نحو إستقلال القضاء في لبنان.. بين الواقع والمرتجى/شيرين عبيد
الدكتورة شيرين عبيد:
يكمن مفهوم إستقلالية القضاء، بقدرة كل قاضٍ على اتخاذ قراره أو حكمه في الدعاوى والنزاعات المعروضة عليه بعدالة وحياد، دون تدخّل جهات خارجية، أكانت من قضاة آخرين أو من أشخاص أو مؤسسات، مهما علا شأنهم. ويعني أيضاً أن يرعى مجلس قضاء أعلى شؤون القضاة والمحاكم ويحمي مصالحهم واستقلاليتهم ويعززها، وأن يكون بدوره مستقلاً عن التدخلات من أية جهة كانت.
يعدّ إستقلال السلطة القضائية من أبرز ركائن دولة القانون والمؤسسات، وهو شرط لا غنى عنه لضمان سيادة العدالة، وحماية الحقوق والحريات الأساسية، وصون مبدأ الفصل بين السلطات.
فالقضاء المستقل هو ضمانة المواطن الأخيرة أمام تعسف السلطة، وسلاح الدولة الأهم في مكافحة الفساد واستعادة الثقة العامة. غير أن الواقع اللبناني المثقل بالتجاذبات الطائفية والمصالح السياسية المتشابكة، يجعل من إستقلال القضاء تحدياً يومياً ومعركة مستمرة.
فبعد مسار طويل من النقاشات والتجاذبات بين وزارة العدل ولجنة الإدارة والعدل، ها هو إقتراح القانون المحال إلى الهيئة العامة لمجلس الوزراء تحت مسمى “إقتراح قانون التنظيم العدلي” يبصر النور. فقد اقر مجلس النواب مؤخراً قانون تنظيم القضاء العدلي في 31 تموز 2025، كخطوة اصلاحية طال انتظارها، تهدف الى ترسيخ استقلالية القضاء وتعزيز ادائه، الا انه في المقابل يرى البعض الآخر، أنه تضمن نصوصاً لاتتوافق مع ما هو مأمول ومطلوب بهدف ترسيخ الإستقلالية الفعلية للسلطة القضائية وتأمين حسن سير العمل القضائي، ويتضمن العديد من الثغرات التي لا تكرس استقلال القضاء بقدر ما يعيد إنتاج المنظومة القديمة، ويكرس الطائفية مرة جديدة ويجدد التدخل السياسي في القضاء، ويؤكد حرمان المجلس الأعلى من اي استقلالية كانت ادارية او مالية. مما يجعلنا نطرح السؤال عما اذا كان هناك اصلاح حقيقي، أم تكريس للهيمنة السياسية كما ذكر البعض؟
بناء على ما تقدم سنتحدث عن إيجابيات هذا القانون وسلبياته وذلك في ما يلي.
أولاً: سلبيات القانون
1- في تشكيل المجلس الأعلى للقضاء
يتألف المجلس الأعلى للقضاء من عشرة اعضاء على النحو التالي: أربعة اعضاء حكميين يعين كل منهم بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على إقتراح وزير العدل من أصل ثلاثة اسماء يقترحها المجلس الأعلى للقضاء بالذات لولاية تمتد الى 5 سنوات غير قابلة للتجديد او التمديد، أربعة أعضاء منتخبين من فئة القضاء التي ينتمي اليها كل واحد منهم لولاية تمتد الى 4 سنوات غير قابلة للتمديد او التجديد الا بعد مرور ولاية كاملة على انتهاء عضويتهم في المجلس الأعلى للقضاء، عضوان يختارهما اعضاء المجلس الأعلى للقضاء الحكميون الأربعة والمنتخبين الاربعة لولاية تمتد الى 4 سنوات غير قابلة للتجديد او التمديد الا بعد مرور ولاية كاملة على انتهاء عضويتهم في المجلس الأعلى للقضاء.
فبعد ان كان المجلس الأعلى يتألف من ثلاثة اعضاء حكميين اصبح اليوم مؤلفاً من أربعة أعضاء حكميين بذريعة التوازن الوطني، ماي فتح الباب امام محاصصة طائفية جديدة تحت عناوين رنانة لا تمت الى دولة القانون بأي صلة.
2- في غياب الاستقلالية المالية والادارية
غياب اي ضمانة حقيقية للاستقلال المالي للقضاء، فالمؤسسة القضائية لا تزال تفتقر الى ميزانية مستقلة تدرج ضمن الموازنة العامة بشكل واضح، ولا تزال رواتب القضاة مرهونة بتوقيع وزير المالية. اذ ان الإستقلالية المالية بحسب المعايير الدولية أحد الشروط لأي قضاء مستقل، اذ لا يمكن الحديث عن سلطة تفصل في النزاعات وتواجه الفساد، وهي تحت رحمة الجهات التي قد تكون موضوعاً لمحاكمتها.
3- في رقابة مجلس شورى الدولة
أولى مجلس الشورى حق الرقابة على اعمال المؤسسات القضائية ومقررات المجلس الاعلى للقضاء لجهة:
• الفصل بالطعن المقدم ضد قرار المجلس الأعلى للقضاء برفض طلب الترشيح المقدم من قاضٍ لعضوية المجلس المذكور،
• الفصل بالطعون المقدمة ضد القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى للقضاء لجهة شرعيتها دون ملاءمتها،
• البت بالطعن المقدم ضد القرار الصادر عن المجلس الأعلى للقضاء والذي أعلن فيه عدم أهلية قاضٍ متدرج لتولي القضاء الأصيل،
• الفصل بالمراجعة التي ترمي الى الطعن بقرار المجلس التأديبي الخاص بالمساعدين القضائيين.
بحيث ان إخضاع العديد من قرارات المجلس الأعلى للقضاء الرقابة القضائية من قبل مجلس شورى الدولة، انما يعطي هذا الاخير دوراً ومرتبة يعلوان دوره ومرتبته. الأمر الذي يخالف قواعد الإنتظام المؤسساتي.
4- في ربط التشكيلات القضائية بالسلطة السياسية
الإبقاء على نفوذ السلطة التنفيذية في التعيينات القضائية، إذ يبقي القانون صلاحية التعيين في مجلس القضاء الأعلى بيد السلطة التنفيذية، مع الإشارة إلى انه قد تم ادراج بند انتخاب 4 اعضاء في مجلس القضاء الأعلى، الا ان الغالبية لا تزال تعين من قبل السلطة التنفيذية مما يشكل خرقاً لمبدأ فصل السلطات التي نتغنى به في لبنان.
ورغم المطالبات المتكررة بان تكون التشكيلات القضائية من صلاحية مجلس القضاء الاعلى وحده، الا ان القانون الجديد يبقي التشكيلات مرهونة، ويشترط ان تصدر بمرسوم يوقعه كل من رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة، ووزيري العدل والمالية، ما يمنح القوى السياسية حق الفيتو وتفتح باب المفاوضات والمساومات والمقايضات.
كما أن السعي الى توفير أكبر قدر من الإستقلالية للسلطة القضائية لا يصح السير به على نحو يهدد استقرارها الداخلي وحسن سير المرافق العامة فيها عبر خلق تجاذبات ومنازعات وانقسامات واصطفافات وتيارات طائفية وسياسية داخلها بفعل الانتخابات التي ستجري لإنتخاب اعضاء اربعة في المجلس الاعلى للقضاء.
5- في شروط الترشيح
قيّد على القاضي عضو المجلس الأعلى حتى بعد انتهاء ولايته، ألا يحق له ان يترشح أو يعيّن أو ينتخب لمنصب عام إلّا بعد سنتين على استقالته من القضاء او احالته للتقاعد. الأمر الذي سيحمل العديد من القضاة الكفوئين والجديرين على عدم الترشح لعضوية هذا المجلس.
وقد أعطى النائب العام التمييزي حق اصدار التعليمات الفردية المتعلقة بتحريك الدعوى العامة وتسييرها بما في ذلك طلب كف التعقبات في ملف قيد النظر، عبر الرئيس التسلسلي لأي عضو في النيابة العامة، وتكون هذه التعليمات ملزمة لقضاة النيابة العامة جميعهم، شرط أن تكون خطية ومعللة. غير أن شأن هذا الدور والمهام المعطاة للنائب العام التمييزي تجعله رئيساً هرمياً على قضاة النيابة العامة ممسكاً بمفاصل الدعوى العامة ادعاءاً واسقاطاً، الامر الذي يتعارض مع مفاهيم العمل القضائي المرتبطة بالإنتظام العام الدستوري والقانوني واستقلالية القاضي في ممارسة سلطته ومهامه والتعبير عن قناعته القضائية بما تقرره، وذلك استناداً الى نص الفقرة الاولى من المادة 53 التي تقول “القضاة مستقلون في اداء مهامهم، ضماناً لحقوق المتقاضين وحرياتهم.”
فكيف يمكن لقانون يرمي الى تعزيز استقلالية القضاء بمعرض ممارسة القضاة لمهامهم أن يخضعهم لوصاية ورقابة وحتى لسلطة اقرانهم بمعرض ممارستهم لتلك المهام؟
ثانياً: ايجابيات هذا القانون
بعد كل ما تقدم، بقي ان ننظر الى الجوانب الإيجابية من القانون، الا وهي التالية:
1- تعزيز استقلالية الهيئات القضائية، اذ تم تكريس مبدأ استقلالية هيئة التفتيش القضائي مع إلغاء إشراف وزير العدل عليها.
2- تكريس حرية القضاة بالتعبير والتجمع، وتأسيس الجمعيات أسوة بجميع المواطنين، والظهور الإعلامي دون إذن.
3- ضمان حق القضاة في الطعن في القرارات الفردية والتنظيمية للهيئات القضائية امام مجلس شورى الدولة.
4- تكريس مبدأ المساواة بين القضاة وعدم التمييز بينهم على اساس المذهب او اي صفة اخرى.
5- حق القضاة بالترشح للمراكز القضائية والتنافس عليها.
6- تكريس مبدأ عدم جواز نقل القاضي الا برضاه حتى لو كانت على سبيل الترقية، الا اذا تعرض لعقوبة تأديبية او جاء تقييم عمله سلبياً. للمرة الاولى في تاريخ لبنان يتم ذلك، وان تم تحديد الضمانة بمدة قصيرة نسبياً وهي 4 سنوات.
7- تعزيز الحوكمة داخل القضاء، من خلال ضمان الشفافية الداخلية والخارجية لمختلف الهيئات القضائية.
في الختام ، ان هذا القانون خطوة متقدمة للإصلاح القضائي بعد أن شل العمل القضائي لسنوات طويلة نتيجة التدخلات السياسية في التشكيلات القضائية وسواها، فإن هذ القانون كرس عدداً من ضمانات استقلالية القضاء وإن بقيت هذه الضمانات في حدها الأدنى وبعضها غير كافٍ. وإنّ هذا القانون يعتبر إنجازاً قد حصل على أمل استكمال الإصلاح ومعالجة سلبياته او ثغراته في المستقبل.
“محكمة” – الخميس في 2025/9/4



