدعوى العامة.
• محكمة التمييز الجزائية، الغرفة الرابعة، قرار رقم 9، تاريخ 12 أيار 1967، مجلة العدل لعام 1968، صفحة 414، رقم 315.
• يراجع تمييز، قرار الغرفة الرابعة، قرار رقم 229، تاريخ 1969/11/24 ، موسوعة د. عاليه، ص489-490، رقم 1852.
• يراجع قرار الغرفة الرابعة رقم 31، تاريخ 1969/12/24، موسوعة د. عاليه.
ب- إسقاط العقوبات
ويُسقط العفو العام كل عقوبة أصلية كانت أو فرعية أو إضافية، وفقاً لنص المادة 150 عقوبات، ويفضي إلى التالي:
• إذا صدر العفو العام بعد حكم أول غير نهائي، فإنه يحول دون ممارسة أي طريق من طرق المراجعة.
• أما إذا صدر العفو العام بعد حكم نهائي مبرم، فهو يمحو جميع العقوبات التي قضى بها الحكم المذكور.
• وإذا كان قد شُرع في تنفيذ العقوبة، فإن التنفيذ يتوقف ويُطلق سراح المحكوم عليه المستفيد من العفو العام.
بالتالي، فإنّ العفو العام يمحو الجريمة ويوقف ملاحقتها، ويشمل جميع الدعاوى أمام قاضي التحقيق والإحالة والأحكام الصادرة عن المحاكم سواء كانت وجاهية أو غيابية، ويُنفَّذ فوراً، ويُعتبر بمثابة السبب الذي يؤدي إلى انقضاء دعوى الحق العام.
• يراجع قرار رقم 179، تاريخ 1960/4/22، سمير عاليه، مجموعة اجتهادات، صفحة 312، رقم 1173.
أثر العفو حسب توقيت صدوره
فإذا صدر قبل أي ملاحقة بشأن الفعل المشمول بقانون العفو العام، فإن هذا القانون يشكل عائقاً أمام هذه الملاحقة، بحيث يُعتبر الفعل الجرمي كأنه لم يُقترف أبداً، فلا يعود من حق المدّعي الشخصي أن يقدم دعواه الشخصية أمام المحاكم الجزائية، بل يتعيّن عليه رفعها أمام المحاكم المدنية. والعبرة تكمن في أن الشكوى مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي ترمي إلى المطالبة بالعطل والضرر، وتحريك دعوى الحق العام يستوجب توافر (فعل أو أفعال جرمية) قائمة وموجودة، وطالما أن العفو العام محا الصبغة الجرمية للفعل منتفٍ بسبب قانون العفو العام، بحيث يقتضي القول إنه لم يعد من مجال للحديث عن فعل جرمي قائم وموجود. وبما أن دعوى الحق الشخصي تُرفع أمام القضاء الجزائي تبعاً لدعوى الحق العام سنداً للمادة السادسة من قانون أصول المحاكمات الجزائية، فإنه يغدو متعذراً تقديم هذه الدعوى الشخصية أمام القضاء الجزائي، إذ لم يعد من الممكن إقامة دعوى الحق العام بفعل أثر قانون العفو العام.
وإذا صدر قبل إبرام الحكم، فإنه يُسقط الدعوى العامة، وتبقى دعوى الحق الشخصي من صلاحيات المحكمة الواضعة يدها على الدعوى، وذلك طبقاً للمادة العاشرة من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
أما إذا صدر حكم مبرم، فإن أثره يتجسد بزوال الحكم المذكور وبمفعول رجعي، وتبعاً لذلك تسقط كل عقوبة أصلية وفرعية وإضافية، ويشمل هذا السقوط الأعمال التي ارتُكبت قبل تاريخ معين يحدده قانون العفو العام.
• يراجع بهذا المعنى: محكمة التمييز الجزائية، الغرفة الأولى، قرار رقم 2004/52، تاريخ 24 أيار 2004، المرجع كساندر 2004/5، صفحة 826.
نزع قوة القضية المحكوم بها
ومن آثار العفو العام أنه ينزع قوة القضية المحكوم بها عن الحكم الذي اكتسب هذه القوة وشمله قانون العفو، ولأن قانون العفو العام ينزع عن الفعل وصفه الجرمي وبصورة رجعية، فإنه بذلك يمنع إبقاء الوصف المذكور، والدفع به أمام المراجع القضائية دفعاً شكلياً من دفوع المادة 73.
• يراجع: محكمة التمييز، الغرفة الرابعة، قرار رقم 82، تاريخ 15 حزيران 1993، منشور في كتاب القاضي عفيف شمس الدين “المصنف في أصول المحاكمات الجزائية”، لعام 1993، صفحة 414، رقم 1.
العفو العام والجاني الأجنبي
كما أن المادة 27 من قانون العقوبات تفيد أن المشرّع الجزائي اللبناني أدرج العفو العام كسبب مانع لملاحقة اللبناني أو الأجنبي الذي اقترف جرماً خارج الأراضي اللبنانية، ما يعني أن العفو الصادر بقانون عن مجلس النواب اللبناني يفيد اللبناني والأجنبي.
سقوط الدعوى العامة
وطبقاً لنص المادة 10 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، فإن الدعوى العامة تسقط بالعفو العام، وهو تنازل من قبل الدولة الممثلة لمصالح المجتمع عن حقوقها إزاء الجاني، وقد يكون العفو عن الجرم ككل أو عن العقوبة فقط.
لا شك أن العفو العام عن الجرم يزيل عن الفعل صفته الجرمية ويمحو كل النتائج، فتسقط الدعوى العامة نهائياً، حتى ولو أصبحت في التمييز.
• يراجع بهذا الخصوص: صبحي المحمصاني، العدل، 74، جزء 1، ص1، حيث ورد ما يلي: “العفو العام معناه إسقاط الصفة الجرمية عن بعض الأفعال، وهذا يستتبع سقوط الدعوى العامة وسقوط العقوبات الأصلية والفرعية والإضافية التي كانت مقررة قانوناً للجرائم المعفى عنها.”
استثناءات: الحقوق الشخصية والتدابير الاحترازية
لكن لا تأثير لهذا العفو على الحقوق الشخصية، ولا يشمل التدابير الاحترازية أو الإصلاحية إلا بنص صريح في قانون العفو.
وإذا كان العفو العام ينطوي على توقيف آثار قانون العقوبات في المسائل الواردة في العفو.
المراجع
1- شرح قانون العقوبات القسم العام، المجلد الثاني، تأليف الدكتور محمد نجيب حسني.
2- شرح قانون العقوبات بين النص والاجتهاد والفقه، دراسة مقارنة للمحامي الياس ابو عيد، الجزء الثالث.
3- أصول المحاكمات الجزائية – دراسة مقارنة وتحليل، فليومين يواكيم نصر.
4- موسوعة الاجتهاد- محكمة التمييز الجزائية، سمير عالية.
5- أصول محاكمات جزائية القاضي عفيق شمس الدين لعام ١٩٩٣.
6- مجموعة اجتهاد كساندر.
“محكمة” – الأحد في 2026/9/13



