مقالات

حول إطلاق العيارات النارية في الهواء.. ماذا يقول القانون؟/ عطاف قمر الدين

د. عطاف علي قمرالدين:
من العادات المؤسفة في لبنان والتي تفاقمت في الآونة الأخيرة، عادة إطلاق العيارات النارية في الهواء عند كلّ مناسبة حزينة أو سعيدة أو حتى في الخلافات الفردية البسيطة أو غير البسيطة… ومن المعلوم أنّ نتائج الفعل المدان المذكور، لا تقتصر على ترويع المواطنين الآمنين وإيذائهم نفسيًا وحسب، ولكنّها تنطوي على عبثية تهدّد سلامة الآخرين وأرواحهم! وإنّ الإيذاء الجسدي أو الموت الناجم عن إطلاق النار العشوائي في الهواء، يكاد يفوق جسامة الإيذاء أو القتل المقصود الذي يستهدف ضحية بعينها، لكونه يكشف عن مجرم مستهتر مستهين بسلامة الناس وبحياتهم بغير تمييز أو اعتبار لما يمكن أن يترتب على فعله الهمجي من أذى قد يصل إلى حدّ الوفاة حين تستقر الرصاصة العشوائية في جسد بريء!
والواقع أنّ الأرقام ذات الصلة على المستوى اللبناني، إنما هي أرقام “مخيفة” تفضح رعونة واستخفافًا لا يمكن التغاضي عنه من هذه الناحية، حيث أحصت، على سبيل المثال، شركة الدراسات والأبحاث والإحصاءات العلمية “الدولية للمعلومات” خلال الأعوام ٢٠١٠-٢٠٢١، سقوط ٨١ قتيلاً و١٦٩ جريح، أي بمعدّل ٧ قتلى و١٥ جريح سنويًا!
فكيف تعامل المشرّع اللبناني مع هذه الجريمة؟
قبل العام ٢٠١٦، لم يكن يوجد في لبنان أيّ نصّ جزائي صريح يجرّم فعل إطلاق العيارات النارية في الهواء، إلى أن صدر- متأخّرًا- في العام المذكور القانون رقم ٧١ تاريخ 2016/10/27 الذي عاقب كل من أقدم لأي سبب كان على اطلاق عيارات نارية في الهواء من سلاح حربي مرخص أو غير مرخّص به، على الوجه الآتي:
– بالحبس من ستة اشهر الى ثلاث سنوات وبغرامة من ثمانية اضعاف الى عشرة اضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور، ومصادرة السلاح في جميع الاحوال ومنع الجاني من الاستحصال على رخصة أسلحة مدى الحياة،
– بالحبس من تسعة أشهر الى ثلاث سنوات وبغرامة من عشرة أضعاف الى خمسة عشر ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور، إذا أدى الفعل المذكور الى مرض أو تعطيل شخص عن العمل مدة تقل عن عشرة أيام،
– بعقوبة الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات فضلاً عن الغرامة السابق ذكرها، إذا تجاوز المرض أو التعطيل عن العمل العشرة أيام،
– بعقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة عشر سنوات على الاكثر وغرامة من خمسة عشر ضعفاً الى عشرين ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور، إذا أدى الفعل المذكور الى قطع أو استئصال عضو أو بتر أحد الاطراف أو الى تعطيل أحدهما أو تعطيل إحدى الحواس عن العمل أو تسبب في إحداث تشويه جسيم أو أية عاهة أخرى دائمة أو لها مظهر العاهة الدائمة،
– وبعقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة التي لا تقل عن عشر سنوات ولا تتجاوز الخمسة عشر سنة وغرامة من عشرين الى خمسة وعشرين ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور، إذا أدى الفعل المذكور الى الموت.
والجدير ذكره في هذا السياق أنّ العقوبات الواردة أعلاه قد قرّر المشرّع تشديدها بموجب القانون رقم 2025/10 المنشور في الجريدة الرسمية العدد ٢٥- تاريخ 2025/6/5، وذلك بالنصّ على مضاعفة هذه العقوبات فضلاً عن إنزال العقوبة المقرّرة للفاعل بسائر المشتركين بالجريمة وعدم إفادة الفاعل من الأسباب التخفيفية.
ونحن نرى أنّ المشرّع عادةً ما يتخذ خيار التشدّد في المعاملة العقابية بشأن جريمة ما، كترجمة لرغبته في ردع مرتكبيها، ولكنّنا نعتقد أنّ البحث في آليات تطبيق القانون ومدى فعاليتها في تحقيق أهدافه، قد تكون السبيل الأنجح في عملية فرض احترام النصوص القانونية ومحاسبة المنتهكين للحدّ من أيّ ظاهرة تهدد سلامة المجتمع وتعكس صورة سلبية عن ثقافة مواطنيه.
ومع اقتراب صدور نتائج الامتحانات الرسمية للشهادة الثانوية في العام الحالي، نأمل من الجهات المخوّلة إنفاذ القانون، التعامل بحزم مع كلّ طائش يرتأي أن يعبّر عن فرحه المزعوم بأزيز الرصاص، دون أيّ رادع أخلاقي أو ضمير! مع التأكيد على أهمية التوعية والتثقيف بضرورة الالتزام بقواعد حمل السلاح للحدّ من ظاهرة السلاح المتفلّت التي تتزايد يومًا بعد يوم بشكل عام.
“محكمة” – السبت في 2025/7/19

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!