العملة الرقمية وواقع القانون اللبناني/إميل عون
إميل عون (محام جنائي دولي وأستاذ جامعي):
الكريبتو، أو العملات الرقمية، هي أصول رقمية مشفرة تستخدم تقنية البلوك تشين لتأمين المعاملات وتوفير نظام مالي لا مركزي.
يعتمد الكريبتو على شبكة نظير إلى نظير، مما يعني أن المعاملات تتم مباشرة بين المستخدمين دون الحاجة إلى وسطاء مثل البنوك. وقد أطلق الرئيس الامريكي دونالد ترامب في بداية سنة 2025 عملة رقمية خاصة به حققت خلال أيام ارباحا” خيالية فاقت عشرة مليارات دولار اميركي. في لبنان، ليس هنالك تشريع حتى تاريخ كتابة هذه السطور ينظم أو يقدم هذا النوع من العملات الرقمية، وقد سعى الكاتب الى مراجعة بعض المصادر في المجلس النيابي اللبناني للتأكد من وجود مشروع أو مشاريع قوانين على هذا المستوى، فكان الجواب بالنفي. وقد شهدت المحاكم اللبنانية في 2025 دعاوى جنائية خطيرة تتعلق بتهريب مخدرات وتبييض اموال، منها امام محكمة جنايات بيروت برئاسة القاضي نسيب ايليا وعضوية القاضيتين فاطمة ماجد ورولا عبدالله، وقد أخذ موضوع “الكريبتو” حيزا” كبيرا” كوسيلة للدفع والتعامل المالي الرقمي، مع العلم أن التعامل بالكريبتو لا يؤلف جريمة في القانون اللبناني. أما من مساوئ التعامل في الكريبتو، فهو امكانية كبيرة للاحتيال خصوصا” في غياب التشريعات الواجبة على هذا المستوى. وفي مقاربة حديثة ومتقدمة للموضوع، هناك خطر من ظهور أنواع جديدة من الاحتيال، وخطر استخدام رموز الدفع (payment tokens) التي تعتمد عادةً على إخفاء هوية مستخدميها، في غسل الأموال أو لأغراض إجرامية أخرى. كما أن هناك خطرًا يتعلق بالحفظ في حال فقدان الرمز أو فقدان شيفرة الدخول. علاوة على ذلك، لا تُستخدم بعض رموز الدفع هذه كأدوات دفع، بل كاستثمار تخيلي (speculative)، مما يُسبب مشاكل إضافية تتعلق بحماية المستثمرين.
ونظرًا لأن رموز الدفع لا تُمثل مطالبة على أي أصل مالي أو مادي، ولا تُمثل أي استحقاق، فإنها عرضة لتقلبات الأسعار، والتقلبات الشديدة، وما ينتج عنها من مخاطر تغير القيمة (وهذا ينطبق على بعض العملات الورقية في الأسواق الناشئة، ولكن الفرق الرئيسي هو أن رموز الدفع ليست عملة نقدية قانونية). نظرًا لعدم تدخل أي بنك مركزي لتخفيف التقلبات الشديدة في الأسعار، فإن تقلب رموز الدفع سيكون أعلى من تقلب العملات الورقية، وفي غياب التشريع القانوني التنظيمي أو دعم البنوك المركزية، لا يمكن تقييم سعر السوق لهذه الرموز بشكل عقلاني ومتوازن، ويعتمد فقط على العرض والطلب.
كما هناك أيضًا خطر إساءة استخدام السوق، وقد قيل إنّ بعض “المستثمرين” في رموز الدفع يقومون في الواقع بتنويع استثماراتهم من العملات المشفرة الكبيرة إلى أنواع أخرى، بمعنى اذا امتلك عشر “حيتان” 50% من قيمة أكبر العملات الرقمية الأولية، قد يؤدي التواطؤ في ما بينهم بشكل مباشر إلى الحفاظ على الأسعار مرتفعة بشكل مصطنع، والتلاعب بكتلة كبيرة من الصفقات والمعاملات التجارية الرقمية.
بالاضافة لما سبق، هناك مخاطر فقدان أو سرقة البيانات الخاصة أو الهوية الرقمية، لأن غياب المركزية يعني عدم وجود سيطرة على الكتلة النقدية لرموز الدفع، وهو ما يُقارن بمهام البنوك المركزية في ما يتعلق بالعملة القانونية. ويمكن اعتبار ذلك ميزة أو عيبًا، حسب وجهة نظر المستخدم، ومع ذلك، من المرجّح أن يعيق ذلك تطوير هذه الرموز كبديل فعال للعملات الورقية.
أضف الى أنه لا يستطيع سوى عدد قليل نسبيًا من المستخدمين اتخاذ القرار بشأن تعديلات نظام يستخدمه ملايين الأشخاص، وهذا ما يطرح تساؤلات عديدة حول ديمقراطية وحوكمة تقنية التعامل الرقمي على المستوى العام.
وأخيرًا، أُثيرت مخاوف من أن رموز الدفع العامة القائمة على إثبات العمل، مثل البيتكوين، تتطلب تكلفة عالية للتحقق من صحة المعاملات، وتستهلك طاقة حاسوبية كبيرة، مما يثير قضايا بيئية ويجعل من الصعب توسيع نطاقها، كما هو موضح في الرسم البياني المذكور في التقرير السنوي لبنك التسويات الدولية لعام 2018.
المطلوب اليوم في لبنان وباختصار القيام بورشة تشريعية قانونية تتعلق بتنظيم التعامل بالعملات الرقمية الكريبتو، والاسراع باعداد واقرار القوانين المختصة ومراسيمها التطبيقية، لسبب أساسي وهو أن الكريبتو أصبح حاجة ملحة للسوق التجاري الداخلي والخارجي، وهو يعكس اداة تجارية مستقبلية وازنة بدأت تؤثر بوضوح على مجريات الاقتصاد العالمي والاقتصادات المحلية.
“محكمة” – الاربعاء في 2025/9/17



