علم وخبر

الأصول الرجائية بين ضوابط النص واستنسابية التفسير/عبير راضي

المحامية عبير سمير راضي:
شكّل موضوع الأصول الرجائية المتبعة أمام المحاكم أرضاً خصبةً للباحثين القانونيين كون سلوك هذه الأصول وإن كان هدفها الأساسي حفظ حقوق الأفراد ومراكزهم القانونية، إلّا أنّها وفي ظلّ غياب نزاع بين خصوم تجسّد إستثناءً خطيراً على القواعد العامة للمحاكمة المدنية، كمبدأ سلطان الخصوم على النزاع ومبدأي الوجاهية والعلانية، فهذه الأصول الرجائية تتيح للأفراد وبإرادة منفردة الإستحصال على قرارات قضائية بغياب كامل لحضور أي خصمٍ أو أي فرد قد يتأثر بالقرار الصادر.
وانطلاقاً من هذا المقام، فقد خصّها المشرّع بضوابط قانونية إستثنائية أوجب مراعاتَها، سواء في نطاق القرارات الرجائية أو الأوامر على العرائض، وقد تولّى قانون أصول المحاكمات المدنية الجديد تقنين هذه الضوابط التي تعكس ملامح الأصول الرجائية من خلال نصوص المواد 552 و 594 وما يليها.  وأناط المشرّع بالقاضي سلطة ممارسة رقابة قضائية خاصة على حسن تطبيقها، مانحاً إيّاه صلاحيات واسعة ودوراً فعالاً.
ومن خلال تشريحنا لهذه النصوص القانونية، تبدّت لنا هذه السلطة الممنوحة للقاضي بوجهين: ففي وجهها الأول يحدد المشرّع الشروط والضوابط التي ينبغي على القاضي إتباعها عند مباشرة إختصاصاته، فتكون سلطته في هذه الحالة مقيّدة، ويكون عمله مقصوراً على تطبيق القانون على الحالات التي تستوفي شروط هذا التطبيق، وتجسّد القرارات الرجائية مع سندها القانوني صورة واضحة لسلطة القاضي ضمن هذا الإطار.
والوجه الثاني للسلطة الممنوحة للقاضي، هي حين يترك القانون له حرّية التصرّف ليقرّر وفقاً لما يراه مناسباً، فتتجلّى حينها سلطته التقديرية، حيث تشكّل الأوامر على العرائض الميدان الأوسع لهذه السلطة، إذ منحه المشرّع أوسع سلطة إستنسابية في هذا المجال تخوله وضع المعايير التي تتناسب مع كل حالة على حدة.
إلا أنه وعلى المستوى التطبيقي، وانطلاقاً من هامش السلطة الواسعة الممنوحة للقاضي في إطار الأصول الرجائية، رأينا أنه كان ثمة تباين في مقاربة القضاة لهذه السلطة وتعاملهم على أساسها، إذ غالبية القضاة قد التزموا بالضوابط القانونية والحدود التي أرادها المشرّع لدى منحهم هذه السلطة الإستنسابية، وفي المقابل توسّع البعض الآخر في هذا الإطار، الأمر الذي قد يكون أخرج العمل الرجائي عن الهدف الذي وضع لأجله. وهذا الأمر برمّته، خلق حالة من التضارب في الإجتهاد وفي تفسير الغاية من سلطة القاضي في إطار الأصول الرجائية وحيّدها إلى غير ما أراده المشرّع. إذ تظهر في حالات كثيرة أحكام متناقضة رغم وحدة الموضوع والسبب، كما يلاحظ في حالات أخرى، توسّع من قبل الإجتهاد في مواضيع حمّالة أوجه يمكن أن تعتبر نزاعية كما لها ما يبرّر إعتبارها رجائية.
ونافلة القول، من المفيد أن نؤكّد أنّ سلطة القاضي في إطار الأصول الرجائية قد استندت إلى نصوص تشكّل إستثناءً على المبادئ العامة ممّا يفرض عدم التوسّع بتفسيرها والخروج عن الغاية التي أرادها المشرّع. خاصة أنّ القاضي المدني خلافاً لحال نظيره الجزائي، مقيّد بنصوص تحدّ بشكل كبير من سلطته الإستنسابية وأيّ نصّ يوليه هذه السلطة يشكل إستثناءً يقتضي تفسيره بشكل حصريّ وضيّق.
وعليه، فإنّ المشرّع مدعوّ إلى ضبط إيقاع التضارب الحاصل في الإجتهاد من خلال تكريسه لنصوصٍ ترسم الحدود الواضحة للسلطة المنبثقة عن رقابة القاضي في الأصول الرجائية. وإلى حينه، فإنّ القضاة أمام مسؤولية كبيرة، تتطلّب منهم مواجهة النزعة الفردية لسلوك أصول المحاكمات الرجائية، عبر تضييق هامش قبول هذه الدعاوى، سيمّا في الحالات التي يغيب عنها الغطاء القانوني الواضح والصريح.
قائمة المراجع
مراجع عامة:
 أحمد أبو الوفا، نظرية الأحكام في قانون المرافعات، دار المطبوعات الجامعية، 2007.
 أحمد أبو الوفا، أصول المحاكمات المدنية، الدار الجامعية، بيروت، 2012.
 الياس أبو عيد، أصول المحكات المدنية بين النص والإجتهاد والفقه، دراسة مقارنة، المؤسسة الحديثة للكتاب، 2012،  المواد 540 إلى 569، ج  8.
 حلمي الحجار وهاني الحجار، الوسيط في أصول المحاكمات المدنية، دراسة مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، ط 7، 2018، ج 2.
 حلمي الحجار، القانون القضائي الخاص، منشورات الحلبي الحقوقية، ط 3، 1996، ج 2.
 حلمي الحجار، الوجيز في اصول المحاكمات المدنية، منشورات الحلبي بيروت، 2007.
 نصري دياب ، نظرية وتطبيق أصول المحاكات المدنية، المنشورات الحقوقية صادر، 2009.
 إدوار عيد وكريستيان عيد ، الوجيز في أصول المحاكمات المدنية،المنشورات الحقوقية صادر، 2005، ج 1.
 مروان كركبي، أصول المحاكمات المدنية والتحكيم، المنشورات الحقوقية صادر، ط 6، 2018،  م 2.
مراجع خاصة: 
 نبيل إسماعيل عمر، الأوامر على عرائض ونظامها القانوني في قانون المرافعات المدنية والتجارية، دار الجامعية الجديدة، الإسكندرية، 2000.
 طارق زيادة، القضاء المستعجل بين النظرية والتطبيق، دراسة قانونية، المؤسسة الحديثة للكتاب، ط 1، 1993.
 إيلي جبران، الأصول الرجائية أمام المحاكم المدنية، العدل، 2016، عدد 4، قسم الدراسات.
 حبيب حدثي ، توصيف القرارات بوقف التنفيذ وبرد طلب وقفه، العدل 2005، عدد 3.
 بدوي حنا، إجتهادات دراسات ونصوص، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 1992.
 بيار طوبيا، أحكام وطرق الطعن في: القرارات الرجائية الأوامر على العرائض التدابير المؤقتة والإحتياطية الأحكام المؤقتة، المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس، 2010.
 بيار طوبيا، الوجاهية والعلنيّة في قانون أصول المحاكمات المدنية، المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس، ط 1، 2022.
 بيار طوبيا، المعاملة التنفيذية بين الأصول الرجائية والأصول النزاعية، إشكاليات التوصيف والطعن، المؤسسة الحديثة للكتاب، 2018.
قوانين:
 قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني رقم 90 تاريخ 1983/9/16.
 قانون الإرث لغير المحمديين الصادر بتاريخ 1959/6/23.
 قانون التجارة البرية اللبناني.
 قانون الإيجارت 92/160.
 قانون قيد وثائق الأحوال الشخصية الصادر بتاريخ 1951/12/7.
 قانون حماية النساء وسائر افراد الاسرة من العنف الأسري رقم 293 تاريخ 2014/5/7.
 المرسوم الإشتراعي رقم 90 تاريخ 1983/9/16.
 القرار 188 الصادر بتاريخ 1926 المختص بإنشاء السجل العقاري.
مراجع إلكترونية: 
 الجامعة اللبنانية، مركز الدراسات والابحاث في في المعلوماتية القانونية، http://77.42.251.205/ViewRulePage.aspx?ID=135033&selectio،
 برنارد صادر،  مدى امكانيات تغيير اسم الإنسان في سجلات النفوس في القانون اللبناني، https://lebanon.saderlex.com/category. 2023
 محمد عدرة ، الأصول الرجائية ، www.arabiclawyer.org.
 مجلة محكمة، بطلان قرار مازح بمنع الإعلام من محادثة السفيرة الاميركية، https://mahkama.net/
“محكمة” – الثلاثاء في 2025/9/16

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!